
هذه أسئلة وأفكار أولية حول موضوعة تطور الرأسمالية، ارتباطا بمسودة برنامج الحزب الشيوعي العراقي المقدمة إلى المؤتمر الوطني الثاني عشر للحزب. ولا ريب أن دراسة هذه المسألة تستدعي، حسب رأيي، ومن بين أمور أخرى، العودة إلى دراسة كتاب لينين الهام (تطور الرأسمالية في روسيا)، وراهنيته، ارتباطا بتطور الرأسمالية في العراق، والنظر الى موضوعاته وفق منهج التحليل الماركسي الملموس.
ومن نافل القول إن الباحثين، وخصوصا الماركسيين، مدعوون إلى دراسة هذا الموضوع، المرتبط بأكثر من وشيجة، بموضوع تحديد طبيعة المرحلة الراهنة للتطور الاجتماعي وسماتها الجوهرية، وبالتالي تحديد المهمات المطروحة أمامنا في عملنا السياسي، وفي تحليلاتنا الفكرية للتطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية الراهنة.
طبيعة المرحلة ومهماتها
ورد في مسودة البرنامج وتحت عنوان (الواقع العراقي وطبيعة المرحلة ومهماتها) ما يلي:
"يرى الحزب أن التحالف الطبقي الذي تقوده شرائح البرجوازية البيروقراطية والطفيلية والكومبرادورية المرتبطة بالمصالح الرأسمالية الخارجية، والذي تكرست هيمنته على البلاد منذ التغيير الذي أعقب الغزو والاحتلال الأمريكي عام 2003 قد اعتمد منظومة المحاصصة الطائفية والإثنية آلية لإدارة الدولة وإعادة إنتاج هيمنته السياسية والاقتصادية.
وقد تبلورت ملامح هذا التحالف خلال العقدين الماضيين عبر فرض نهج ليبرالي جديد قائم على إطلاق السوق المنفلتة، وتقليص دور الدولة، وتعطيل القطاع العام أو خصخصته، وإعادة تشكيل آليات الاستحواذ على الريع النفطي من نمط مركزي إلى نمط محاصصاتي، الأمر الذي عمّق التبعية، وأضعف الدولة، ورسّخ الفساد، وأعاق التنمية، ووسع الفوارق الاجتماعية.
وبذلك أصبح التناقض الرئيسي في هذه المرحلة هو التناقض بين غالبية أبناء وبنات شعبنا وبين التحالف الطبقي الحاكم ومنظومته السياسية وداعميه الإقليميين والدوليين.
وينطلق الحزب في رسم برنامجه من قراءة ملموسة لواقع العراق وأزمته البنيوية الشاملة، ومن إدراك لطبيعة المرحلة الراهنة وتناقضاتها ومهامها".
أشكال مشوهة لتطور الرأسمالية
شخصت وثائق حزبنا حقيقة أن نشوء وتطور الرأسمالية في العراق مرّ بمراحل تاريخية معقدة وربما ملتبسة، ارتبطت بالتحولات السياسية والاقتصادية للبلاد، وتحديدا منذ أواخر القرن التاسع عشر، وحتى الوقت الراهن. وقد أشارت هذه الوثائق إلى أن العقد السابع من القرن التاسع عشر شكّل بداية للتحولات الهامة في التركيب الاجتماعي الاقتصادي في العراق، حيث بدأت تظهر، إثر تفكك النظام الاقطاعي تدريجيا، أولى أشكال العلاقات الرأسمالية بالتزامن مع الاندماج التدريجي في السوق الرأسمالية العالمية. وارتبط تغلغل النمط الرأسمالي في العراق لاحقا بسياسات السيطرة البريطانية وربط الاقتصاد العراقي برأس المال الأجنبي.
وتؤكد وثائق الحزب على أنه على الرغم من الشعارات الرسمية التي أطلقتها الأنظمة السابقة (مثل نظام البعث الذي تضمن ميثاق العمل معه في "الجبهة الوطنية والقومية التقدمية" -1973-1978 رفض الرأسمالية – وهذه مسألة بحاجة إلى بحث في سياق آخر)، إلا أن الممارسة السياسية والاقتصادية الفعلية قادت البلاد نحو نوع من سيادة نمط الانتاج الرأسمالي، وإخضاع الدولة لمتطلباته.
ولم يتخذ تطور الرأسمالية في العراق مسارا طبيعيا بل اتخذ أشكالا مشوهة. وقد وصف برنامج الحزب المقر في المؤتمر الحادي عشر التحول في الاقتصاد العراقي بأنه يتسم بتطور "سوق حر منفلت ورأسمالية متوحشة ريعية". وهذه الرأسمالية، المندمجة في السوق الرأسمالية العالمية، مشوهة لكونها تعتمد كليا على عوائد النفط (الريع)، مما عمق الأزمة الاجتماعية الشاملة، وأدى إلى غياب التنمية الانتاجية الحقيقية في القطاعات الصناعية والزراعية. وقد ربط الحزب بين أزمات العراق الاقتصادية والاجتماعية الراهنة وبين سياسات اقتصاد السوق المفتوح دون ضوابط، وهي السياسات التي فاقمت التفاوت الطبقي، وأضعفت الانتاج الوطني لصالح الاقتصاد الطفيلي والريعي. ويركز الحزب في برامجه على ربط الكفاح الاقتصادي بالمسار الديمقراطي والتعددية، معتبرا أن البديل الوطني يمر عبر الخلاص من هيمنة الرأسمالية الطفيلية والريع، والتوجه نحو اقتصاد وطني يخدم الفئات الكادحة.
لقد تشكلت الرأسمالية في العراق في رحم التشكيلة القديمة وليس في تناقض معها، ولم يؤدِ هذا إلى تلاشي التشكيلة الانتاجية القديمة، بل إن بعض الاجراءات التي اتخذت من جانب الدولة العثمانية، ومن ثم الاحتلال البريطاني، أدت إلى التعجيل بانهيار العلاقات العشائرية والقبلية وتنمية العلاقات الإقطاعية وشبه الإقطاعية، بعكس ما جرى في أوروبا حيث التطور الكلاسيكي للرأسمالية.
ويرتبط عدم تطور الرأسمالية في الريف العراقي، إلى حد كبير، بوجود الاستثمارات الإقطاعية التي احتفظت بنفوذها في الريف إلى جانب بقاء العلاقات المشاعية الفلاحية. وبعد الاحتلال البريطاني للعراق استمر النظام الإقطاعي، وكان هذا أحد أكبر العوائق أمام تطور العلاقات الرأسمالية في الريف.
ولم تكن العلاقات الاجتماعية الإقطاعية للدولة العثمانية الحاجز الوحيد لعرقلة التحولات الرأسمالية في البلاد، بل إن تزايد دور العوامل الخارجية، لاسيما بعد انخراط البلاد في الاقتصاد العالمي، أضعف نمو البرجوازية الوطنية بحيث لم تتمكن من أن تصبح قوة اقتصادية وسياسية قادرة على أن تحظى بالمواقع والامتيازات الطبقية التي حظيت بها البرجوازية في بقية البلدان. وحتى الحرب العالمية الأولى لم تقم البرجوازية بأي دور مستقل، بل كانت برجوازية تجارية تابعة، وخاضعة بشكل كامل للاحتكارات الأجنبية في قطاع النفط، والنقل المائي والمواصلات، والسكك الحديدية والموانئ. وبعد الاحتلال البريطاني للعراق زاد الوضع تعقيدا، وأصبحت سلطات الاحتلال عائقا أمام تطور الرأسمالية، حيث عملت على خلق القاعدة المادية للاستغلال الامبريالي. وكان من نتائج هذه العملية بروز قطاع أجنبي مهيمن بشكل كامل على الاقتصاد أثناء فترة الانتداب، متمثلا، بصورة أساسية، بقطاع النفط الخاضع لسيطرة الشركات الغربية الكبرى.
من رأسمالية ناشئة
إلى رأسمالية الدولة
وقد شهد تطور الرأسمالية في العراق منذ خمسينيات القرن العشرين وحتى الوقت الحالي تحولات جذرية انتقل خلالها الاقتصاد من الرأسمالية الناشئة إلى رأسمالية الدولة والسيطرة المركزية، وصولا إلى الانفتاح الاقتصادي المشوه بعد عام 2003. ويرتبط هذا التطور، بشكل وثيق، بالطبيعة الريعية للاقتصاد، واعتماده على عائدات النفط.
وتميزت مرحلة الرأسمالية الناشئة حتى عام 1958 بنظام ملكي يتبنى التوجه الرأسمالي الحر والارتباط بعلاقات وثيقة مع الاقتصاد العالمي، ولاسيما مع بريطانيا. وظهرت ملامح رأسمالية حقيقية مع توقيع اتفاقية النفط عام 1952 وتأسيس مجلس الاعمار. وقاد القطاع الخاص عجلة النمو في مجالات التجارة والخدمات والصناعات الخفيفة، ومع ذلك ظلت هذه الرأسمالية هجينة، وتداخلت مع علاقات إنتاج شبه إقطاعية وعشائرية في الريف، حيث جرى الاستحواذ على الأراضي الزراعية. وأدى سقوط النظام الملكي إثر ثورة 14 تموز 1958 إلى تغيير ميزان القوى الاقتصادي لصالح توسيع دور الدولة. وفي عام 1964 صدرت حزمة قوانين "اشتراكية" شملت تأميم المصارف الأهلية والشركات الصناعية الكبرى مما أدى إلى شل البرجوازية المحلية الناشئة.
ومع تأميم العمليات النفطية عام 1972 أصبحت الدولة هي المسيطر الأكبر على قطاع النفط ومجمل النشاط الاقتصادي التنموي، بحيث اقتربت من مفهوم الدولة الاحتكارية. وتسببت الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج والحصار الاقتصادي الذي تلاها في سحق ما تبقى من إنتاج صناعي وزراعي خاص. وظهرت خلال الحصار رأسمالية طفيلية وكومبرادورية غير منتجة. وقد أرست هذه الحقبة جذور ثقافة الفساد والأنشطة الاقتصادية الريعية والطفيلية التي استمرت وتفاقمت بعد عام 2003.
رأسمالية هجينة واقتصاد غنائم
وفي أعقاب سقوط الدكتاتورية عام 2003 فرضت "سلطة الائتلاف المؤقتة" تحولا مفاجئا نحو الليبرالية الاقتصادية وسوق التجارة الحرة. وألغيت القيود الجمركية، وفتحت الحدود أمام السلع الأجنبية، مما أدى إلى إغراق السوق وتوقف المصانع المحلية لعدم قدرتها على المنافسة.
وتبنى الدستور العراقي لعام 2005 آليات اقتصاد السوق والتشجيع على الاستثمار والخصخصة. غير أن التطبيق العملي اصطدم بثقافة مؤسساتية متجذرة تعتمد على التوظيف الحكومي، مما خلق نظاما مشوها يجمع بين قوانين رأسمالية شكلية وإدارة ريعية مركزية.
وأفرزت البيئة السياسية والاقتصادية الحالية في العراق نمطا اقتصاديا يصفه الخبراء بأنه "رأسمالية هجينة" أو "اقتصاد غنائم". ويتأرجح اقتصاد العراق اليوم بين قطاع عام وتضخم يلتهم موازنة الدولة التشغيلية (رواتب الموظفين)، وبين قطاع خاص تجاري واستهلاكي غير منتج. وتسيطر واجهات تجارية وشركات تابعة لكتل سياسية ومراكز قوى على العقود الحكومية، والاستثمارات العقارية الكبرى، والقطاع المصرفي الخاص، مما يعرقل نشوء رأسمالية حرة وتنافسية حقيقية. ويبقى ريع النفط المحرك الوحيد للأسواق.
وهكذا فقد تحول العراق على مدار سبعة عقود من بلد كان يقف على عتبة الانطلاق نحو رأسمالية تنموية تقليدية مدفوعة بالنفط في الخمسينيات إلى بلد محكوم بنظام هجين يدمج مساوئ بيروقراطية الدولة مع فوضى الأسواق الاستهلاكية غير المنتجة.
لقد نشأت، بعد عام 2003، دولة ريعية زبائنية تعتمد النهب، يتداخل فيها الفصيل المسلح بالعقود، والمكاتب الاقتصادية للأحزاب والقوى المتنفذة بالتحكم بالسوق، ويخضع فيها القرار السياسي إلى المحاصصة الطائفية والقرابات العائلية. وبالتالي نشأ نظام صار فيه الوصول إلى الدولة الطريق الأساسي للتراكم الاقتصادي، وتحولت السياسة إلى وسيلة للثروة، ونشأت منظومة بنيوية مغرقة بالفساد، في دولة باتت السبيل إلى الامتيازات.
وفي مجرى تطور الرأسمالية في العراق يمكن القول إنه كان من نتائج هذا التطور المشوه الدمار الذي لحق بالطبقة الوسطى، التي عانت من انعدام التماسك البنيوي، وتحولت الى طبقة هشة منقسمة، بعد أن كانت في عشرينيات القرن الماضي حاضنة للثقافة التقدمية، ومحركا لبث الأفكار التنويرية و"الماركسية". لقد راحت هذه الطبقة تفقد دورها في المجتمع، في ظل السياسات المرتبطة بالرأسمال الأجنبي، وجراء الحروب والحصار الاقتصادي والتضخم في التسعينيات، وسياسات المحاصصة والنيوليبرالية المنفلتة بعد عام 2003، مما أدى إلى سحقها في ظل النظام الريعي الحالي. ومن الطبيعي أن مصائر الطبقة الوسطى في بلادنا ومآلاتها، المرتبطة بطبيعة ووجهة تطور الرأسمالية، بحاجة إلى دراسة مستقلة مستفيضة.
راهنية كتاب
(تطور الرأسمالية في روسيا)
وفي سياق موضوع تطور الرأسمالية في العراق، وارتباطا بالخبرة التاريخية، نعود إلى كتاب لينين الموسوم (تطور الرأسمالية في روسيا). ويتميز هذا الكتاب براهنيته وأهميته المتجددة، ذلك أنه يقدم النموذج التطبيقي الأول لكيفية تحليل المجتمعات النامية والمتأخرة تاريخيا، باستخدام المنهج الماركسي، وتجاوز السجالات النظرية الجافة إلى تفكيك آليات تَشكّل السوق والطبقات في الواقع الملموس.
ويمكن القول إن راهنية هذا الكتاب وجدواه المعاصرة تتجلى في عدة ركائز. فهو يمثل "المختبر النظري" الذي صاغ فيه لينين مفهوم التحالفات الطبقية. وهو يثبت أن الرأسمالية تخلق بنفسها الطبقة القادرة على قيادة التغيير والتحول التاريخي، مما يجعله نصا تأسيسيا في دراسة الصراع الطبقي المرتبط بالبنية الاقتصادية.
لقد انتقل لينين في هذا العمل من التجريد النظري لـ "رأسمال" ماركس إلى دراسة إحصائية وتفصيلية حية لواقع بلد زراعي متأخر. وهذه المنهجية تظل مرجعا لكل باحث يسعى إلى فهم الاقتصاد السياسي دون إسقاط قوالب جاهزة.
ويقدم الكتاب دراسة عميقة حول كيفية تفكيك الاقتصاد التقليدي (كالريف والمشاعات) لصالح علاقات الانتاج الرأسمالية. وهذا التحليل يماثل ما تشهده العديد من دول العالم النامي في العصر الراهن (وبضمنها العراق) من تحولات اقتصادية واجتماعية قسرية.
فضح الأوهام النارودنية
وفي هذا الكتاب هاجم لينين الأطروحات النارودنية (الشعبوية) التي كانت ترى أن الرأسمالية مجرد "مرض عابر"، أو نمط مصطنع يمكن تجنبه عبر العودة إلى المشاعة القروية. وفي العصر الحالي يفكك هذا الطرح الأوهام النوستالجية والخطابات الأخلاقية التي تظن أن مشاكل الاقتصاد يمكن حلها بالشعارات بدلا من فهم القوانين الحتمية لتقسيم العمل، ونمو العمل المأجور.
ويوضح الكتاب بالتفصيل كيف يخلق تدمير الانتاج الصغير سوقا رأسمالية واسعة. وهو آلية تفسر بدقة كيف تتوسع الأسواق المعاصرة، وتخترق القطاعات غير الرسمية في الدول النامية اليوم.
من المعروف أنه في كانون الثاني من عام 1895 ساهم لينين في تأسيس المجموعة الماركسية (رابطة النضال من أجل تحرير الطبقة العاملة) في سانت بطرسبورغ. لكن بينما كانت المجموعة على وشك طباعة العدد الأول من صحيفتها (قضية العمال) قامت الشرطة السرية القيصرية باعتقال لينين وشخصيات قيادية أخرى. غير أن نشاط لينين السياسي لم يتوقف عندما تعرض للسجن، والنفي إلى سيبيريا لاحقا، بل أن تلك الفترة كانت، في الواقع، هي التي كتب فيها لينين (تطور الرأسمالية في روسيا)، الذي يقدم تحليلا علميا دقيقا للسيرورات الاقتصادية التي كانت تقوض النظام الاجتماعي القديم في البلاد، وتعمل على تمهيد الطريق للأحداث الثورية.
ويشكل هذا الكتاب، في حد ذاته، مثالا رائعا للمنهج الماركسي. وكان استمرارا لجداله ضد النارودنيين، الذين كانوا ينظرون إلى الفلاحين، وخاصة كومونة القرية الفلاحية، باعتبارهم حصنا ضد الرأسمالية في روسيا.
لقد عكست نظرتهم التي كانت تعتبر الفلاحين الطبقة الثورية التي ستقوم بالإطاحة بالقيصرية حقيقة مفادها أن الطبقة العاملة في الامبراطورية الروسية المتخلفة كانت ما تزال أقلية. وعلى الرغم من أنها كانت قد بدأت نشاطها الفعال أصبح السؤال آنذاك هو: ما هي الطبقات التي كانت في صعود؟ وما هي الطبقة التي تحمل بيديها مشعل المستقبل؟
وعلى الرغم من أن النارودنيين لم يستطيعوا أن يتجاهلوا التطور الرأسمالي الذي كان يجري في روسيا، فقد رأوا أن ذلك التطور مصطنع وغير مرغوب فيه، ويمكن تجنبه، ومصيره الفشل، في حين يثبت لينين في هذا الكتاب، ومن خلال دراسة دقيقة لمجموعة من المصادر، عكس ذلك.
لم تكن الرأسمالية قد بدأت بالتوغل في المقاطعات الصناعية والمناطق الحدودية لروسيا الأوروبية حسب، وإنما كانت العلاقات الرأسمالية تتشكل حتى في مناطق المركز شبه الإقطاعية، وفي ضِيَع ملّاك الأراضي، وحتى داخل المجتمع القروي "المتساوي" نفسه. وبينما كان مصير المشاعة الفلاحية يتجه إلى الاضمحلال، فقد كان مصير تغلغل العلاقات الرأسمالية في جميع أنحاء روسيا، وكذلك التناحرات الطبقية بين البرجوازية والبروليتاريا هو الاشتداد والتفاقم.
يتناول الكتاب تفاصيل كثيرة عن التناقضات والجوانب المظلمة لتطور الرأسمالية في روسيا. لكن، وعلى الرغم من ذلك، فإنه بفضل التطور الرأسمالي في روسيا ما بعد الإصلاح كما قال لينين فإن "روسيا المحراث الخشبي والطاحونة المائية والنول اليدوي، بدأت تتحول بسرعة إلى روسيا المحراث الميكانيكي وآلة الدرس والمطحنة البخارية والنول الآلي".
إن هذا التحليل العلمي للحقائق التي تطورت تاريخيا، كما هي في الواقع وكما تظهر إلى الوجود وليس كما نريدها أن تكون، هو، بالضبط، المنهج الماركسي. ويفهم الماركسيون، مثل لينين، الطابع التقدمي لهذا التطور الذي لا يوسّع قوى الإنتاج حسب، وإنما يضع، أيضا، الأساس لشكل جديد أعلى من أشكال المجتمع. إن الرأسمالية، من خلال خلقها لقوى انتاجية جديدة ولطبقة عاملة قوية، تضع الأساس للثورة الاشتراكية التي تتدفق كضرورة من تلك الظروف، وليس باعتبارها مجرد يوتوبيا متخيلة. وكان افتقار النارودنيين لهذا المفهوم هو السبب الجذري لخلاف لينين معهم. وقد أثبتت الأحداث، وقبل كل شيء، الثورة الروسية نفسها، صحة التحليل الوارد في هذا الكتاب.
لينين.. المجادل المعاصر
بين سجنه في سانت بطرسبورغ ومنفاه السيبيري كرس لينين ثلاث سنوات (1896-1898) لكتابة (تطور الرأسمالية في روسيا). والحقيقة أن هذا الكتاب يشكل، حسب مقدمة ترجمة فواز طرابلسي (الصادرة عن دار المدى هذا العام 2026، وهي طبعة قد تكون الأنسب للقراءة، حيث أجرى فيها طرابلسي تعديلات وتحريرا للنص لتسهيل قراءة هذا الكتاب الذي يتسم بنوع من "الجفاف العلمي")، يشكل علامة فارقة في الفكر الماركسي عموما، وفي فكر لينين ومسار الثورة الروسية خصوصا. وفي مقدمته الهامة للترجمة يقول طرابلسي "لسنا نبالغ إذا قلنا إنه أهم أثر ماركسي بعد (رأس المال) لماركس. ويعلن صدوره اختتام مرحلة بأكملها من تطور الماركسية في روسيا، يمكن تسميتها بالمرحلة التأسيسية، كان وجهها الأبرز هو القطيعة مع العقيدة الشعبوية النارودنية". ويضيف طرابلسي القول إنه "لئن اكتفى رجالات الرعيل الماركسي الأول (وأبرزهم بليخانوف) بمناوشة الشعبويين بواسطة المفاهيم الماركسية العامة، فإن الرعيل الثاني، وفي مقدمه لينين، صمم على تسديد الضربة القاضية للأوهام الرومانطيقية للشعبويين. فيأخذ لينين على بليخانوف أنه يبحث "عن أجوبة على الأسئلة المحددة في التجلي المنطقي المبسط للحقيقة العامة"، في حين أن المطلوب هو صوغ الأجوبة المحددة على السؤالين المحددين اللذين تقذف بهما الشعبوية: هل تنطبق الماركسية على الأوضاع الروسية؟ وطالما أن تكوّن سوق داخلية هو مقياس حاسم لسيادة الرأسمالية، فهل تكونت مثل هذه السوق في روسيا؟"
يقول طرابلسي إن "هذا النموذج الفذ لـ "التحليل المحدد للواقع المحدد" عند لينين يحتفظ بكل حيويته، الآن، رغم مضي أكثر من ثلاثة أرباع القرن عليه (الإشارة إلى ترجمة فواز طرابلسي للكتاب الصادرة عن دار الطليعة عام 1979). فما أكثر الشعبويين المعاصرين الذين ينطلقون من رفض مآسي "التحديث الرأسمالي" للإمبريالية، لينتهوا إلى تمجيد التخلف! وما أكثر المتنورين التحديثيين، ورثة الاقتصادويين الروس الذين ينتهون إلى تبرير الرأسمالية من شدة التوكيد -غير الجدلي- على "تقدميتها"، أو الذين ينبهرون أمام ديمقراطية وعقلانية الغرب، فيتغافلون عن أن الرأسمالية إنما وُلِدت "وسط الوحل والدم اللذين يرشحان من مسام بدنها، من رأسها حتى أخمص قدميها" (ماركس)، وأنها مستمرة بفعل استغلال الأرقاء الجدد الذين هم بروليتاريا الأقطار الصناعية وشعوب القارات الخاضعة للإمبريالية. إن لينين مساهم مباشر في هذا السجال المعاصر".







