
تميز الحزب الشيوعي العراقي بتمسكه التاريخي بالفكر المنحاز للعدالة الاجتماعية، والدفاع المستمر عن حقوق الشغيلة والطبقات الوسطى والفقيرة. مع ذلك، فإن أعظم الأفكار تفقد قيمتها السياسية إذا ظلت حبيسة النخبة والمصطلحات الأكاديمية المعقدة. وفي ظل الواقع العراقي الراهن، يواجه المواطن تحديات معيشية وضغوطا يومية تدفعه للبحث عن حلول واقعية ومفهومة، تترجم الشعارات الأيديولوجية إلى مطالب شعبية ملموسة.
بناء على ذلك، يصبح التواصل الواضح والبسيط ضرورة وجودية للحزب؛ ليس فقط لتفسير الواقع، بل لتغييره. إن التحدث بلغة الشارع، وملامسة همومه الحقيقية مثل البطالة، والفساد، وتدهور الخدمات، هو الجسر الوحيد لبناء حاضنة جماهيرية واسعة، وبث الروح في جسد الحزب ليتجاوز مربع “النخبة المعزولة” ويتحول إلى “حركة شعبية” قادرة على كسب ثقة الجمهور وتنظيم طاقاته نحو التغيير الفعلي.
إن تبسيط الخطاب السياسي لا يعني بأي حال التنازل عن الثوابت الفكرية، بل هو تقدير لوعي المواطن العراقي ومخاطبته بلغة تلامس همومه اليومية؛ من بطالة، وسوء خدمات، وفساد، وغياب للحقوق الأساسية. فالنجاح الحقيقي للحزب يقاس بمدى، قدرته على جعل العامل والفلاح، والطالب، والمرأة، يجدون في برنامجه تعبيرا صادقا عن تطلعاتهم وحلولا واقعية لمشكلاتهم.
ومع اقتراب مؤتمره الوطني الثاني عشر، يواجه الحزب الشيوعي العراقي تحديا اتصاليا بارزا؛ إذ جاءت مسودة برنامجه السياسي - المكونة من حوالي 6000 كلمة و162 فقرة- مثقلة بنصوص دسمة ومصطلحات فلسفية معقدة. ورغم القيمة الفكرية العالية لهذه الوثيقة لدى النخبة المثقفة، إلا أن هذا الزخم المعرفي يضعف من قدرة الحزب على تسويق برنامجه جماهيريا. إن كسب الأصوات وإقناع الشارع يتطلبان لغة مباشرة ومبسطة، وهو ما تفتقر إليه المسودة الحالية المطروحة للنقاش.
لذا بفضل الاستعاضة عن الوثيقة المطولة - التي قد تكون مرهقة للقارئ العادي- بإعداد وثيقتين مستقلتين وتكامليتين:
1- وثيقة الرؤية والرسالة والمهام: وتعني بالمنطلقات الاستراتيجية والهوية الفكرية.
2- البرنامج التنفيذي (خطة العمل): وهي وثيقة رشيقة تقدم حلولا عملية ومباشرة للمشكلات المجتمعية والاقتصادية.
أهمية الفصل وتقديم وثيقتين
تفكيك الوثيقة الطويلة على مسارين يحقق للحزب مكاسب سياسية وتنظيمية جوهرية، أبرزها:
- تجاوز النخبوية والوصول للجماهير: الأيديولوجيا تحشد الكوادر، لكن الحلول البرامجية هي من تحشد الناخبين. الفصل يتيح صياغة “البرنامج التنفيذي” بلغة يومية خالية من التعقيد يفهمها الشارع، تركز على قضايا مثل ( البطالة، الخدمات، الأجور، والعدالة بين فئات وأفراد المجتمع)، مما يسهل تبنيها من قبل المواطن العادي.
- وضوح الهوية مقابل عملية الأداء:
• وثيقة الرؤية والاستراتيجية: تحفظ إرث الحزب ونظريته الماركسية وتحدد أهدافه بعيدة المدى، وهي موجهة للداخل الحزبي والمثقفين.
• وثيقة البرنامج: تظهر الحزب كقوة سياسية بديلة وقابلة للحكم، تمتلك حلولا واقعية ومقاسة لأزمات العراق الحالية، وهي موجهة للرأي العام وصناديق الاقتراع.
- المرونة السياسية والانتخابية: الوثائق الفكرية تتسم بالثبات النسبي، بينما البرامج التنفيذية تحتاج إلى ديناميكية وتعديل مستمر بحسب التحالفات، أو تبدل الأولويات الاقتصادية والسياسية في البلد. الفصل يحمي ثوابت الحزب ويمنح أدواته التكتيكية مرونة عالية.
- تسهيل بناء التحالفات المدنية والديموقراطية: الفصل يسهل على الحزب الشيوعي بناء تحالفات واسعة مع قوى مدنية أو ناشئة بناء على، "برنامج عمل مشترك" يركز على نقاط الالتقاء الخدمية والسياسية، دون إجبار تلك الأطراف على الانخراط في نقاشات فكرية أو أيديولوجية عميقة قد تثير الخلافات.
إن الناخب يرتكز في تقييمه للأحزاب والكتل السياسية على أوليات واقعية، لا تتطابق بالضرورة مع تفاصيل الرؤى التنظيرية للكادر الحزبي أو النخب المثقفة. فهو يُقيِّم المرشح من خلال شخصيته وخلفيته المهنية، وأصبح الناخبون يميلون إلى الشخصيات التي تمثل المكونات العراقية كافة بعيد عن الولاء الحزبي الفئوي الضيق. وعلى الأحزاب الابتعاد عن الشعارات الرنانة وطرح برامج واقعية ملموسة قابلة للقياس والمراقبة.
فالمواطن في المحصلة يبحث عن حزمة من الاستحقاقات المباشرة التي تمس حياته اليومية، وترسم مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي؛ وهي المحاور التي يتعين على البرنامج السياسي التركيز عليها وتبنيها، ويمكن تلخيصها في الآتي:
1- الخدمات الأساسية والبنية التحتية والبيئة، يبحث المواطن عن وعود حقيقية وبرامج قابلة للتنفيذ لمعالجة الأزمات الهيكيلية المزمنة:
- الطاقة والمياه: وضع رؤية واضحة لتحقيق استقرار مستدام في تجهيز الطاقة الكهربائية، (عبر تفعيل تشريعات رصينة تدعم حكوميا تشييد واستخدام منظومات الطاقة الشمسية والبديلة للمنازل والعوائل)، مع تأمين مياه الشرب الصالحة وتحسين إدارة الثروة المائية.
- الصحة والتعليم: الارتقاء بالمنظومة الصحية عبر تطوير المستشفيات الحكومية وتوفير مستلزماتها الطبية، وتحديث القطاع التعليمي بإنشاء مدارس حديثة وتطوير مناهجها التربوية.
- مواجهة التغير المناخي والتصحر: تبني سياسات بيئية حازمة وحل أزمات الجفاف التي تضرب القطاع الزراعي وتلوث المياه، وتأمين الحصص المائية للعراق من دول الجوار.
2- ملف الاقتصاد وتأمين فرص العمل
مع النمو السكاني المتسارع وتعاظم فئة الشباب، يظل تأمين العيش الكريم والعدالة الاجتماعية المحرك الأساسي لتطلعات المواطنين وخياراتهم السياسية:
- مكافحة البطالة وبناء اقتصاد منتج: خلق فرص عمل حقيقية ومستدامة عبر تنشيط قطاعات الصناعة والزراعة والخدمات، وتفعيل الشراكة التنموية بين القطاعين العام والخاص، مع هيكلة الوظيفة العامة لتوجيه الطاقات الشبابية نحو الإنتاج الفعلي وتطوير البنية التحتية.
- التأهيل المهني والسيادة العمالية: إطلاق برامج وطنية شاملة للتدريب والتأهيل المهني والتقني، بما يضمن سد احتياجات سوق العمل، وفرض نسب تشغيل عمالة محلية مرتفعة وملزمة على الشركات الأجنبية والمحلية المستثمرة في العراق.
- كبح التضخم وحماية القوة الشرائية: تثبيت أسعار السلع الغذائية والدوائية الأساسية عبر تفعيل دور الأسواق المركزية والبطاقة التموينية، وحماية الدخل الحقيقي للمواطنين، وفي مقدمتهم الفئات الهشة وذوي الدخل المحدود، بوجه تقلبات الأسعار.
- الضمان الاجتماعي وصون كرامة المتقاعدين: التزام الحزب برفع الحد الأدنى للرواتب التقاعدية بما يضمن العيش الكريم، وربطها التلقائي بمعدلات التضخم السنوية، بالتزامن مع تفعيل قانون التقاعد والضمان الاجتماعي لعمال القطاع الخاص لضمان مساواتهم بالقطاع العام وتأمين مستقبل الشيخوخة لكل العراقيين.
3- الإصلاح السياسي ومحاربة الفساد
يتطلع الشارع العراقي إلى تغييرات جوهرية في هيكيلية إدارة الدولة، مدفوعا بحالة الإحباط من تراكمات وإخفاقات المراحل السابقة:
- إنهاء المحاصصة: تفكيك نظام المحاصصة الطائفية والحزبية، والانتقال نحو حكومة كفاءات تعتمد معايير المواطنة والنزاهة والمهنية العالية.
- تقويض الفساد المالي والإداري: تفعيل أدوات المحاسبة، واسترداد الأموال المنهوبة والمهربة، ووقف الهدر الممنهج في ثروات البلاد.
4- الاستقرار الأمني وسيادة القانون
يظل الحفاظ على المكتسبات الأمنية وتثبيت ركائز الدولة مطلبا رئيسيا لا غنى عنه:
- حصر السلاح بيد الدولة: تعزيز سلطة وهيبة المؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية، وإنهاء كافة مظاهر التسلح غير القانوني خارج إطار القانون.
- تعزيز استقلال القضاء: ضمان استقلالية السلطة القضائية وتطبيق أحكام القانون بعدالة، وشفافية، ودون تمييز، بما يكفل حماية الحقوق والحريات العامة والخاصة.
5- الحريات وحقوق الإنسان
- حماية الحريات العامة والخاصة: الدفاع عن حرية التعبير، وحرية الصحافة، والتظاهر السلمي، ومقاومة أي محاولات للتضييق على الفضاء المدني.
- دعم حقوق المرأة والشباب: تمكين المرأة اقتصاديا وسياسيا، وتشريع قوانين صارمة لحمايتها من العنف، وإشراك الشباب بشكل حقيقي في مراكز صنع القرار.
6- حماية الطفولة وضمان المستقبل؛ نحو طفولة خالية من الفقر والتشرد.
إن أطفال العراق هم الثروة الحقيقية ومستقبل البلاد الذي لا يمكن رهنه لسياسات السوق أو إهمال الدولة. وانطلاقا من مبادئ الحزب القائمة على العدالة الاجتماعية، نرى أن استمرار مظاهر تشرد وعمالة الأطفال، وحرمانهم من مقومات الحياة الأساسية هو نتاج مباشر لغياب التخطيط التنموي وغياب الإرادة السياسية. لذلك نلتزم بالنضال من أجل تحقيق الآتي:
- تأمين شبكة أمان اجتماعي شاملة وملزمة: فرض تشريع قانوني يقضي بتخصيص معونة طفولة شهرية ثابتة ومباشرة لكل طفل ينتمي إلى الأسر القائمة تحت خط الفقر، لضمان تلبية احتياجاتهم الغذائية، الصحية، والتعليمية دون قيد أو شرط.
- القضاء التام على ظاهرة التشرد: إلزام مؤسسات الدولة بإنشاء دور رعاية نموذجية، حديثة وممولة بالكامل من الموازنة العامة، لإيواء الأطفال المشردين والأيتام، وإعادة دمجهم في المجتمع والمنظومة التعليمية.
- تأمين وحماية حقوق الطفل الأساسية: إقرار مجانية التعليم الإلزامي الفعلي والرعاية الصحية الكاملة والمجانية لجميع الأطفال، مع تجريم عمالة الأطفال ومحاسبة الجهات التي تستغل طفولتهم اقتصاديا.
إن أموال النفط والثروات الوطنية يجب أن توجه لبناء الإنسان أولا، وتبدأ هذه المسيرة بحماية أضعف حلقات المجتمع وأكثرها أملا: أطفالنا.
7- ضمان الحق في السكن اللائق وبناء شبكة أمان اجتماعي للعوائل المتضررة، من خلال:
- إيقاف إجراءات الإخلاء التعسفي وهدم المنازل دون توفير بدائل قانونية وإنسانية مسبقة، مع مراجعة التشريعات الخاصة بالتعامل مع العشوائيات والتجاوزات بما يضمن كرامة المواطن.
- تأسيس “صندوق الإسكان البديل” لتوفير وحدات سكنية فورية ومجهزة للعوائل التي تعرضت مساكنها للهدم أو الإزالة لأغراض المصلحة العامة أو التنظيم الحضري.
- إطلاق مبادرات وطنية لتمليك وتطوير العشوائيات عبر تحويل المناطق القابلة للتأهيل إلى أحياء نظامية وتزويدها بالخدمات الأساسية (الماء، الكهرباء، البنى التحتية)، بدلا من سياسات الإزالة الجافة.
عند إقرار البرنامج المركّز والمبسّط، يمكن طباعته في حدود 1000 كلمة وبما لا يتعدى 3 صفحات.
وفي الختام، نؤكد على أهمية التواصل مع الكتلة الناخبة؛ فالصندوق هو السبيل الوحيد للتداول السلمي، وتستمد القوى السياسية قوتها من تقديم برامج عمل واقعية وواضحة، تصلح مسار الدولة وترتقي بجودة الحياة.







