/
/
/
/

بعد أكثر من عام من الاحتجاجات المتواصلة، صوت، الأحد ا25 تشرين الأول الفائت، قرابة 79 في المائة من المشاركين في الاستفتاء على اصدار دستور ديمقراطي جديد بديلا عن الدستور الموروث من حكومة الدكتاتورية الفاشية التي أطاحت بحكومة الوحدة الشعبية اليسارية المنتخبة ديمقراطيا بانقلاب عسكري في 11 أيلول 1973. وبلغت نسبة المشاركة في الاستفتاء أكثر من 50 في المائة، وهي أعلى بكثير مما كانت عليه في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، والأعلى منذ الغاء المشاركة الاجبارية في التصويت في عام 2012، على الرغم من ضغط وباء كورونا. ويأتي انتصار الشعب المنتفض ليطوي صفحة مهمة من ارث حكومة بينوشيه الفاشية، وليؤكد قدرة الشعوب وانتفاضاتها الباسلة على تحقيق التغيير لصالح الأغلبية المضطهدة والمستغلة. وعدم قدرة المتسلطين مهما بلغ حجم الدعم الخارجي لمشاريعهم على الثبات والاستمرار. وكان الناخبون قد صوتوا قبل عامين في استفتاء على الانهاء الرسمي لحقبة اغستينو بينوشيه (1973 -990).

وحوّل الناخبون غضبهم إلى أمل ودفنوا صفحة أساسية من أرث ديكتاتورية بينوشيه. واحتفل الآلاف بفوزهم في المرحلة الأولى، في ساحة "إيطاليا" التي أطلقت عليها الجماهير تسمية (ساحة الكرامة)، على الطريق الطويل نحو مجتمع عادل يتيح حياة كريمة ويهدف إلى إنهاء عدم المساواة الاجتماعية. مرددين أغنيات ثوزية تعود الى سنوات حكم الوحدة الشعبية بزعامة سلفادور الليندي.

وصوت الناخبون على انتخاب مؤتمر دستوري يضم 155، تكون فيه نسبة النساء، لأول مرة في العالم، 50 في المائة، يقر مشروع الدستور بأغلبية الثلثين. وبهذه الطريقة رفضوا محاولة رئيس الجمهورية اليميني سيباستيان بينيرا، تعيين نصف أعضاء المؤتمر الدستوري، الذي سيجري انتخاب أعضائه في نيسان المقبل. وسيقر الدستور الجديد في استفتاء يجري في نيسان 2022.

لقد أصبح ذلك ممكنا، بفضل حركة الاحتجاج الواسعة التي شملت جميع فئات المجتمع، التي كان، عنوانها "استيقظت تشيلي، والتي انطلقت بنسختها الأخيرة في 18 تشرين الاول 2019. وجاءت امتدادا لحركات احتجاج متواصلة، التي بدأت عام 2006، وتصاعدت في عام 2011، بدأت بعصيان مدني قاده الشبيبة والطلبة ضد الزيادة في ثمن تذكرة مترو الأنفاق، ليتحول في النهاية الى حراك اجتماعيً في عموم البلاد ضد عدم المساواة الاجتماعية وضد حكومة اليمين المحافظ بزعامة الملياردير سيباستيان بينيرا، دولة الليبرالية الجديدة، التي عدت نموذجا يحتذى به، ومن اجل حياة كريمة للجميع.

في البداية تحدث الرئيس عن حالة "حرب"، وأعلن حالة الطوارئ، ولأول مرة منذ نهاية الديكتاتورية، أنزل الجيش في الشوارع. وسمحت النخبة الاقتصادية - السياسية للقوات العسكرية بالتصرف بوحشية، وبالضد من جميع اتفاقيات حقوق الإنسان، ضد المتظاهرين. لكن على الرغم من عنف الحكومة، ازداد الضغط على الرئيس لدرجة أنه اضطر في 15 تشرين الثاني 2019 إلى التوقيع على معاهدة سلام ودستور جديد مع مجموعة من السياسيين المعارضين.

ومنذ أيام الاحتجاج الأولى،، بدأ الناس يشكلون تجمعات الأحياء والمناطق السكنية. وبدأ التركيز على أهمية الدستور. وناقش المحتجون مطالب قصيرة ومتوسطة وبعيدة المدى مثل إدانة انتهاكات حقوق الإنسان، وضمان الحقوق الاجتماعية الأساسية مثل التعليم والصحة والإسكان والمعاشات التقاعدية وإمدادات المياه. وكان الهدف بعيد المدى هو إنهاء الليبرالية الجديدة وتغيير النظام. وكان من بين الشعارات الرئيسة أثناء الاحتجاجات „إنها ليست قرابة 30 بيزو (في إشارة الى الزيادة في ثمن تذكرة المواصلات)، إنها قرابة 30 عامًا من الظلم". وبالتالي، فإن الاستفتاء الدستوري الذي تم إجراؤه أخير هو أكبر نجاح سياسي، في اللحظة الراهنة، تمكنت الحركة الاحتجاجية من تحقيقه بعد مرور عام على استمرارها.

وتتحدث المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، بما في ذلك مفوضية الأمم المتحدة، عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من قبل قوات الأمن جراء قمع الاحتجاجات: أكثر من 30 قتيلاً، وآلاف الجرحى، بما في ذلك 460 أصيبوا في عيونهم بواسطة قنابل الغاز المسيل للدموع والرصاص المطاطي، الذي تبلغ نسبة المعادن في صناعته، وفقًا لدراسة أجرتها جامعة تشيلي، 80 في المائة، ولا يزال هناك 2500 متظاهر رهن الاعتقال منذ بدء الانتفاضة.

وفاقم وباء كورونا من حدة الانفجار السياسي. وأدت الإدارة البائسة للأزمات من قبل الحكومة وخصخصة النظام الصحي إلى انتشار واسع لوباء كورونا، وتعد تشيلي واحدة من أكثر البلدان تضرراً في أمريكا اللاتينية أكثر من 502،063 إصابة و13944 حالة وفاة، وفق معطيات 25 تشرين الأول الفائت.

الدستور الحالي كتب في عام 1980 خلال عهد الديكتاتورية العسكرية، التي مارست التعذيب والقتل الجماعي، وتغييب المعارضين. وحوَّلت تشيلي بدعم مما يسمى "فتيان شيكاغو" (مستشارون تدربوا في الولايات المتحدة بقيادة الاقتصادي ميلتون فريدمان) إلى مختبر لليبرالية الجديدة المتطرفة الاستبدادية. وقلصت دور الدولة، وقضمت الحقوق الاجتماعية، وخصخصة الخدمات العامة مثل التعليم والصحة والمعاشات التقاعدية. ويمكن فقط لأولئك الذين يملكون المال يحصلون على خدمات جيدة النوعية.

رغم ابعاده من الموقع الأول في السلطة، ظل أوغستنو بينوشيه قائدا عاما للجيش حتى عام 1998 ومنحه الدستور عضوية مجلس الشيوخ، وحصانة سياسية مدى الحياة. وتوفي عام 2006 دون أن يُدان بأي من جرائمه. وبلغ العدد الرسمي لضحايا الديكتاتورية أكثر من 40 ألفاً، بينهم 3065 قتيلاً أو مختفياً، اكثرهم من أنصار حكومة الوحدة الشعبية اليسارية، التي أطاح بها الانقلاب.

وبعد عودة الديمقراطية في عام 1990، وافق الائتلاف الحزبي "الاتفاق"، الذي تأسس كمعارضة ديمقراطية للديكتاتورية العسكرية ورشح جميع الرؤساء حتى عام 2010، على دستور 1980، وظل نظام التقاعد والصحة والتعليم وحتى إمدادات المياه في أيدي القطاع الخاص. وباءت بالفشل كل محاولات اليسار السياسي والنقابات والحركات الاجتماعية لتغيير ذلك. لقد ظل الدستور ماسكا بخناق الشعب وكان حماية للدكتاتورية السابقة، وضامنا لامتيازاتها، ولدور العسكر في الحياة العامة.

يريد مؤيدو الدستور الجديد تعزيز الدور الاجتماعي للدولة، لضمان الحقوق الأساسية: العمل والرعاية الصحية والتعليم ومياه الشرب، وإقرار حقوق سكان البلاد الأصليين. يربط ممثلو مجموعة السكان الأصليين - المابوتشي - العملية الدستورية بالأمل في إنهاء استبعادهم. وبررت القوى المحافظة والكثير من ائتلاف يمين الوسط "لا" لدستور جديد، بحجة أن الدستور الجديد من شأنه أن يقوض النموذج السياسي والاقتصادي القائم، والذي يزعمون أنه يوفر الاستقرار والنمو المستمر. وجاءت نتائج الاستفتاء لتلحق بهم هزيمة قاسية.

واحد شعارات المحتجين يقوا: لقد ولدت الليبرالية الجديدة في تشيلي وستموت في تشيلي". ويمثل الاستفتاء بداية التغلب على هياكل ديكتاتورية بينوشيه، لكن هذا لا يعني أنه تم التغلب عليها. ان نجاح الاستفتاء يمثل خطوة أساسية على طريق طويل. ومعروف أن النخب القديمة لن تتخلى عن نفوذها بسهولة. والامر يعتمد على مدى قدرة المجتمع المدني على فرض مطالبه الأساسيةـ خلال عملية إقرار الدستور الجديد، ولهذا فان استمرار ضغط الشارع يظل مطلوبًا.

حتى اليوم، يعتبر الرئيس اليساري سلفادور أليندي، الذي قتله الانقلابيون مصدر إلهام للمستقبل بالنسبة للكثير من التشيليين، مما يعزز أملهم في مجتمع عادل. وفي النهاية، يتعلق الأمر باستعادة الكرامة وحقوق الإنسان والمشاركة الديمقراطية. لذا فمن المنطقي أن يقرأ المرء اقول الليندي على الجدران: "التاريخ ملك لنا، والشعوب هي التي تصنعه".

نشرت لأول مرة في العدد 136 من مجلة الشرار

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل