/
/
/
/

شكل العراق حاضنة للحضارات في تاريخه القديم والحديث، وبدأ تراجعه الفعلي حين عقدت الحكومات السابقة (وبالأخص دولة البعث) العزم على أن تلوي عنق المهرجانات الثقافية والفنية، وتحولها من رسالتها الإنسانية إلى التطبيل والتزمير لفكرها الأيديولوجي المنغلق، ولتبييض وجهها الملطخ بالكراهية والحقد والإقصاء! فأصبحت تلك المهرجانات منبرا للتسبيح بحمد "القائد الضرورة "، وبأوهام "جئنا لنبقى" التي تشبه إلى حد كبير نظرية "ما ننطيها!". وفي النهاية لم يصمد لا القائد الضرورة ولا حزبه أمام الإعصار الذي اكتسح كل مفاصل الحياة!

واستبشرنا خيرا بـ "التغيير"، فإذا بنا نصبح ضحية جديدة لنظام " المحاصصة" الفاسد، ولم ينفع صندوق الانتخابات في انقاذنا من براثن الجهل والتخلف الذي اعتمدته تلك الحكومات من أجل تحويل شرائح المجتمع المختلفة الى" قطيع" يتحرك بإشارة منها، مرة ذات اليمين، ومرة وذات الشمال.

وتم تهميش الثقافة بشكل فعلي فتناوب الفاسدون على تولي شؤونها (باستثناء فترة مفيد الجزائري القصيرة!)، وليس ادل على هذا من " مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية والإسلامية ٢٠١٣"، حين ازكمت رائحة الفساد أنوف الجميع!

ورويدا رويدا تم تقليص ميزانية وزارة الثقافة الى الحدود الدنيا، ووصلت الميزانية التشغيلية لدائرة السينما والمسرح مثلاً إلى الصفر منذ سنوات! علما انها دائرة إنتاجية وليست خدمية.

واختفت المهرجانات المسرحية والسينمائية والموسيقية الدولية، التي تشكل مرآة حقيقية لعكس وجه الوطن الحضاري. وتم اغلاق تلفزيون الحضارة التابع للوزارة وتوزيع العاملين فيه على بقية الدوائر. ومقابل هذا اتخمت الوزارة بإعداد جديدة من الموظفين فتم تعيين أكثر من خمسمائة موظف جديد، في الفترة السابقة، بمؤهلات " يقرأ ويكتب"!! وأصبح الفساد سيد الموقف.

ولم تكن اللجان التحقيقية التي أحيل اليها عدد كبير من الملفات إلا دليلا قاطعا على ما نقول، ولكن المتهم الاساسي دائما هم الموظفون الصغار، أما "الحيتان" الكبار فلهم مَنْ يحميهم!

اليوم يتربع على كرسي "الثقافة" رجل مثقف ومتواضع وتكنوقراط حقيقي، ويحاول جهد الإمكان أن يبث روحا جديدة في مفاصل الثقافة المتنوعة، ولكن اليد الواحدة لا تصفق! وهنا لا بد للمثقفين والفنانين من تشكيل "فصيل" ضاغط على السلطات الثلاث لإقرار ميزانية معقولة لوزارة الثقافة، أسوة بقطاعات التربية والتعليم والصحة والدفاع وغيرها. فالثقافة أصبحت في العالم المتمدن حاجة وليس ترفا، إذ ليس من مستقبل لبلد بدون نهضة ثقافية حقيقية!

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل