(في الذكرى المئوية الثانية لولادة فريدريك انجلس - 28 / 11/ 1820)

في الفترة من خريف 1842 إلى نيسان 1845، نجح فريدريك انجلس في الجمع بين مجموعة متنوعة من الأساليب التي جلبها معه إلى إنكلترا أو التي وجدها هناك، الديمقراطية الراديكالية، والتوجه نحو الحركة العمالية والاشتراكية / الشيوعية، في شكل تنظيم اجتماعي وحضارة. ومنهجيا جمع بين الديالكتيك الهيغلي الثوري المتحول كفلسفة للسير نحو الحرية والعلوم الاجتماعية الحديثة في ذلك الوقت. لقد أكمل انجلس في نيسان 1845 أجزاء كبيرة من مسار “تطور الاشتراكية من يوتوبيا إلى علم” والى برنامج سياسي استراتيجي للشيوعية النقدية البروليتارية.

إن الأطروحة القائلة بأن انجلس هو من “اخترع” الماركسية، فكرة مسببة جيدا. ومما لا شك فيه، وصحيح أيضا، أن انجلس سعى مرارا وتكرارا، ومنذ سبعينيات القرن التاسع عشر وحتى وفاته، الى أن يدخل تفكير ماركس في الرؤية الثورية للعالم، التي طور معالمها بنفسه في سنوات 1842- 1845. ولكن هذا ما لا ينبغي أن يساء فهمه. وكما كتب أستاذ التاريخ البريطاني تريسترام هانت مصيبا: “سواء أعجب أحدهم ذلك أم لا، فإن النظام النظري العظيم لـ “ضد دوهرنغ” يعكس وجهة النظر الماركسية الأصيلة والناضجة”. إن المفاهيم التي طورها انجلس بشكل منهجي في كتابات هذه الفترة هي أيضا مفاهيم ماركس. لقد اخذ انجلس على عاتقه المهمة التي حددها لنفسه، حتى قبل عمله المشترك مع ماركس، في دفع كامل الاستراتيجية الثورية إلى الواجهة. وبهذا الخصوص وضع الاقتصادي البريطاني ويليام هندرسون النقاط على الحروف: “لقد كان انجلس هو الذي جعل، عن طيب خاطر، يده السهلة متاحة، لكي تصبح الصفحات الجافة لرأس المال في “ضد دوهرنغ” أكثر حيوية، ويتمكن آلاف القراء من فهم المبادئ الأساسية للتعاليم الماركسية”. القول بأن انجلس “اخترع” الماركسية ليس صحيحا فقط في ما يتعلق بعمله المتأخر، بل ينطبق أيضًا على أعمال انجلس بين تشرين الثاني 1842 ونيسان 1845، على الأقل، إذا فهم المرء الماركسية على انها وحدة التفكير الديالكتيكي والتحليل الاجتماعي العلمي والتفكير الموجه استراتيجيا لتحقيق التحول الاشتراكي للمجتمعات الرأسمالية على أساس الانخراط العملي التحرري لحركات الطبقة العاملة. لقد رأى انجلس أن “اندماج الاشتراكية” مع الحركة العمالية، في إنكلترا الشارتية، الشرط المركزي لكي “تصبح الطبقة العاملة الحاكمة حقا” في المجتمع الإنكليزي. ان كتاب “حالة الطبقة العاملة في إنكلترا” الصادر في ربيع 1845 هو “أول وثيقة رئيسية” للاشتراكية العلمية، وهو عمل لإنجلس وليس لماركس. لقد رأى انجلس بحق أنه كان الأول “الذي منح وثيقة أساسية للاشتراكية الألمانية القائمة حينها (منتصف عام 1840- الكاتب)، والتي كانت تطوف في عبارات جوفاء من خلال وصف الظروف الاجتماعية التي أوجدتها الصناعة الكبيرة الحديثة”.  حتى في مصادرها، كانت الماركسية، ماركسية انجلس. إن الكثير مما بحثه ماركس بالتفصيل أو عمّمه قد اكتشفه بالفعل انجلس. تحدث الكاتب النمساوي غوستاف ماير عن انجلس: “غريزة كلب الصيد الفطرية التي استوعبت الأساسيات بسرعة”. عندما يبرز انجلس دائما “اكتشافين” لماركس هما المفهوم المادي للتاريخ ونظرية فائض القيمة، فإن إنجاز انجلس كمن باستمرار في تطوير مجالات جديدة في التحليل والاستراتيجية من ناحية، وفي القدرة على “الابتكار في “الاشتراكية العلمية” كعمل شامل.

في عمله “حالة الطبقة العاملة في إنكلترا” في ربيع 1845 رسم انجلس الخطوط الأساسية للاشتراكية التي سعت إلى تبرير مواقفها علميا (تاريخيا، وكذلك في السياسة الاقتصادية) ورأى في الحركة العمالية القوة الحاسمة للثورة الاجتماعية. لقد نجح في صياغة سرد عملي وملموس وراسخ سياسياً. لقد طور انجلس من تاريخ الثورة الصناعية وانفجار إنتاج الثروة والبؤس الجديد، ومن الانقسام الطبقي للمجتمع ومن التنظيم الذاتي للطبقة العاملة، التي تدافع عن نفسها ضد بؤسها وحرمانها من حقوقها، منظورا للتحولات الشيوعية في المجتمع وأسس تطبيق الملكية المشتركة كبرنامج عملي.

لا أحد يعلم أي طريق كان سيسلك انجلس، وكذلك ماركس لو لم يلتقيا. بدأ انجلس شراكة العمر مع ماركس، بعشرة أيام صيفية قضاها انجلس في باريس، التي مر بها، ليلتقي ماركس في طريق عودته الى المانيا. دخل انجلس في هذه الشراكة بإنجازات تقف على قدم المساواة، ولا يحتاج لغض طرفه عنها، مقارنة مع تلك التي كان ماركس، الذي كان يكبره أكثر من عامين بقليل، قد انجزها في ظل ظروف أكثر ملاءمة. لقد قدم شيئا مختلفا عن ماركس، لكن هذا لا يجعل جهده، بأي حال من الأحوال، أقل أهمية. كان لأنجلس الأسبقية على ماركس في نواحٍ عديدة في استكشاف المسار، وفتح ميادين البحث في تاريخ الصناعة والاقتصاد السياسي والطبقة العاملة، فضلاً عن ترجمة المعرفة المكتسبة إلى سرديات فعالة للدور التاريخي للحركة العمالية من أجل الاشتراكية. في مقدمة “العائلة المقدسة” التي كتبها ماركس وانجلس نقرأ:” لذلك نقدم في هذه المناظرة الرئيسية تمهيدا لمؤلفات مستقلة سوف نقدم فيها - كل على حدة طبعا – نظرتنا الإيجابية وبالتالي علاقتنا الإيجابية بالنسبة لأحدث المذاهب الفلسفية والاجتماعية “. في الواقع تم انجاز عمل غير مسبوق في تاريخ العالم من حيث وحدة مفكرين اثنين.

ومع انتقال انجلس إلى بروكسل في نيسان 1845، انتهى التوازي والعمل المنفرد لبعضهما البعض. (عاش ماركس وانجلس في بروكسل متجاورين – المترجم) وقد أنهى هذا أيضا الانفتاح الكبير الذي كان يميز انجلس حتى تلك اللحظة، تجاور مقاربات الايضاح والتوجهات الاستراتيجية، والتجريب المستقل، والبحث المستقل. حتى ذلك الحين، كان انجلس يوجه نفسه نحو الحركة العمالية والمثقفين وأيضا أجزاء من البرجوازية. لقد أسس موقفه الشيوعي بشكل رئيسي على أساس إنساني عام، حتى لو كان يرى في الحركة العمالية القوة الدافعة للثورة الاجتماعية. وفسر التاريخ في سياق عمليات مختلفة للغاية. ان الأهمية الخاصة لما سماه هو وماركس في ما بعد قوى الإنتاج، بالنسبة للعمليات التاريخية، رآها في الثورة الصناعية والانتقال من البرجوازية إلى مجتمع رأس المال والعمل المأجور. ولم يكن هناك تعميم على الإطلاق لتاريخ البشرية. لقد قلب انجلس الاقتصاد السياسي الإنجليزي بشكل نقدي، دون تسبيب بديل علمي داخلي.

وفي تموز 1845، سافر ماركس وانجلس معا من بروكسل إلى مانشستر. لقد كانت رحلة لدراسة المدينة والبلاد التي استكشفها انجلس بشكل مكثف. عرف انجلس ماركس بالعالم الذي اكتشفه وايضا بأهم السياسيين والمفكرين وكتاباتهم في إنكلترا. ومنذ ان كانا يعملان في „الأيديولوجيا الألمانية” في تشرين الأول 1845 وصاعدا، امسكا بالخيط قطعة بعد أخرى، وظل انجلس متمسكا بهذا الخيط حتى وفاته بعد 50 عاما. إنه بوصلة ماركس-انجلس. إن عمل الحياة بالنسبة لأنجلس وماركس، مثل قطعة فنية بالكامل.

تحدث انجلس عن “التراخي في القضايا النظرية”، حيث نشأ هذا “القصور الذاتي، على الأقل جزئيا، كتعبير عن تقسيم العمل بين الصديقين. كان اهتمام انجلس أقل بإيجاد الحل النظري المثالي بقدر اهتمامه بالوصول إلى الجماهير، وعرض مناقشات مقنعة و”سرديات” صارمة، حتى يتمكنوا من أخذ القضية بأيديهم. أثارت هذه السرديات بدورها قضايا نظرية أساسية ناقشها مع ماركس ولاحقا مع إدوارد برنشتاين وكارل كاوتسكي وبول لافارغ وآخرين. وفي عام 1905 راى فرانس ميرنغ “ان الخطر كبير جدا” في التقليل من دور انجلس، منه في المبالغة فيه. ولخص أنجلس نفسه التناقض المرتبط بذلك في رسالة إلى ميرنغ: “ان من حالفه الحظ وعمل طيلة 40 سنه مع رجل مثل ماركس، لا يتمتع عادة في حياته بذلك التقدير الذي يمكنه، على ما يبدو، ان يأمل به. ولكن عندما يموت الرجل العظيم، يحدث بكل سهولة أن يشرعوا في تقدير رفيقه الأقل شأنا منه بأكثر مما يستحق، وهذا ما يحدث لي الآن على ما يبدو. بيد ان التاريخ سيضع كل شي في مكانه في آخر المطاف، ولكن حتى ذاك الحين، سأمضي مع السلامة الى العالم الآخر، ولن اعرف شيئا عن أي شيء”. مالت الأجيال اللاحقة لفترة طويلة إلى عدم الاعتراف بدور انجلس كما يستحق. ولذلك يجب أن تكون ذكرى ميلاده الـ 200 مناسبة لإنصافه أخيرا.

لقد دفع انجلس ثمنا لان يصبح ماركسيا،. وركز على الطريق الذي سلكه سوية مع ماركس. وبعد أن تحرر انجلس أخيرا، عام 1869 من الالتزامات التي ربطته بشركة “ارمان – انجلس” (مصانع والده - المترجم)، بدأ تقسيم جديد للعمل بينه وبين ماركس. وليس صحيحا أنه كان هرميا كما يشير توصيف “الكمان الثاني”. لقد كان لأنجلس طريقته الخاصة في التأثير على الحركة العمالية، وكانت الماركسية المبكرة في سبعينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، بدءا من “ضد دوهرنغ” ، بالتأكيد عمله الحاسم، الذي كان مشتقا من الوعي والروحية المشتركة  التي جمعته بماركس.

ــــــــــــــــــــــــ

*فصل من كراس بعنوان “ كن اشتراكيا، فردريك انجلس في مانشستر وبارمن الألمانية، 1842 – 1845” - مؤسسة روزا لوكسمبورغ - 2020 

** فيلسوف وباحث ماركسي في مؤسسة روزا لوكسمبورغ

عرض مقالات: