/
/
/
/

دأب الشيوعيون العراقيون على السعي والعمل المتواصل من أجل اعلاء شأن وأهمية الفكر في مختلف مفاصل عملهم الحزبي والسياسي العام، وقد كرسوا اهتماماً خاصاً للمناقشة والحوار في مواضيع وقضايا تشغل اهتمام الرأي العام في بلدنا والعالم وخصوصا المهتمين بقضايا الفكر والمعرفة والسياسة.                                                          

 يتزايد في ظروفنا الحالية الاهتمام والتأكيد وتسليط الضوء على موضوع اليسار وارتباطه بقضية الديمقراطية بمفهومها الشامل السياسي والإجتماعي، وعن إمكانية إضطلاع قوى اليسار بأدوار مهمة في النضال الوطني.. 

حوارنا سيكون مع الرفيق رشيد غويلب، الناشط السياسي والكاتب والمترجم والصحفي، والمهتم بقضايا اليسار....  

 أهلاً وسهلاً بك الرفيق العزيز رشيد غويلب في الحوار والحديث عن موضوع اليسار وأدواره التاريخية وارتباطه بموضوع الديمقراطية والتغييرات الاجتماعية

- شكرا جزيلا لإتاحة هذه الفرصة لي للمشاركة في ابداء الرأي بشأن ملف حيوي يتمتع براهنية قصوى ودور مستقبلي لا غنى عنه، خصوصا في بلد مثل العراق، حيث يعم الخراب والتخلف، وتتنوع الازمات التي تنخر جسد البلاد والعباد، الواهن بفعل عقود من التسلط والحروب والحصار وما تبعها من فشل ذريع لنموذج دولة المحاصصة والفساد الذي تناغم في قيامه واستمراره المحتلون وحلفاؤهم وكذلك القوى الطائفية والأثنية التي تصدرت المشهد، وما تزال، منذ احتلال العراق وانهيار الدكتاتورية البغيضة. ومن هنا فان القاء الضوء على الاسئلة المتعلقة بدور وأفاق قوى اليسار والأسئلة الجوهرية التي تهتم بها او تواجهها مطلوب اليوم أكثر من اي وقت مضى.

 ارتبط مفهوم وتسمية اليسار تاريخيا بموضوع البرلمان الفرنسي وجلوس النواب المؤيدين للجمهورية والعلمانية يساراً، ومع تقادم الزمن وتغير الأحوال ظهرت تسميات مختلفة لليسار... أين تكمن الأسباب في تعدد التسميات والتوصيفات؟ فهم المعنى والمغزى للمصطلحات يعتبر خطوة مهمة لتحديد وكشف دلالاتها...كيف يمكن تعريف مصطلح أو مقولة اليسار؟

- ان تعدد تسميات وتوصيفات اليسار تعود لأسباب منهجية، تاريخية، وحتى ثقافية. وكذلك ان تطور الصراع السياسي والاجتماعي ومروره بمراحل مختلفة اضاف لأجندة اليسار موضوعات واهداف ومطالب مختلفة انعكست هي الأخرى على التسمية الشائعة في هذا البلد او ذاك.

اليسار مفهوم نسبي تتحرك حدوده بدرجات مختلفة من قارة الى اخرى ومن بلد الى آخر، ووفق حاجات الصراع وتوازن القوى، والتجربة التاريخية وطبيعة البنية الثقافية في البلد المعين، لذلك فالتوصيف في الولايات المتحدة، هو غير حدود التوصيف في أوربا او امريكا اللاتينية.

 اما في البلدان العربية، فان تجربة اليسار متأثرة بأوروبا الموطن الأول لليسار المعاصر. وعلى الصعيد المنهجي ارى ان اليسار: مضادا للرأسمالية، ويناضل من اجل بديل لها جوهره العدالة الاجتماعية الجذرية وإعادة توزيع الثروة لصالح الأكثرية. وان يكون علميا،أمميا، متضامنا، تقدميا في رؤيته للعلاقات الاجتماعية وخصوصية الأفراد. وعلى هذا الأساس هناك الكثير من القوى والأفراد يمكن ان يكونوا اليوم شركاء لليسار وحتى جزء منه ويسيرون معه محطات تطول وتقصر، والفيصل في هذا مدى تقبلهم لفكرة اعادة توزيع الثروة. وسياسيا يمتد اليسار بالمعنى الواسع سياسيا من الاحزاب الديمقراطية الاجتماعية، مرورا بالأحزاب الشيوعية واليسار الماركسي بقراءاته الفكرية المختلفة، والكثير من احزاب الخضر والدفاع عن البيئة وصولا الى تيارات الفوضويين واليسار المتطرف.

والبديل المستقبلي بعيد المدى للرأسمالية بالنسبة لي هو الاشتراكية، التي تبقى هدفاً، وليس هناك من وصفة جاهزة لبنائها، كما تعلمنا سابقا، أو حتى لتحديد طبيعتها، فالتطور الاجتماعي في البلد المعين سيجيب على هذه الاسئلة المفتوحة.

 في معجم اللغة العربية يعرف اليسار بما يعني تسيير الأمور وتسهيلها، وأيضا إخصاب الأرض وخضرتها، ويذهبون بعيدا في دلالات مكان القلب يساراً.... والتسمية بهذا المعنى لا تبتعد كثيراً عن التسمية المكانية المعروفة...هل يمكن ادراج النشاط والجهد الفكري والسياسي الثوري لفرق وجماعات وأفراد كالقرامطة والزنج وإخوان الصفا وغيرهم ضمن خيمة اليسار تاريخياً؟؟؟

- يقول شهيد الفكر حسين مروة: كل فيلسوف عظيم يقف على أكتاف سابقيه (الجزء الأول من كتابه النزعات المادية في الفلسفة العربية والإسلامية).)

ومن هنا فان ملامح العدالة والسلوك والموقف لدى بعض الشخصيات التاريخية منذ صدر الاسلام يمكن النظر اليها من هذه الزاوية، اما الحركات السياسية والاجتماعية اللاحقة مثل ثورة الزنج والثورة البابكية (في القرن الثالث الهجري والتي دامت عشرين سنة) ورسائل اخوان الصفا وثورة القرامطة (الذين حكموا البحرين وأجزاء من العراق لمدة مئتي عام حملت ملامح  "الإشتراكية". مما شك فيه ان هذه الحركات كانت تقدمية بالنسبة لعصرها، ويمكن اعتبارها. ارهاصات جنينية في المنطقة على طريق تبلور اليسار، اما الحديث عن يساريتها، فهو امر صعب لأنها بأت وانتهت في إطار فلسفة دينية.

 حين يتم الحديث عن اليسار في العراق يحضر الحزب الشيوعي العراقي بإرثه وتاريخه النضالي والطبقي وحضوره كفصيل في جبهة اليسار والتقدم والى جانب ذلك هناك العديد من القوى والمنظمات والأحزاب التي تبنى بعضها اليسار والمفاهيم اليسارية والتقدمية، وبغض النظر عن تأثيرها وحجمها، لكن التاريخ لم يشهد تقاربا أو إتفاقاً، ولو بحدود معينة بين من تهمهم قضية اليسار...أين تكمن الأسباب؟

- موضوعيا لا تزال الظروف التي تعمل بها قوى اليسار والتقدم في العراق عموما صعبة للغاية، ولكن، لفهم غياب تقارب قوى اليسار في العراق لابد من القاء ضوء سريع على القوى الفاعلة في ساحة اليسار

منذ الاربعينات، وحتى انتصار ثورة تموز 1958 كانت هناك ثنائية سائدة، بالرغم من عدم دقتها: نظام ملكي حاكم، وحزب شيوعي يقود الشارع المعارض. وبقدر ما يتعلق باليسار بالمواصفات التي أشرنا اليها، لم يظهر حزب مواز فاعل للحزب الشيوعي العراقي، على الرغم من وجود العديد من العناوين والمجاميع، التي بقي مع الأسف تأثيرها السياسي ووجودها التنظيمي محدوداً.

 حاليا يمكن القول ان القوة الرئيسة الثانية في اليسار العراقي هم الناشطون اليساريون المستقلون، وبينهم الكثير الذي مر بقطار الحزب وغادره لأسباب مختلفة. وعليه فنحن في الوسط والجنوب نفتقر لتعددية حقيقية يمكن ان تشكل ارضية للتقارب، أو التنسيق، في حين توجد مثل هذه التعددية في كردستان، ولكن المتحقق في هذا الاتجاه هناك محدود جدا ايضا.

بالإضافة الى ذلك فان الكثير من التنظيمات ذات المسميات الشيوعية خارج الحزب الشيوعي تبني مع الأسف جزء كبير من نشاطها على توجيه النقد وأحيانا الاتهام للشيوعيين العراقيين، يضاف لذلك ان هذه الاحزاب / المجاميع تتبنى منهجيات فكرية مشدودة للماضي وتعاني من جمود عقائدي، وسيادة الجملة الثورية. وبالمقابل فان الحزب الشيوعي مدعو للنشاط أكثر على هذه الجبهة، والاستفادة من التجارب السابقة، فضلا عن تعميق عملية المراجعة والتجديد للأساليب والرؤى المعتمدة. وهنا تكمن صعوبة المهة. ويمكن هنا التفكير باشكال للحوار المفتوح والنشاط المشترك، الذي يمكن ان يكون بوابة لتقريب وجهات النظر بين الناشطين اليساريين على اختلاف هوياتهم الحزبية. ومهم جدا للحزب الشيوعي العراقي وعموم قوى اليسار الانتباه للمجاميع الشبابية اليسارية التي نشطت منذ اندلاع انتفاضة اكتوبر المستمرة.

 ارتبطت تسمية اليسار بالحركات والأحزاب والجماعات بالمعنى السياسي والنضال الاجتماعي العام، لكن يبقى الهدف والمرتجى احداث التغييرات البنوية في الأنظمة الاقتصادية والمجتمعية، وارتباط ذلك بموضوع الدخول الوطنية وكيفية التقسيم العادل لها وإشاعة مفاهيم العدالة الاجتماعية...السؤال هنا عن ارتباط التسمية اليسارية بالمواقف من قضايا الاقتصاد والتغيير الاجتماعي والعدالة؟؟؟؟

 - الاسئلة الاقتصادية والاجتماعية يجب ان تكون العمود الفقري الذي يقوم عليه برنامج اي حزب يساري جذري، ولا يمكن الحديث عن يسارية حزب او حركة، دون اعتبار العدالة الاجتماعية الجذرية ضمن الاهداف الاساسية التي يجري النضال لتحقيقها.

العدالة الاجتماعية بجوهرها تعني محاولة بناء مجتمع عادل ومنصف في مواجهة الاستغلال والتميز في توزيع السلطة والثروة في البلد المعين والعالم اجمع. ولم تؤد التغييرات التي احدثتها العولمة والثورة الرقمية، وما ارتبط بها من متغيرات نالت تركيبة العاملين واتساع قطاعات العمل الى تغيير جوهري لطبيعة الصراع، الذي ما زال يدور بأشكال وادوات مختلفة على توزيع الثروة وفائض القيمة والسلطة. وعندما نتحدث عن تحقيق العدالة الاجتماعية في السلطة، فإننا نعني بذلك الديمقراطية التي يمثل تحقيقها كمضمون وثقافة وآليات ضمانة لتحقيق المسارات الاقتصادية والاجتماعية. وانطلاقا من هذا الفهم فان الاشتراكية المرتبطة بالديمقراطية تعتبر الشكل الأفضل لتحقيق العدالة الاجتماعية.

يضم اليسار في أوروبا وغيرها من البلدان، طيفا واسعا من القوى والجماعات، التي تتبنى احيانا مواقف تجنح بعضها للتطرف فيما يخص الحقوق والحريات والموقف من الدين والتقاليد، ويقابلها في بلداننا محاولة نقل وتبني أوتوماتيكي لهذه المواقف، من بعض الجماعات اليسارية...كيف تنظر انت كباحث ومهتم بشؤون اليسار والجماعات اليسارية؟

- لنتفق ان النقل الميكانيكي حتى للقراءات والمواقف الفكرية والسياسية الدقيقة، تمثل ممارسة غير صحية، فالمجتمعات تختلف بدرجة تطورها، وثقافتها، والعوامل الضاغطة على مساحة الحريات العامة والخاصة.

 في أوربا مثلا هناك مساحة واسعة للتعبير عن الرأي، وتفهم حتى للطروحات المتطرفة، والتقاليد السائدة تعكس درجة التطور الاجتماعي، والدين والمقدسات أمور شخصية، لا تشكل جزءا من المنظومة القانونية النافذة، التي يمثل دستور البلاد أهم وثائقها.

العنصرية والتطرف والانغلاق الديني غير مرخص بها في الفضاء العام، وبالتالي فان الممنوع هو تجاوز القانون والإساءة للحقوق العامة وحرية الآخر. طبعا هذا لا ينفي وجود جماعات وممارسات عنصرية ومتعصبة، ولكنها لحد الآن اقلية غير مهيمنة. وإذا ما قارنا ذلك في مجتمعاتنا فالمسافة بعيدة جدا، ناهيك عن الاختلاف في التجربة التاريخية والثقافية. أضف الى ذلك التدمير والتراجع الاجتماعي وسيادة القراءات السياسية للدين، وحرص الجماعات المهيمنة على ترسيخ قيم التخلف والتعصب الديني والعشائري تحت يافطة صيانة المقدس. واجتماعيا لا يزال تأثير الدين عميقا في ثقافة هذه المجتمعات.

هناك حقيقة مفادها ان نجاحات اليسار في مجتمعنا، ارتبطت بتبني تحليل واقعي لطبيعة الصراع وإمكانيات تحقيق النجاح في حسمه، ولعل تراث الرفيق فهد في التحليل والممارسة خير مثال على ذلك، دون ان نهمل العوامل الأخرى.

وبالنسبة لليسار الذي يمثل القوة الأكثر جذرية في سعيها للتغيير وتعميق التنوير، فان بوابة النجاح تتمثل في التمسك بالتحليل العلمي لمجتمعاتنا والجمع بين عدم التنازل عن قيمه الأساسية، بحجة الوسطية والمرونة، وتبني سياسات وخطاب اعلامي تعبوي قادر على توفير قناعات للأكثرية صاحبة المصلحة في التغيير. اما التطرف والمزايدة والافتعال فهي مؤشرات على ضعف الجماعات التي تتبناها، وعدم القدرة على تأثير حقيقي في مسار الصراع، ولهذا لا تجد هذه الجماعات سوى الضجيج الإعلامي بديلا. وأخيرا ان معركة اليسار وجميع قوى معسكر التغيير ليس مع الدين وحرية ممارسته البعيدة عن الغلو، بل مع تبني قراءات للنص الديني لغرض ترسيخ هيمنة تمارس الاستبداد والقمع وإلغاء الآخر.

 موضوع المناخ والبيئة احتل ولازال اهتماما استثنائيا في برامج وتوجهات قوى اليسار في العديد من البلدان عالميا، يقابل ذلك اهمالا وعدم اكتراثا في بلداننا. مع توقيع البرلمان العراقي على معاهدة باريس الملحق، التي تخص المناخ والبيئة، تتضاعف مسؤولية كل قوى المدنية واليسار في العراق، في تغيير وتجديد وإنعاش برامجها في هذا الموضوع الذي يخص حاضر ومستقبل الشعب والوطن.

- بدءًا لابد من الاعتراف ان اهتمام قوى اليسار والتقدم في منطقتنا ضعيف بأسئلة حماية البيئة والحد من تغيير المناخ المدمر. ويعود ذلك الى جملة من الأسباب لعل أهمها التخلف العلمي الذي يعاني منه الكثير من هذه البلدان، وخصوصا تلك التي تعرضت مجتمعاتها لقمع الأنظمة الاستبدادية والحروب والحصارات الإمبريالية وانتشار الفساد، وتوقف عجلة الاقتصاد، وسيادة نموذج الدولة الفاشلة كما هو الحال في العراق.

هذا الواقع الضاغط يجعل قوى اليسار والديمقراطية تركز على الأسئلة السياسية الحارقة مثل طبيعة وشكل الدولة والنظام السياسي، وتحقيق شكل من العدالة الاجتماعية يوفر الحد الأدنى من ظروف حياة إنسانية للأكثرية. ورغم أهمية وأولوية مثل هذه الأسئلة، إلا انه لا يمكن تحقيقها، دون الانتباه الى ملف حماية البيئة ووقف التغيرات المناخية، فأمنا الأرض، كما يقول يساريو أمريكا اللاتينية، مهددة بالفناء، إذا ما استمر نظام الإنتاج الرأسمالي السائد في العالم، ومعه الاستغلال غير المحدود للثروة والإنسان، وشيوع النزعة الاستهلاكية في نمط الحياة الامبريالية. ومن هنا فان قوى اليسار والتقدم والنقابات والحركات الاجتماعية، مدعوة لإعطاء اهتمام أكبر بهذه الملفات، بالترابط مع النضال من اجل قطاع زراعي منتج ومتطور، وقطاع صحي يضع الانسان في مركز الاهتمام، وقطاع تعليمي يغادر الخرافة ويحث الخطى من اجل اللحاق بعجلة التطور العلمي في العالم. ولا يقل أهمية عن ذلك متابعة الاهتمام العالمي بالبيئة والمناخ والبدائل التي تطرها قوى اليسار والتقدم في العالم، والحركات الاجتماعية والشبابية التي تتصد النضال من اجل عالم أفضل.

ومن المفيد الإشارة الى ان أحد محاولات تفسير انتشار كورونا يعود تدمير البيئات الطبيعية للأنواع البرية وغزو النظم البيئية الأصلية من خلال إقامة مشاريع حضرية أو صناعية يخلق ظروفا خاصة لحدوث طفرات متسارعة في سلسلة الفيروسات التي لم يسبق لمناعة الحيوانات البرية التأقلم معها، وانتقالها من الأخيرة الى الحيوانات الأليفة، او الى الانسان مباشرة.

 مع جائحة كورونا كشفت الكثير من مساوئ وعورات الأنظمة الصحية في بلدان رأسمالية عديدة، وأيضا الحلول الاجتماعية والاقتصادية، التي تم تبنيها، والتي أدت بأضرار جسيمة وسط الفئات والقطاعات الشعبية والمهمشة.. هل من الممكن أن يدفع ذلك عددا من القوى اليسارية والمدنية التقارب فيما بينها، وإلى تبني مواقف وسياسات وبرامج طبقية واجتماعية أبعد من تلك التي تتبناها اليوم؟؟

- لقد جاء انتشار الوباء ليسلط الضوء على الجوهر الصحيح لسياسات اليسار ومطالباته بشأن السياسة الاجتماعية عموما، والقطاع الصحي خصوصا. ولقد دأب اليمين في المراكز الرأسمالية على اهمال دعوات اليسار الى ابعاد القطاع الصحي عن الربحية، وإخراجه من دوامة الخصخصة وسياسات التقشف، انطلاقا من الانسان ليس سلعة. وعندما انتشر الوباء واجهت القطاعات الصحية في البلدان الرأسمالية المتقدمة مشاكل جدية، لان سياسات الليبرالية الجديدة قد دمرتها، فضلا عن الطابع الطبقي المنحاز للأثرياء. وبالتالي فان اليسار يملك نقطة شروع واضحة في التعامل مع أزمة الوباء، وهذا ما عكسته البرامج العديدة التي طرحتها قوى اليسار في مختلف بلدان العالم والتي ركزت على إعادة قطاع الصحة بالكامل إلى الملكية العامة. وأبعاده من الخصخصة، وتطويره وزيادة عدد المستشفيات والعاملين فيها وزيادة رواتبهم. وتحويل القطاع الصحي في المؤسسات العسكرية الى الخدمة الصحية المدنية، وتحويل صناعات الأسلحة والعسكرة الى صناعة الأجهزة والمعدات والمواد التي تسهم في مواجهة الوباء.

وفي الجانب الاجتماعي شددوا على أن يكون مركز الثقل في الحزم المالية المخصصة لمواجهة الأزمة لتقديم التعويضات للعاملين، وخصوصا الذين يمارسون اعمالا يومية او مؤقتة وعمال المواسم والتراحيل، وان لا تكون حصة الأسد كما هو جاري للشركات الكبيرة والمؤسسات المالية. والاهتمام بالأوساط المهمشة كالمشردين والمعدمين واللاجئين. وكذلك دعم العاملين في الوسط الثقافي على تنوعه وتعدده.

لقد اثارت أزمة كورنا آمالا بشأن تعزيز دور الدولة في الاقتصاد والسياسية، وفتحت أحلام بإمكانية تجاوز سياسات الليبرالية الجديدة. وهو ما دفع الكثير من قوى اليسار الى التنبيه الى طبيعة هذا التدخل المحسوب لمواجهة الأزمة وتحميل دافعي الضرائب في النهاية أعباء تجاوزها، وان هذا التدخل لا يمس طبيعة وآليات عمل السوق الرأسمالية، وبالتالي ليس هو التدخل المرجو لتحقيق سياسات اجتماعية لصالح الطبقات والفئات الأقل دخلا والأكثر فقرا.

لقد فتحت أزمة كورونا افاقا جديدة للعمل والتعبئة لقوى اليسار والتقدم. وجاءت النجاحات التي تحققت في البلدان التي تحكمها أحزاب شيوعية ويسارية مثل كوبا وفيتنام وولاية كيرالا الهندية التي تقودها حكومة شيوعية، وحتى في بلد مثل اورغواي يعود نجاح الحكومة الحالية في مواجهة الوباء الى 15 عاما من حكم تحالف اليسار الذي اورث اليمين الصاعد للسلطة قبل عام، نظاما صحيا واجتماعيا يمتلك الكثير من عناصر القوة، وبالتالي فان هذه القوى تمتلك أسبابا كثيرة لتجميع قواها وتعزيز بدائلها وصولا الى نجاحات أعمق. طبعا وسائل الاعلام المهيمنة في العالم تؤكد فقط على نجاحات بلدان المعسكر الرأسمالي مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة. ويمكن الإشارة أيضا الى حملات الدعم والتضامن التي قامت بها قوى اليسار والحركات الاجتماعية لمساعدة المحتاجين والمتضررين من الوباء وخصوصا في بلدان الدول الضعيفة والفاشلة كما شهدنا ذلك في العراق.

 ما هي الخبر والتجارب والمواقف والبرامج التي راكمها نضال قوى اليسار في أوروبا وغيرها من البلدان، والتي من الممكن أن تستفيد منها قوى اليسار في بلداننا، وخصوصا العراق، ودون النقل الحرفي والمدرسين لذلك...؟؟

- بعد انهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوروبا شهدت ساحة اليسار حراكا واسعا لطرح إجابات على الأسئلة التي اثارها الحدث. وطرح الكثير من قوى اليسار العديد من الأفكار واشكال العمل، كان منطقها عدم التسليم بالهزيمة وأن "الرأسمالية نهاية التاريخ"، مصحوبا بأجراء مراجعات شاملة فكرية وسياسية وتنظيمية، تضمن الكثير مما يمكن لقوى اليسار في منطقتنا الاستفادة منه، دون الوقوع في فخ الاستنساخ الحرفي، مثل التأكيد على الاحتفاظ بجوهر الرؤية العلمية للعالم، واعتماد اشكال تنظيم مرنة وأكثر قدرة على تجاوز المعوقات، والتأكيد على المشاركة الواسعة في اتخاذ القرار، واعتماد الشفافية، وخطاب سياسي وإعلامي بعيد عن الجمود الفكري، و علاقة اكثر فعالية تجاه الحركات الاجتماعية والنقابية والمنظمات المهنية. وتجاوز الحواجز بين تيارات اليسار ومدارسه الموروثة من التجربة السابقة. وإقامة تحالفات واسعة تجمع بين تحقيق اهداف آنية وتفتح الطريق للأهداف بعيدة المدى، وإقرار برامج في ضوء حاجات الناس والدراسات الميدانية، بعيدا عن التجريد النظري، وغيرها الكثير.

ان بعض قوى اليسار في منطقتنا قامت بمحاولات في هذا الاتجاه، ولكنها لا تزال محدودة، نتيجة لضغط الإرث القديم، وانشداد الكثير من هذه القوى الى الماضي، فضلا عن الظروف الموضوعية الصعبة التي تحيط بنضالها.

 هل يمكن التأشير لمهمات نضالية وواجبات ثورية وطنية للشيوعيين في تفعيل وتنشيط الدور السياسي والتعبوي لإدامة زخم وتأثير قوى اليسار والتقدم في مجمل الحركة السياسية وبما يضمن تغيير موازين القوى لصالح قوى اليسار والمدنية في العراق...

- الى جانب تأكيده على المهام البرنامجية المعروفة، كان الحزب الشيوعي العراقي الحامل الرئيس لترسيخ قيم التنوير والسلام والتقدم والديمقراطية، وتمثل هذه العناوين الرئيسة مهام عامة ودائمة، وتكتسب اليوم اهمية أكثر من العقود السابقة. ولعل تنشيط الاهتمام بالفكر والثقافة والإبداع تعتبر المهمة الأرأس، انطلاقا من ان المعركة من اجل التغيير تعني معركة لفرض توازن قوى مجتمعي وسياسي جديد، اي خلق وعي معاصر يشكل ماكينة لأنصار مشروع التغيير.

اما مهام الحزب المقبلة فقد تناولها التقرير السياسي الصادر عن اجتماع اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي ٤-٧ حزيران ٢٠٢٠ بشكل ضاف.

........

سيرة ذاتية للرفيق رشيد غويلب

من مواليد محافظة كركوك 1956

- ناشط سياسي وكاتب ومترجم صحفي مهتم بقضايا اليسار وعالمنا المعاصر ينشر في طريق الشعب، الثقافة الجديدة، وعدد من المجلات والمواقع اليسارية.

- مشارك في العديد من مؤتمرات احزاب قوى اليسار الألماني وكذلك في فعاليات تضامنية مركزية مع نضال الشعب العراقي لإنهاء الحرب وإسقاط الدكتاتورية.

- قدم العديد من الندوات بشأن تطورات الوضع في العراق، وخصوصا بعد حرب الخليج الثانية 1991 والحرب الاخيرة في عام 2003 وما بعدها.

ساهم في العديد من الحوارات التلفزيونية، والإذاعية منذ اسقاط الدكتاتورية وحتى الآن. -

- صدر له كتابان يتضمنان مقالات وترجمات: الاول عن التجارب اليسارية في امريكا اللاتينية، والثاني حول التطورات في اليسار الأوربي.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل