من المعروف ان العقود الاخيرة شهدت " تحولات عميقة " في البنية الاجتماعية والطبقية لكثير من البلدان، وتزايد الوزن النوعي للعديد من الفئات والشرائح وتعاظم دورها "الفعال" في تحديد اتجاهات "التطور"، بعد أن ظلت لفترة طويلة على "هامش التاريخ". كما ظهرت على "المسرح" فئات وشرائح جديدة بدأت تلعب دورا نشيطا في مختلف مستويات التشكيلات الاجتماعية، ولكن برغم هذا الدور و تعاظمه فإنها ما زالت بدون تحديد دقيق، على المستوى المنهجي. ويبدو كما تشير التجربة، أن هناك فجوة بين الواقع الملموس لهذه الفئات والشرائح وبين رؤية الفكر النظري لها، الذي ما زال، على ما يبدو غير قادر على توصيفها بدقة وتحديد "هويتها". ولهذا نرى إن أحد "ثغرات" هذه الفجوة بين الواقع وفكر الواقع تمثلت بظهور العديد من المصطلحات والمفاهيم و"المقولات"، كلها تريد أو تحاول أن تعبّر عن هذه الظواهر مفهوميا.
بالمقابل فانه وعلى بالرغم من "السيل الهائل" من الدراسات التي ظهرت، فاننا مازلنا لحد اللحظة، مع استثناءات ليست كثيرة، على دراية بواقع هذه المجتمعات هي أقرب الى "المعرفة العادية" منها الى المعرفة العلمية، في أحيان عديدة، ناهيك عن اختلاط المفاهيم واضطرابها. ومن هنا تتأتى ضرورة التأمل في واقعنا، رؤيته كما هو، وليس تفصيله وفقا لمقاسات مخططة في الذهن، غير قابلة للنقاش، تبدو وكأنها كلية القدرة.
وبالعودة الى موضوع هذه الدراسة الموسومة: " الدولة، السلطة، الطبقات الاجتماعية – مقدمات منهجية- إشارة خاصة للعراق" فينبغي التأكيد على انه موضوع واسع النطاق ومتعدد الأبعاد ومتشابك، هذا إضافة الى انه يعد واحدا من أهم المواضيع التي كَثُر حولها الجدل وتفاوتت بشأنها الآراء والمقاربات، وكانت ولا تزال وستبقى نيرانها الفكرية والسياسية والإستراتيجية مشتعلة، ويبدو ان أوارها لن يهدأ قريبا. فالقضية الاساسية في صراع الطبقات والقوى التي تعبر عنها هي قضية السلطة والاستحواذ عليها وتوظيف الدولة وأجهزتها المختلفة لتحقيق اهداف هذه الطبقة (او الائتلاف الطبقي) أو تلك.
وانطلاقا من الملاحظات اعلاه يمكن القول ان الدراسة المنهاجية المنتظمة للإشكاليات الثلاث، التي تضمنها عنوان الدراسة (الدولة، السلطة، الطبقات الاجتماعية)، تأتي في موعدها الملائم، فلم تعد هذه الموضوعات ومعالجتها منهجيا ترفا نظريا بقدر ما هو تعبير عن الحاجة الى تأصيل منهجي ونظري لقضايا واشكاليات عملية تواجه الكثير من "البلدان النامية" ومنها العراق. ففي بلادنا مثلا يأتي هذا الاهتمام ارتباطا بالتحولات المتسارعة في البنية الطبقية/الاجتماعية للمجتمع والقاعدة الاجتماعية للحكم والتمايزات التي شهدتها والاستقطابات التي حصلت وأدت الى بروز لوحة جديدة من الاستقطاب الاجتماعي والسياسي، وما يرافقها من اشكاليات تطرح تحديات منهجية ونظرية وسياسية عملية.
ولذا فإن الدراسة تتمحور بالأساس التعرف على جذور ما جرى من تحولات واصطفافات مجتمعية مختلفة تمثلت بصعود عاصف لفئات وشرائح مختلفة الى قمة الهرم الطبقي/الاجتماعي، كالبيروقراطية والطفيلية والكومبرادور في هذه البلدان ، وما ترتب على ذلك من آثار من بينها إعادة النظر في العديد من "ثوابت" التفكير" بشأن السلطة والدولة والطبقات الاجتماعية.
قد تبدو المسائل المثارة في هذه الدراسة من السعة والتعقيد بحيث قد تظهر للبعض وكأنها "جزر متناثرة" غير مترابطة ظاهرياً، ولكن نعول على نباهة القارئ في اكتشاف الخيوط الخفية أو "غير الواضحة" أو "الملتبسة" وستساعده في إجراء تركيب يسمح له، في النهاية، باكتشاف وفهم جوهر العلاقات الجدلية بين المقولات الثلاث: الطبقات الاجتماعية والسلطة والدولة، حتى وان حاولت الطبقات المهيمنة استخدام مختلف وسائل التعتيم الإيديولوجي للتضبيب على جوهر تلك العلاقات الناشئة بين تلك المقولات وتجلياتها الملموسة في حركة الواقع وما يقف ورائها من مصالح فعلية.
وفي المجتمعات التي يسود فيها الاقتصاد متعدد الأنماط وتعيش حراكا اجتماعيا متسارعا، يلاحظ أن بنيتها (الاجتماعية - الاقتصادية) تحمل في أحشائها عدة "ممكنات" و"احتمالات" مختلفة للتطور المستقبلي. وأما "كيف" سيصبح أحد هذه الاتجاهات المحتملة هو المنتصر ويتحول من حالة "الإمكان" إلى وضعية "التحقق" الفعلي - التاريخي، فذلك يبقى مرهوناً بجملة عوامل داخلية وخارجية لها دورها الفعال والحاسم في تطور المجتمع المعني وطبيعة النضالات الاجتماعية والطبقية المشتعلة فيه. أنّ مسالة "من سيريح المعركة" ذات علاقة جدلية بنتائج الصراع الطبقي عموما والصراع بين تلك الأنماط وما تتعرض له العديد منها الى عمليات طحن وإعادة صياغة او حتى الشطب من المشهد، وطبعاً بين الطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية والبنى السياسية التي تمثلها، ودور جهاز الدولة في هذه العمليات وطبيعة السلط المهيمنة على مسارات التطور الفعلية.

هدف الدراسة

منعا لأي التباس لابد من الاشارة الى أن هذه الدراسة تعرف حدودها وتلتزم بها. إنها ليس شيئا أكثر من محاولة لإثارة الانتباه الى عدة وقائع من بينها واقعتين اثنتين واقتراح اطار عام وأولي لمقاربتهما:
الواقعة الاولى وتتعلق بضرورة التحفظ على اطلاق افكار عامة وضبابية، أو تقديم احكام قطعية حول الدولة والسلطة وطبيعتها والطبقات والفئات والشرائح الاجتماعية التي تمثلها قبل انجاز دراسات متنوعة وجدية ومركبة حول هذا الواقع.
الواقعة الثانية وتتمثل بالكشف عن حقيقة أن العراق عرف خلال العقود الاخيرة تشكيلة اجتماعو-اقتصادية من " طراز فريد "، حاولت هذه الدراسة – كهدف لها – ابرازها وتقديمها واقتراح فرضيات أولى لمقاربتها وفتح المجال لمحاولات آخرى للتعمق في تناول جوانب اخرى وهي كثيرة وما زالت "أرض بكر".
وعلى هذا الاساس يمكن القول أن هذه الدراسة ليست سوى مجرد بحث أولي يحاول رسم الاطار العام وتحديد المعالم الكبرى أكثر مما يدقق في الجوانب الشكلية للقضايا المطروحة. ولهذا تبدو المعالجة المنهجية ضرورية لاخضاع مفاهيم اللغة السياسية اليومية للنقد، وبما يسمح بانتاج معرفة صحيحة، مركبة عن واقع " يتمرد " على صانعيه !!.
يتم الاستناد، في هذا العمل، الى حقيقة مهمة هي ان البلورة الفعلية للمقولات تستلزم ضرورة الكشف عن تطابقها الأعمق مع تلك الظواهر والعمليات، التي تعكسها هذه المقولات، ولذا فان التحسين والتطوير اللاحق لنظام المفاهيم والمقولات لا بد ان يترافق مع دراسة ملموسة للعمليات الواقعية الحديثة في مجرى الحياة الاجتماعية. وان هذا يتطلب، سوية، رفع تحليل العمليات الواقعية وربط البحث العلمي بالممارسة العملية، وبحث الاشكال الحقيقية لاتجاهات التطور الاجتماعي والرؤية المسبقة لما يمكن ان يترتب على هذه او تلك من الاجراءات.
فالمقولات العلمية المأخوذة في صلاتها المتبادلة إنما تعكس أهم سنن تطور المجتمع والتفكير الإنساني عكساً عميقاً وشاملا. ثم أن المقولات، بوصفها حصيلة معينة للمعرفة، وبعكسها أهم خصائص وقانونيات العالم الخارجي، تعتبر درجات في تطور سلم المعرفة. ولهذا يمكن القول أن إنتاج المقولات ليس ترفاً فكريا بل أن الباحث يستخدم المعرفة المتضمنة في المقولات من أجل وضع المحاكمات وصياغة استنتاجات عقلية وبلورة مفاهيم جديدة تساعد في تعميق المعرفة بحركة الواقع والفكر.

اشكالية الدراسة

جرت العودة، خلال العقود الاخيرة، الى اكتشاف الدولة والسلطة والطبقات الاجتماعية باعتبارها اشكاليات ذات طبيعة نظرية ومنهجية، وليس سياسية مباشرة فقط. وقد أنتج هذا فيضا كبيرا من الكتابات حول هذه الموضوعات. كما غطت المناقشة الناجمة عن ذلك مدى شمل الموضوعات المنهجية الأشد تجريداً وصولا إلى المشكلات التاريخية النوعية الصرفة، كما ولدت تنويعة من الفرضيات والرؤى والمقاربات. ومثال ذلك: العلاقات بين المجالات الاقتصادية والقانونية –السياسية ، والحدود المؤسساتية للدولة، تأثيرات وحدود تدخلها عبر مختلف الوسائل، الاختلاف في شكل ووظيفة الدولة العادية والدولة "الاستثنائية"، معنى "الاستقلال النسبي" في علاقته بالقانون و/ أو الدولة، العولمة المتزايدة للإنتاج الرأسمالي وآثارها الضمنية فى الدولة – الأمة ... الخ من القضايا.
ولا يمكن فهم سنن التطور الاقتصادي – الاجتماعي للبلدان النامية ومنها بلادنا، العراق، بشكل صحيح ومعلل إلا بربطها مع سنن تطور العصر بكامله بسبب الوضع "المتفرد" الذي تمتاز به هذه البلدان باعتبارها تشكل جزءا من النسق system الرأسمالي العالمي ويحتل قطاع الرأسمالي الاجنبي مواقع رئيسية هامة في اقتصاداتها. وهي من جانب آخر، وبسبب الوضع التاريخي للسيطرة الاستعمارية، ترتبط بشكل رئيسي بالبلدان الرأسمالية المتطورة. ولهذا السبب بالذات تبقى هذه البلدان، الى هذه الدرجة او تلك، عرضة لتاثير القوانين السائدة والمسيطرة في النظام الراسمالي العالمي وجزئه الاساسي – بلدان "المركز".
ولهذا ومن اجل استيعاب دقيق لسنن التطور هذه تصبح مهمة دراسة التركيب الاجتماعي – الاقتصادي مهمة ضرورية. والسبب وراء ذلك ان هذا التركيب هو الذي يحدد البنية الاجتماعية والطبقية المركبة في البلدان النامية. وليس سبب هذا التعقيد كثرة الطبقات والفئات الاجتماعية التي تمثل طرائق واشكال مختلفة للانتاج فقط وانما ايضا درجة تمايز هذه الفئات والشرائح بعضها عن البعض الآخر من الناحية الاجتماعية وما تعرضت وتتعرض له العديد منها الى عمليات طحن واعادة صياغة. وأهم هذه العمليات الاجتماعية هو الانقسام والتفكك والنمو المتزايد للشرائح والفئات الاجتماعية الوسطي وتنامي الجهاز الحكومي بجميع حلقاته. وبقدر تعلق الامر بهذه الموضوعة تصبح دراسة دور جهاز الدولة في البلدان النامية وطبيعة السلط فيها مهمة ملحة.

منهجية الدراسة

بداية، لابد من الاشارة ان هناك حاجة الى مقاربة مركبة للقضايا التي تناولتها الدراسة، مقاربة تتجاوز الجوانب والمظاهر الشكلية والغوص في عمق القضايا المطروحة وتفكيكها والبحث عن جذورها وأسبابها.
نظرا لتشابك الدراسة وتشعب القضايا التي تناولتها فضلاً عن أبعادها المتعددة، ولغرض افتكاك اشكالية الدراسة والاجابة على اسئلتها وتحقيقاً لأهدافها، فإنها اعتمدت على توليفة من المناهج البحثية التالية:
-
المنهج الرئيسي الذي ستنطلق منه الدراسة وتستند إليه هو المنهج المادي - التاريخي عبر استخدام ادواته ومفاهيمه ومقاربات مفكريه لدراسة التحولات في البنى الاجتماعية وما شهدت من تمايزات وما تركته من اثار وما ترتب عليه من موازين قوى تمثلت بصعود طبقات وفئات وشرائح جديدة، وما لعبته الدولة ليس كـ "جهاز قوة" فقط بل ومنظم للهيمنة ايضا.
-
كما تعتمد الدراسة المنهج الوصفي- التحليلي وذلك من خلال دراسة الاصول الاجتماعية والجذور الطبقية للسلطة في العراق خلال فترتي ما قبل 2003 وما بعدها، وما هي ملامح خريطة العلاقات الطبقية/الاجتماعية ودلالاتها، والمعالم الكبرى للمشهد الاقتصادي ومحتوى وتجليات الصراع على الجبهة الاقتصادية.

بنية الدراسة

بهدف ضبط الإشكالية العامة للدراسة والاجابة على اسئلتها التفصيلية، تضمن هذا العمل تسعة فصول متلازمة منهجيا في إطار وحدة المقاربة والتحليل، هذا فضلا عن مقدمة تضمنت مجموعة من الملاحظات التمهيدية الضرورية.
ظهر الفصل الاول تحت عنوان: الدولة، السلطة... بعض الاشكاليات المنهجية.
يسعى هذا الفصل لاعادة التفكير بطبيعة الدولة ومحاولة وضعها في مكانها الطبيعي ضمن التطور التاريخي الملموس، وذلك في محاولة للرد على بعض الاطروحات السائدة في فترات مختلفة حول حدوث قطيعة بين الدولة (المجتمع السياسي) والمجتمع المدني. فحسب هذه الاطروحة تقدم لنا الدولة وكأنها فوق الطبقات الاجتماعية، أي تظهر كمحاولة لـ "المصالحة بين الطبقات"، أو باختصار شديد تقدم لنا "لابسة ثوب حيادها المبجل".
وفي التفاصيل، تضمن هذا الفصل مبحثان.
يتوقف المبحث الاول عند اشكالية فهم طبيعة الدولة كمدخل لفهم طبيعة السلطة. فثمة ضرورة لتناول مكثف لإشكالية الدولة كمدخل لإستيعاب وفهم السلطة السياسية، بهدف بلورة صياغة نظرية للعلاقة بين الطبقة السائدة (أو الائتلاف الطبقي المهيمن) والدولة، مع ملاحظة أن التحليل الطبقي لا يمكن أن يبدأ وينتهي عند مستوى البناء الفوقي للتشكيلة المعنية، بل بارتباط وثيق بما يجري من تحولات في القاعدة الاقتصادية وانعكاس ذلك على البناء الفوقي في اطار جدلية الوحدة/الصراع.
اما المبحث الثاني والموسوم: من المجرد الى الملموس: اشكالية الدولة و"خصائصها" في ظروف البلدان النامية، فقد تضمن ثلاثة مطالب. المطلب الاول يتحدث، بتكثيف، عن دور الدولة في البلدان النامية، والثاني يتضمن محاولة لتدقيق بعض المفاهيم من قبيل: "قطاع دولة"، "قطاع عام"، "قطاع حكومي".. ويتسائل حول ما اذا كان التعدد في المصطلحات تعبيرا عن اضطراب مفاهيمي ام لا؟
أما المطلب الثالث فيسعى لـ "تحديد الطبيعة الاقتصادية – الاجتماعية لقطاع الدولة في البلدان النامية".
من جهة اخرى، يظهر الفصل الثاني تحت عنوان: طبيعة السلطة السياسية، طبيعة الدولة – اختلاف المصطلحات، أم اختلاف المفاهيم؟ وتضمن هذا الفصل مبحثان.
كرس المبحث الاول للحديث عن " منهجية دراسة السلطة السياسية والمناهج المستخدمة".
ومن جانب آخر تم تخصيص المبحث الثاني للحديث عن "اهمية الاجهزة الايديولوجية للطبقات الحاكمة". إن أهمية هذه الأجهزة تكمن في ممارستها "التضليل الآيديولوجي" لضمان استمرار النظام السياسي القائم. وبهذا المعنى تكون الأجهزة الآيديولوجية للدولة لا مجرد مروجة للأفكار فحسب بل هي رهان "الصراع الطبقي" الذي تدور رحاه على مستوى البنية التحتيّة. وبهذا المعنى تكون الآيديولوجيا "اسمنت التشكيلة الاجتماعيّة"، والتي تعمد اما إلى تزييف الواقع وتضليل الجماهير، واما أن تنحاز إلى الجماهير العريضة، أي الى الطبقات المضطهَدة.
أما الفصل الثالث الموسوم: بعض المقاربات بشأن الدولة: اشكالية الدولة في الكلاسيك الماركسي فيضم ثلاثة مباحث. المبحث الأول مكرس للحديث عن مقاربة ماركس – انجلس للدولة. أما المبحث الثاني فيتحدث عن المقاربة اللينينية. في حين تم تكريس المبحث الثالث للحديث عن مقاربة غرامشي للدولة حيث ينظر إليها باعتبارها ليست جهاز قوة فقط بل ومنظِم للهيمنة.
ومن جهة أخرى فان الفصل الرابع والموسوم: اشكالية الدولة مجددا – مقاربات ماركسية معاصرة، يضم ثلاثة مباحث.
يتوقف المبحث الاول عند مقاربة الفيلسوف والمفكر الفرنسي المعروف (ألتوسير) للدولة. حيث ميّز ألتوسير بين "سلطة الدولة " Pouvoir d'État و"جهاز الدولة" Appareil d'État مشيرا الى انه لا معنى لهذا الأخير دون وجود الأول، ويمكن أن يبقى جهاز الدولة في مكانه بينما تمسك وتحتفظ بسلطة الدولة طبقة من الطبقات أو تحالف طبقات أو أجزاء من طبقات معينة، فقط لأنها هدف صراع الطبقات السياسي. واقترح (ألتوسير) مفهوم "أجهزة الدولة الآيديولوجية ideological state apparatuses" لتطوير نظرية الدولة الماركسية، ليقول أنه لابد من وضعه في الاعتبار كـ "حقيقة" تظهر إلى جانب جهاز الدولة (القمعي). ولكنه بالمقابل ينبه الى تجنب الخلط بين الإثنين: جهاز الدولة القمعي وأجهزة الدولة الآيديولوجية.
اما المبحث الثاني فيتوقف عند مقاربة المفكر الفرنسي، اليوناني الاصل، (نيكوس بولانتزاس)، الذي عالج اشكالية السلطة السياسية، والدولة، والطبقات الاجتماعية. كما قدم بولانتزاس مقاربات عميقة في الواقع لأشكال الدولة في الرأسمالية: الدولة الاستبدادية، نموذج الدولة الفاشية، نموذج دولة الاستثناء.
ومن جهته فان المبحث الثالث كُرس لمقاربة المفكر المصري الراحل سمير أمين للدولة ضمن رؤية اشمل تتعلق باشكالية المركز/الاطراف والتطور المتفاوت والتبادل اللامتكافي.
وتواصل الدراسة تسليط الاضواء على الدولة، فيظهر الفصل الخامس تحت عنوان: نماذج ومفاهيم اخرى للدولة، وضم ثلاثة مباحث.
المبحث الأول ظهر تحت عنوان: مفهوم الدولة الريعية واشكالياته. أما المبحث الثاني فتناول مفهوم الدولة الغنائمية، أو الدولة النيوباتريمونيالية، أما المبحث الثالث فكرس للحديث عن مفهوم "الدولة العميقة".
أما الفصل السادس فظهر تحت عنوان: مقولات: البنية الاجتماعية، الطبقة الاجتماعية، الفئة الاجتماعية – النموذج النظري والتشكل التاريخي: نحو اعادة تركيب. ضم الفصل ثلاثة مباحث.
توقف المبحث الاول عند مفهوم الطبقة واشكالياته الكبرى، أما المبحث الثاني فتوقف عند بعض الاشكاليات المرتبطة بمفهوم "الفئات الهامشية" لما باتت تلعبه هذه الفئات من أدوار مثيرة في البنية الاجتماعية. في حين انتقل المبحث الثالث من العام الى الخاص، وذلك من خلال الحديث عن تشكل، نشوء وتطور "الفئات الهامشية" المدينية في البلدان النامية واصولها الاجتماعية وجذورها الطبقية.
في حين ينطلق الفصل السابع من سؤال استراتيجي قوامه: من يحكم العراق؟ وفي مسعى الاجابة على هذا السؤال تركز البحث للكشف عن الاصول الاجتماعية والجذور الطبقية للسلطة في العراق عبر ثلاثة مباحث.
من جهته كرس الفصل الثامن للبحث في طبيعة السلطة في العراق بعد 2003 بهدف التعرف على الملامح الاساسية للخريطة الطبقية – الاجتماعية وكيف تبلورت بالملموس. يضم الفصل اربعة مباحث. وانطلاقا من حقيقة ان السياسية هي التعبير المكثف عن الاقتصاد فقد توقف المبحث الاول عند المعالم الكبرى للمشهد الاقتصادي. وبالنظر لطبيعة الاقتصاد العراقي الذي هو اقتصاد ريعي الطابع وتعتمد البلاد على الريوع النفطية بالاساس والتي تحدد اتجاهات الانفاق وحركة المجتمع وصيرواته فقد كرس المبحث الثاني لبحث تأثيرات الدخول النفطية على الاقتصاد والطبقات الاجتماعية بعد 2003. في حين بحث المبحث الثالث في التبدلات الحاصلة في الخريطة الطبقية الاجتماعية في العراق وما تحمله من دلالات فعلية. ومن خلال المبحث الرابع تتم العودة مجددا للاقتصاد، وهنا يتم بحث محتوى وتجليات الصراع على الجبهة الاقتصادية في المرحلة الراهنة.
لم تكتف الدراسة بتحليل ما جرى بل سعت، في الختام، الى القيام بتركيب للمشهد بالبحث عن جذور المشكلات الفعلية، حيث تم فرز فصل مستقل هنا وهو الفصل التاسع والأخير والموسوم: جذور المشكلة – "الخيار" المدمر. المشروع الاقتصادي لسلطة الاحتلال وآثاره.
يتألف هذا الفصل من ثلاثة مباحث. المبحث الاول يتناول "العناصر الاساسية للمشروع الاقتصادي لسلطة الاحتلال". في حين يناقش المبحث الثاني الحصاد المُر لهذا المشروع وما تركه من آثار فعلية مدمرة. اما المبحث الثالث فهو محاولة تركيب واعادة بناء للاشكاليات المثارة وذلك انطلاقا من سؤال استراتيجي اخر وهو: البلاد الى أين؟ دولة طوائفية أم دولة مدنية ديمقراطية عصرية؟ خلاصات واستنتاجات.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
يقع الكتاب في 440 صفحة من القطع الكبير ويتضمن مقدمات منهجية واشارة خاصة للعراق.