/
/
/
/

حين اطلعتُ ، ذات يومٍ ، قبل سنين،  على خبرِ ركوبِ  الدكتور قاسم حسين صالح الى (سفينةِ  مظفر) انتابتني موجةٌ من السرور البالغ.  

ظننتُ ان الشعر الشعبي و شاعره المجدد ،   مظفر النواب،  بحاجةٍ الى عالمٍ متميزٍ يحظى بمكانةٍ متميزة في التحليل السيكولوجي،  لمعرفة حقيقة ما ينتاب حالة اللاشعور عند الشاعر وهو في حالة النظر الى الفراغ أو الى الفضاء، من على اعلى مكان في سفينته المبحرة ،  باحثاً عن كلمةٍ أو عن عبارةٍ ، عن حرفٍ واحدٍ  من الحروف الدقيقة .

ربما يبتهج القرّاء الكرّام إذا تكرّم الدكتور قاسم حسين عليهم ،  باستخراج جهده  النفساني،  العميق،   ليمنحهم تقويماً شاملاً،  عما يواجه  مظفر النواب،  حين يقابل قصيدته الشعرية – الشعبية ، بصفةٍ ليست دبلوماسيةً، بل بصفةٍ سيكولوجيةٍ.

القرّاء لا يكتفون بقراءة القصيدة فحسب،

 يريدون عن حبٍ وافرٍ،

التعرّف على النظام الرمزي ، الشعري ، المعتمد من الشاعر.

هذا الأمر عنصر اصيل من عناصر الغوص في أعماق الرحلة الشاعرية في (سفينة مظفر) ومشروعية الإبحار فيها على ضفاف دجلة و الفرات وهي تحمل  زوجين زوجين ، صنفين صنفين ، من كل شيء يتعلق بالشعر الشعبي بدءاً من اجناسه وأوصافه و أوزانه ورؤيته و رؤياه و أشكاله  و مدارسه و تخصصاته.

 لذلك فأنني كنتُ و سأظلّ منتظراً من الدكتور قاسم حسين و من طلاّبه الدارسين،  التحليليين،  النفسيين،  المهتمين باجتماعية الشعر الشعبي و بسيكولوجيته ،بالدرجة الأولى،  إذ أن المحلّل النفسي شأنه شأن كاتب الرواية الحديثة ، لا يكتفي بمجرد تنفّس العمل الشعري أو المرور بمسالكهِ الموحية، مروراً عابراً أو سريعاً أو جزئياً.  إنه يدخل الى تفاصيل التفاصيل في صلبِ  الأحداث وفي عمق  الشخصيات ، كافة. أملي ان نستفيد من إمكانية   صعود عالم نفساني  الى (سفينة مظفر) من اجل ان يسهم في تأسيسِ حضورٍ فرويديٍ بممارسة (التحليل النفسي) لجميع ما تحمله و تحتويه قصائد مظفر النواب ، من تفاصيل التفاصيل ، في أبيات الشعر الشعبي و أمثاله و مزاميره .

 معرفتي بحجمِ ثقافةِ الدكتور قاسم تجعلني واثقاً في قدرة دخوله  الى جميع ممرات و زوايا (السفينة)  وكشف الأجزاء المحركة فيها جزءاً، جزءاً وأن  يتيح لجميع  محبي الشاعر ، مظفر النواب،  رؤية و تلمّس جوهر فراستهِ بالشعر الشعبي.

أقول ،هنا ، عهداً:  سأظل بانتظار سانحات الزمان أمام صديقنا و صديق الشعر الشعبي ، ليقدم ، لنا،  مسك الشعر و الشاعر و الشاعرية   في (سفينة مظفر)  المحملة بزوجين من رياحين القول و التفاعل و الانفعال و التميز و النهوض و التعبئة و الانهاض و النبض بالحياة .  

يمكنني بسهولةٍ تامة ٍ، ايقاظ أي شخصٍ ما زال نائماً، برشِ الماء البارد على وجههِ ،  ليرى  بعينيه ان حالة العين الشعرية المظفرية، تتجه بحركةٍ ذكيةٍ إلى أعلى   يلقيها  في شبكة كرة السلة،  ثم النظر الى اسفل لالتقاط الكرة ، مرة ثانية، و رميها بذات السلة ،   حتى يتم احراز الفوز ، كله ،  بالوقت المحدد.  

بهذه الصورة الكادحة تفوز ابيات الشعر المظفري، بيتاً، بيتاً ، مثلما تتكوّن كلمةً ،كلمةً بعد التأمل و التفكير فيها. هذه الحركات الجسيمة كانت بنظر الدكتور قاسم حسين فعلاً شعرياً – عقلياً – إيجابياً .

هناك ملاحظتان متوازيتان تحيطان بسطورٍ تاليةٍ  عن علاقةِ صديقين ليسا من مهنة او حرفة فنية واحدة .

ما يجمعهما ليس غير وجود ما يلي  :

(١) الاصالة في أخلاق الحرية .

(٢) الشرعية في السلوكية شبه الصوفية  المرتبطة بالحرية ، لكلِ واحدٍ منهما .

كلُ واحدٍ ،منهما، عنده (قوة) في (الفعل) و في تجديد نظرتهِ و تجربتهِ ، بدءاً من تراثهِ ،حتى نهاية اكتمال العالم بإلغاء استغلال الانسان لأخيه الانسان.

كلُ واحدٍ ،منهما، له رؤية خاصة ،

لا تخلو رؤية كلِ واحدٍ ،منهما ، بمشاركةٍ   في الواقع الحاضر،

وله رؤية في المستقبل،

رؤية المستقبل ، الأفضل، المتنوع. 

كلُ واحدٍ ،منهما ، يريد المشاركة ببناءِ منطقِ التاريخ العراقي . لأنهما يظنان أن الانسان العراقي لم يولد، بعدُ.

لهذا و ذاك فأنهما ،معاً، من عمّال الزمن الآتي، حيث يولد الانسان العراقي . 

لا اتحدث في مقال اليوم عن اشكاليةٍ أدبيةٍ تواجه الشاعر مظفر النواب . لا توجد على طاولتي أية اشكالية تتعلق بطبيعةِ نشاطِ الدكتور قاسم حسين في مجال العلوم و السيكولوجيا. لا ارى شيئاً مشتركاً بينهما سوى (المعرفة ) . ليست  معرفة ناتجة من عقل إلكتروني  مثل ( كوكل) ، لكنها معرفةٌ ناتجةٌ عن الارتباط بمنظومة الحرية ..تتكون من ظاهرتين عقليتين مصقولتين في أعماقها: 

١-  ظاهرة الشعر تجثم على صدرِ مظفرِ النواب ، يريد الانطلاقة نحو الناس.

٢-   ظاهرة علوم السيكولوجيا تتجلى بقدرة و اختيار الدكتور قاسم حسين. 

ليس بينهما أي محرّكٍ بالقسرِ او للقسرِ . لا الشعر يمكن أن تسجنه الأيديولوجيا و لا علوم السيكولوجيا  تتحرك في حدودٍ منظمةٍ من المتخيل الى الواقعي . لا يحتاجان الى أي بروفيسور من جامعة اوكسفورد او من جامعة موسكو لأنهما متّحدانِ مع بعض للعيش المشترك مع كل الشعب  في عالم ما بعد الغد  .

العلاقة بين عالم السيكولوجيا الحديثة ، الدكتور قاسم حسين  ، مع الشاعر مظفر النواب ، هي علاقةٌ من نوعٍ خاصٍ جداً ، لم أتمكن من تحليل اسبابها . لا يختصان ،مثلاً،  باختصاصٍ علميٍ واحدٍ ولا باختصاصٍ أدبيٍ واحدٍ . اي انهما ليسا من اختصاص علمي واحد ، مثل اختصاص الطاقة الذرية او اختصاص الهندسة الكهربائية . كما انهما ليسا من اختصاص واحد ، مشترك او منفرد ، في الأدب العربي او الأدب الإسباني او الأدب المقارن و لا يحمل الدكتور قاسم صفة نظم الشعر ، لا الشعبي و لا الحديث الفصيح . لا علاقة له بعلومِ اللغاتِ و الألسنة .

لا يحمل مظفر النواب  أي دراسة عن تكنيك الطاقة النفطية و لا أية دراسة صناعية او زراعية و ليس له أية سجيةٍ من سجايا التغريد عن العلوم السيكولوجية . لكنهما صديقان كونفدراليان لأن كلاً منهما انشغل، حراً، لتدوير نفسهِ تدويراً وطنياً ، منذ عقودٍ كثيرةٍ مَضَتْ . الشراكة الوحيدة بينهما تتركز على  قلقٍ عموميٍ  يواجه، كلاً،  منهما ، بشأن المجتمع العراقي و ما دار و يدور به من تناقضٍ و تنافرٍ و صراعٍ  و مآسٍ مضادةٍ لكل القيم الاجتماعية.  ربما (الكلمة) مَنَحتْ (الحرية) الى الشأن الموحد ،  الفني،  الخلاّق،  في أبياتِ الشعرِ و قصائده عند الشاعر (مظفر النواب) ، المتطلع الى ترقّي النضال الأعلى . ربما  الشجاعة الداخلية  حرّرتْ الدكتور قاسم حسين  من عبادة الأصنام المتحكمين بالتاريخ العراقي فانقذ حريته السيكولوجية بـ(الكلمة العلمية).

الشاعر مظفر  و العالِم قاسم  ابتعدا عن الانقسام و تقرّبا من غايةٍ واحدةٍ، إنسانيةٍ،   ممكنة و منتهجة. تمارس  حق التعبير بــ(الكلمة) لأن (الكلمة) هي مغامرة الإنسان المعاصر، هي   دوره المثالي.  لا حق في هذا الدور  من دون الكلمة و من دون الحرية .

الكلمة لا تحرر العالم ، كله ، فحسب ،   بل  توحّد المتباعدين المتغايرين بالأعمال و المهن و بالموقف ، عمّا يجري بين الناس في الزمان الواحد و المكان الواحد.

 تُرى..  هل بإمكان (الكلمة) ان توحّد بين صخب الشعر و كفاحه ، مع غياهب الصور السيكولوجية ، غير المرئية و غير المطبوعة  . تُرى هل من الممكن توحيد حكمة الشاعر وليم شكسبير مع  سرّاء و ضرّاء الطبيب النمساوي  السيكولوجي  سيجموند فرويد ..؟

أقول كلمة نعم ،بسرعة،  لأن (الحكيم) يلتمس المعرفة و يلامسها . كذلك (الطبيب) حليف المعرفة ، الساكن وسط كل نزاعٍ و في وسط جميع المتاعب الإنسانية. 

من هنا جمعَ كل واحد منهما ، الشاعر مظفر النواب و العالِم قاسم حسين صالح ، خزيناً من المعلومات المشتركة و الذكريات المشتركة .

حبسوا مظفر النواب كي يفقد نصف حياته او نصف ذكرياته .

حبسوا قاسم حسين صالح لنفس السبب و نفس الغرض .

لكن هذه البيئة أوجدتْ لهما الاستجابة التكميلية ،غير الإرادية ، في ان يتحوّل كلُ واحدٍ ،منهما،  صديقاً الى الآخر ، من دون اي تخطيط بينهما ، الى حدِّ  قيام الدكتور قاسم بتسمية ابنه البكر مظفر،  من شدة اعتزاز العالِم بالشاعر، إذ وجد في تسمية ابنه على نفس الحروف ، قوةً و ثقةً بزمان اصطراع (الحركة) و (الجمود) بمجتمعنا العراقي الدامي  ،   بالرغم من الفاصل السياسي المعقّد في ابتعاد الصِّلة بين الاثنين ابتعاداً كلياً .

كل واحدٍ يسير بمنهجٍ مختلفٍ وطريقٍ مختلفٍ ،عن الآخر ، بأكثر أشياء الحياة رغم اشتراكهما بالكفاح ضد انكسار الشخصية العراقية وبقاء قلبيهما بحالةِ التشامخِ و الاتّصاف بالتواضع و الكرامة .

لكن،  الشاعر غادر الوطن مهاجراً لأنه رفض رفضاً ثورياً قبول العيش  بين كلام الشعر و كلام النظام الفاشي الحاكم .  

رفض الشاعر  البقاء تحت لافتة ( السوق الحرة) في ( السوق السياسية المغلقة ) ، في  ظلِّ حكومة دكتاتورية خطيرة ، لا تبيع و لا تشتري غير بضائع سامة و مسمومة . تُصنّع  ، فقط ، أدوات انتاجٍ تضمّد حالة حكم فاسدة ، أزمة حكم فاسدة ، أزمة عمومية تنظيمية - ادارية .. فعاليتها الأولى، قتل الناس المعارضين الحاملين (كلام الحرية) و قدرة انتشاره  لفضح سوقهم الخضراء ، التي زاد فيها صدام حسين أضعاف كلفة خضراوات النازية و الفاشية . ظل مظفر النواب بغربته المهاجرة  ضامناً ، إلى حدٍ ما ،  استمرارية إنتاج قصائد اشعار شعبية  سليمة ، ثورية و نظيفة. 

بينما  كيّف الدكتور قاسم ظهره متحملاً   شدّة العيش وهزاله. بعد سيطرة   النظام البوليسي و صار مفعوله شراً لا يحتمله البشر، بعد خراب البصرة ..!  

صحيح ان هناك كثيراً من الشرايين و الاوردة المتشابهة في قلبيهما .  لكن الهورمونات الوصفية مختلفة الاستعمال بجسد كلِ واحدٍ، منهما، إذ  كانت تدفع مخ كل واحد منهما الى تعزيز صداقته مع الآخر  ، من خلال المتغيرات الكيمياوية،  المختلفة ، المسببة في نمو الخلايا العصبية ، المعنية بقضايا الصداقة في جسمِ كلِ واحدٍ، منهما . بمعنى ان جسميهما  صارا   يقبلان  علاقة هارمونيك مرتبة بين المهارات الذهنية عند كل واحد منهما : 

(١) صارت المهارة الشعرية لدى مظفر النواب و المهارة السيكولوجية لدى قاسم حسين بدرجةٍ عاليةٍ من التماسك ،  بالمهارة  النسيجية ، السرية،   في قدرة الطرفين على  إبقاء  خيوط الصداقة باقية  بينهما ،  مهما ابتعدت المسافات و اختلفت الظروف. من هنا ظلّ  الخيطُ موصولاً بين قيود القلعة الخامسة في الباب المعظم و كازينو هافانا في دمشق الشام .

(2) المهارة التنبؤية على وفق  مشاعر أج . ويلز  بشأن حتمية حلول  المشاكل الانسانية، وإصرار هذه الحتمية على توزيعها ، توزيعاً عادلاً ، في مخ الطرفين ، جعلهما بهوايتين مختلفتين،  لكنهما موحدتين بالنضال من اجل مستقبل السلم العالمي و التحرر من بارود الحروب بين الآداب و العلوم ، بين الشعر و السيكولوجيا. 

لا ادري هل يتمكن قلمي ، هذا اليوم ، أن يميّز بين شخصين،  كل واحدٍ منهما مختلف عن الآخر بكل شيء . انضم الأول الى معسكر الشعراء ، بينما انضم الآخر ، الدكتور قاسم حسين ، الى معسكر العلماء. كما لو يظهر و  يعني  ان الاول قد انضم الى ( العاطفة) بينما الثاني انضم الى ( العقل). 

هذا إرث قديم في التقسيم . الشاعر مظفر النواب تسلّح بالعلم لإشراك ارثه  بعاطفته الشاعرية ، منذ ان وعى مأزق شعبنا ، حتى تحوّل الى مناضلٍ،  محترفاً قول الشعر ، كي يقول الحقيقة بوسيلة ( العقل). و هناك طرف اخر استغل  الدراسة الجامعية – الأكاديمية ، العليا، حتى وصل ، بالحفر و البناء، الى مختص بعلوم السيكولوجيا . 

هنا نجد دلالة ثقافية ، دلالة  من نوعٍ غير اعتباطيٍ ، تتبلور ، حتماً، بين اندماج ( العاطفة) و (العقل).

لكن السؤال ، يأتينا ، مرة أخرى،  استجابةً إلى أول لقاءٍ بين الأثنين في سجن القلعة الخامسة ببغداد ،  هو سجن ليس بعيداً من بناءٍ قديمٍ يعود الى ألف عامٍ، منذ تمّ بناء مدينة بغداد. أما ثاني لقاء فقد تمّ في دمشق بعد ان تخطى الدكتور قاسم حسين أودية (جبل قاسيون) ليصل الى (كافيه هافانا) الواقع على يمين شارع بورسعيد.

كان المقهى منذ تأسيسه عام ١٩٤٦ نموذجاً لامعاً من لقاء يومي بين شباب نخبويين .. لقاءات بين  سورين و سورين أو سوريين و لبنانيين أو مصرين او عراقيين من  ابناء العاصمة السورية أو من طلابِ الجامعات الدمشقية أو من شعرائها و نقّادهم أو من   سوّاحٍ غربيين يزودون الشرقيين بنوعٍ من أفكارِ الحرية الغربية أو يتزوّدون ببعض أفكار الحرية الشرقية  .

الحرية متاحة في سوريا و لبنان أكثر من  عواصم عربية اخرى .

يقول كل مثقف ما يريد لغيره ،

يسأل  المثقفون ، كلهم، من الجميع بكل اصنافهم،  عن أسبابِ نمو غوطة دمشق أو عن أسباب جفافها  في بعض السنوات  و الحالات . الشيء المهم أن جميع الظروف عاجزة عن وقفِ استمرار ، الأشجار و الأفكار ، بالعلو و السمو في السماء الدمشقية.

كثيرٌ من الطلاب الراغبين في ان يكونوا أدباء بالمستقبل..  تراهم في المقهى يهتمون بمناقشاتٍ متواصلةٍ حول نوعين، فقط ، من الأدب العالمي ، الأدب الانجليزي و الأدب الفرنسي. كما انهم يتناقشون حول الروائيين الرومانتيكيين و تأثيرهم على أقرانهم العرب. يتردد اسم  الفرنسي فكتور هوجو و الإنكليزي  وليم شكسبير و الروسي ديستويفسكي في زوايا المقهى. تتردد أسماء موهوبين عرب ، ايضاً، بمقدمتهم اسم مظفر النواب.

لهذا المقهى ثقافة خاصة أهمها السماح بدخول الفتيات و الجلوس على الكراسي و المشاركة في المناقشات و الحوار . 

هذا المقهى ليس بلا مشكلة ..انه مكان عربي للحوار حول خلافات و مشاكل أوروبية و أمريكية  . انه ملتقى الأفكار اليسارية  و اليساريين لتفنيد أفكار اليمينيين   . كان المهاجر العراقي مظفر النواب أحد الذين يدسون  وجودهم اليومي في المقهى ..

هذا المقهى ليس بلا مشكلة . علاقته روحية  مع هافانا الفيتنامية  المناضلة ضد الاحتلالين الفرنسي و الامريكي لدولة فيتنام. . كما ان هافانا الدمشقية تُمارس حياتها على شارعٍ باسمِ مدينةٍ مصريةٍ كافحت بالرصاص الحي قذائف طيارات العدوان الثلاثي عام ١٩٥٦. 

 استطاع مقال من مقالات الدكتور قاسم حسين ان يوصل مبنى القلعة الخامسة من شارعٍ في منطقة  باب المعظم ، ببغداد،   الى شارعٍ رئيسي في دمشق  تقع عليه هافانا. انها نظرة التفاعل بين بغداد،  التي ولد فيها مظفر النواب و دمشق حيث اغترابه  لعدة سنوات.

المهم ، هنا ، أن عين الدكتور  قاسم حسين سمحاء جداً،  فقد أوجد العلاقة بين ( المثقف) و ( المكان).

 كلاهما الشاعر (العاطفة ) المتأججة بكلِ مكانٍ بعيدٍ عن أم شامات أو قريب منها و أكاديمية ( العقل)  تحت لقب الدكتوراه  ، كانا نعمة خالصة للمثقف العراقي في علاقته التبادلية بين الزمان و المكان .

هكذا صار الحكام العرب ، في جميع العواصم العربية،  يعادون المشاعر الإنسانية لدى العلماء و الادباء بمشاعر لا إنسانية.

هكذا يتصلّف الزمان بتصرفٍ أحمقٍ ليتوّج الحكومات العربية بالغباء،  حتى صار نوم العراقيين ، ليس مكتملاً ولا مريحاً، لا في الوطن و لا في المهجر.  ربما يؤدي، هذا الحال ،  الى الاضرار بالمخ العراقي المبدع . صار الدكتور  قاسم حسين يحلم بمخٍ مرتاحٍ مثل مخِ  أبي الأطباء   (ابوقراط).   

الشاعر مظفر النواب  اقسم   مثل (أبو قراط) ،  نفسه،  ليكون قادراً  كما كان جميع  رجال الكلمة الطيبة ، رجال الفن و الأدب و الشعر وجميع المشاركين في الثورة العقلية في كل انحاء الدنيا  . 

القدرة العظيمة لحسّاسية رجل عقلي يمتلك حسّاسية سيكولوجية خاصة ، هو الدكتور قاسم حسين صالح . شخصية اجتماعية لها وفيها وقائع سياسية ، مادية و معنوية ، عن التاريخ العراقي المكتوب في بعض صفحات تاريخ مجدّد الشعر الشعبي  في السجون و المعتقلات و المهاجر عبر البحار و الجبال. 

لم تكن الحدود بين العاطفة و العقل ممكنة  . بمعنى ان جدلية العلاقة بين شعر مظفر النواب و عقل قاسم حسين هي نفس الجدلية الكامنة في الطبيعة البشرية النقيّة . انها جدلية حرة تؤيد اندماج العاطفة مع العقل ، كما تؤيد انفصالهما في بعض الأحيان . ان نطاق (العمل) و نطاق (التخطيط) المتنوع في العلاقات الاجتماعية هو الذي امتحن الموقف العقلي من الشعر الشعبي . يعني ان العقل السيكولوجي امتحن الخطاب الكلامي ، الشعري، الشعبي ،  الموسيقي ، عن قصةِ حبٍ وقعتْ احداثها في (أم شامات)  و انتقلت حروفها  في (قطار الليل) على ظهرِ انشودةٍ عنوانها (للريل و حمد).  صارت (القصة) في رؤى امرأة لم يمت حبها بقلبها ، بعدُ ،  دليلاً عينياً في (قصيدة) كتبها الشاعر مظفر النواب  بأول صفحات ديوان الشعر الشعبي العراقي لتنتشر على مساحة الوطن العربي الدائرية الممتدة،  من بغداد الى دمشق وجميع العواصم العربية  الأخرى. 

 لم يكن المواطن العراقي قبل نيسان عام ٢٠٠٣ بمقدوره ان يقوم بزيارة دمشق  عاصمة الدولة البعثية السورية إلّا سرّاً . كما لا يستطيع المواطن السوري زيارة مدينة بغداد عاصمة الدولة البعثية العراقية إلّا سراً. لم تكن هناك أي مسألة جمالية،  شخصية،  لمن يعبر الحدود من هذا البلد الى ذاك . لكن بعد ٢٠٠٣ صار زمانٌ جديدٌ من الصراع الطبقي ،  صراع (الازمنة الجديدة) ،  المتخالف مع زمان جان بول سارتر حول صراع الطبقات. 

المسألة الجمالية الجديدة أوجدت مسرحية جديدة النوع في العلاقة بين الدولتين ، السورية و العراقية. تجددت ذكريات لقاء قديم في ( القلعة الخامسة) بمقالة جديدة كتبها الدكتور قاسم حسين عن لقائه مع الشاعر مظفر النواب في هافانا دمشق عام 2008  . تجدّد عهدٌ قديمٌ بين صديقين . لقاء جميل في هافانا دمشق ، بلا قناع و بلا خوف وبلا رقابة بوليسية . ليس هناك اي تعارض في اللقاء بين ( العاطفة العقلية) وبين ( العقلية العاطفية). لم يكن طقس الكلام سرياً ، كما كان  قد دار بينهما في ( القلعة الخامسة) حول جريمة  الحرس القومي و انقلاب ٨ شباط ١٩٦٣ . كان الحديث الهافاني في اللقاء بين الشاعر مظفر النواب و قاسم حسين عملياً هذه المرة  ، اختيارياً و ليس اجبارياً ،كما هو اللقاء الاول في القلعة الخامسة.

لقاء هافانا هو لقاء السرور ،

سُرور التفكير المشترك بالحديث عن الدراما الانسانية في البلدين.

لم يكن الحديث الهافاني مثل الأحاديث القلعوية . كان مختلفاً ، تمام الاختلاف .  كان استجابة لا ارادية في حب الشعب و التضحية من اجل الوطن  كان  حديثا خياليا عن حب لم يكتمل داخل قلب فتاة ام شامات وفرت قصيدة الريل  تواصلها بالثقة الذاتية  كانت القصيدة نشاطا فنيا – ادبيا خلاقا وكان  الحديث المشترك بين الشاعر و العالم  جزءاً من اجزاء العملية التاريخية،  لتغيير في قِوام و موضوعات و اشكاليات العلاقة السياسية - الاجتماعية بين ( المواطن) الفرد و ( الجماعة) الحاكمة في الدولتين، عن دور الشعر في الزمان السوري - العراقي ، الجديد برفع مستوى الوعي و الرشد و المَلَكَات العقلانية بين جميع أبناء الجنس الشعري – الشعبي في الأجيال القادمة .

لا حاجة ان نسأل ماذا دار في هذا اللقاء ،

انتد ما كتبه عقل السيكولوجيا الاجتماعية ، من هافانا الى اقاصي بلاد الرافدين،

الى ارض الشعر الشعبي ، كله.

أقوال الدكتور قاسم حسين كانت ضوءاً لامعاً ، ضمن أفقٍ واسعٍ أنجزه بعنوان (  الضد وضده النوعي في ابداع مظفر النواب) . نشرُ المقال  في موقع الحوار المتمدن و بضع صحف عراقية في بغداد. تضمّن تحليلاً سيكولوجياً عن  إنسانية الشاعر مظفر النواب في الاحكام الشعرية – النضالية .

مما يلفت نظرنا  بهذا المقال ،  أن عالِم السيكولوجيا (الدكتور قاسم) قد توجّه الى علاقة المساواة الإبداعية بين العقلية الشعرية و العقلية العلمية الصرفة . في الحالين تكون الجدارة الكبرى  للذهنية  الصرفة .   

كانت  سطوره قد تناولت  الكثير مما احتوته شرفة الشعر المظفري. ابهرنا النص المذكور ، المنشور في الصحف العراقية و في الفيسبوك. كان نصاً من نصوص علم الجمال ، علم الجمال الاجتماعي  او علم الاجتماع الجمالي،

كان نصاً فيه من الأهمية بما فيه الكفاية عن بعضِ وجودياتِ أفعالِ مظفر النواب بالمربعات التالية :

* مربع الشعر.

*  مربع المرض . 

*  مربع التاريخ النضالي للشعر و الشاعر،  منذ قصيدة الريل و حمد. 

* مربع الهروب من سجن الحلة. 

* مربع الحياة  الإنسانية  في مهجر عربي. 

كنتُ سعيداً جداً ،من الناحية الشخصية ، حين اكتشفتُ نفسي  موجوداً في احاديثهما. كان مظفر النواب، مبادراً   حراً،  في حسمِ قضيةٍ من قضايا الهروب من سجن الحلة  ، حين أثار ( بعض) ممّن لا علاقة لهم بقضية الهروب ، اشكاليةً معينةً ، حول منظور دوري  الشخصي في التحضير لهروب السجناء الشيوعيين من سجن الحلة المركزي ،  ضمن سلسلة الأدوار بين السجناء، فقد أعلن ، بوضوح تام  أن جاسم المطير كان واحداً من اربعة رفاق سجناء  خططوا لعملية الهروب.

بذلك وأمام العقل العلمي ، التدويني ،  الدكتور قاسم حسين ، حَسَمَ مظفر النواب ، بوقفةٍ رهيفةٍ من عدالةِ الضمير ، قضيةً من قضايا الصراع السري بين (الأخلاقي)  و (التاريخي) في صناعة عملية الهروب  من سجن الحلة عام ١٩٦٧و عمّا   يملكه السجين  (جاسم المطير) من دورٍ متواضعٍ بإنجاحِ العملية المشارك فيها بأدق مراحلها .  مثل هذا التصريح كان قد قاله مظفر النواب امام الطبيب اللبيب ، عزيز الشيباني،  حين وصف كتابي المعنون: (الهروب من نفق مضيء) ، الصادر عن (دار الرواد) في بغداد  بانه افضل سوسنة مرسومة  بأدق التفاصيل عن عملية الهروب  و تأكيداً لما قاله ، لاحقاً، ضمير المحامي نصيف الحجاج مسؤول التنظيم الحزبي الشيوعي بسجن الحلة ،  بمقالةٍ خاصةٍ،  منشورةً في موقع الحوار المتمدن وهو المشرف على عملية الهروب ، كلها.. 

أفضى عقل الدكتور قاسم حسين في ثلاثة او اربعة موضوعاتٍ نشرها ، بقلمه،  عن الفن الشعري ، الانساني ، بلغة ادبية - علمية واحدة ، تمكّن فيها من عرض الدور الطليعي للشاعر مظفر النواب في ميدان الأدب و الفن المعاصرين. نالتْ قصائد مظفر النواب و اشعاره الشعبية و الفصحى نجاحاً جماهيرياً كبيراً من وجهة الرؤية الشاملة للدكتور قاسم حسين بمقالاته الأربع.

لقد ابلغ مظفر النواب رسالته الى جمهور القرّاء من صنوف  العاطفيين و العقلانيين انها رسالة حب  ، مثلما كان قد أبلغ  الفنان بيكاسو رسالته في الفن التشكيلي ،  القائلة : أن   الحب  هو الوجود . 

أنه كشفٌ عقليٌ – من رئيس منظمة اسمها ( تجمع عقول) يرأسه  الدكتور قاسم حسين  لحصر التعارض بين  الشعر و  النضال في ملاحم مظفر النواب،  الشعرية . مثلما  أنجز  هوميروس كتابة ملحمة الأوديسا ،  استطاع الشاعر مظفر النواب أن يحقق في قصيدته الشعرية مقدرة ابداعية فذة  رفدتْ حركة الشعر الشعبي بـ( التجديد ) و (التكامل) ضمن الثقافة الاجتماعية في (الريل و حمد ) و الثقافة السياسية في قصيدة (جرح صويحب  ) و في  الثقافة العمومية و الخصوصية ، الحيوية ، الفنية ، بجميع اشعاره  الأخرى ، كما رعاها و كشفها الدكتور قاسم حسين في تحليلاته الاجتماعية ذات الطبيعة ، الاختصاصية ، السيكولوجية   بالرغم من ان (الدكتور قاسم حسين صالح) ،  معروفٌ برفضهِ الروحية البطريركية .  

أُحب الشعب السومري ، ليس لأن مظفر النواب احب شعر جلجامش ولا لأن  الدكتور قاسم حسين اثارته علومهم في الفلك و الهندسة و البناء والزراعة ، إنما لسببٍ واحدٍ هو انهم لا يخشون شح المطر.

 انا واثق ان مياه نهري دجلة و الفرات تكفينا،

 تكفي لسقي جميع أراضينا إن شح المطر .

 لذلك لا اخشى ان يتكيّف الشعراء العراقيون مع القصيدة السومرية ذات النقوش الكلامية المنتصرة بمظفر النواب وبعينيه اليقظتين الى الابد.  

ــــــــــــــــــــــــــــــ 

يتبع

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل