يُعد إدراج موضوع الحقوق القومية وحقوق الإنسان في مسودة برنامج الحزب الشيوعي العراقي للمؤتمر الثاني عشر خطوة مهمة، بالنظر إلى طبيعة العراق المتعددة القوميات والأديان والثقافات واللغات، وما شهده البلد من استبداد وحروب وتهجير وتغيير ديموغرافي وإرهاب وانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

إلا أن المواد 23–26، رغم أهميتها، تحتاج إلى الانتقال من لغة الاعتراف العام بالحقوق إلى لغة الحقوق القابلة للتنفيذ، من خلال ربطها بصورة أوضح بالدستور العراقي والتزامات العراق الدولية، وتحديد الآليات القانونية والسياسية اللازمة لتطبيقها.

 

المادة 23

"إزالة معوقات تنفيذ المواد الدستورية المنظمة للعلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم، واستكمال البناء الاتحادي للدولة، وضمان الحق الدستوري في تشكيل الأقاليم، وتطوير اللامركزية الإدارية والمالية، مع الحفاظ على وحدة الدولة ومركزية الملفات السيادية."

هذه المادة مهمة في تأكيد النظام الاتحادي واللامركزية، إلا أنها تحتاج إلى تأكيد أن معالجة العلاقة بين الحكومة الاتحادية والإقليم يجب أن تتم في إطار الدستور والقانون، وبما يضمن حقوق جميع سكان المناطق المعنية، وليس فقط من خلال معالجة العلاقة بين بغداد وأربيل.

المادة 24

"الإقرار بحق الشعب الكوردي في تقرير المصير وفق إرادته الحرة، وضمان الحقوق القومية والثقافية والإدارية للتركمان والكلدان والآشوريين والأرمن والإيزيديين والصابئة المندائيين وغيرهم، وصيانة التنوع القومي والديني والثقافي، وحماية حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية، وإنهاء جميع أشكال التمييز."

تحتاج هذه المادة إلى قدر أكبر من التوازن والدقة. فحق الشعوب في تقرير المصير مبدأ معترف به في القانون الدولي، والعراق طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وفي الوقت نفسه، ينبغي أن تؤكد الصياغة أن ممارسة تقرير المصير لا يجوز أن تكون على حساب الحقوق الدستورية والقانونية لبقية القوميات والأديان التي تعيش في المناطق المعنية.

والأهم هو إعطاء المادة 125 من الدستور مكانة واضحة في البرنامج، إذ تنص على ضمان الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية لمختلف القوميات، ومنها التركمان والكلدان والآشوريون وسائر المكونات، على أن تنظم هذه الحقوق بقانون.

لذلك ينبغي أن يطالب البرنامج صراحةً بـ تشريع القانون المنظم للمادة 125 ووضع آليات تنفيذية تضمن المشاركة السياسية والإدارية والثقافية والتعليمية الفعلية للقوميات المختلفة.

كما ينبغي ربط حماية الأقليات بالمرجعيات الدولية، ولا سيما المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، التي تتعلق بحقوق الأقليات القومية والدينية واللغوية.

 

المادة 25

"إنصاف ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان، بإحالة مرتكبي جرائم القتل والتعذيب والإخفاء القسري إلى القضاء المستقل، وتعويض الضحايا، وفي مقدمتهم شهداء وجرحى انتفاضة تشرين. "

هذه المادة تمثل جانبًا أساسيًا في بناء دولة القانون، لكنها تحتاج إلى توسيع مفهوم الإنصاف ليشمل العدالة الانتقالية، بما تتضمنه من كشف الحقيقة، وتوثيق الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين، وتعويض الضحايا، ورد الاعتبار، ورد الممتلكات، وحفظ الذاكرة، وضمان عدم تكرار الانتهاكات. كما ينبغي التأكيد على استقلال القضاء وضرورة إنهاء الإفلات من العقاب، وأن تشمل المساءلة جميع الانتهاكات الجسيمة، دون انتقائية أو تمييز.

 

المادة 26

"معالجة آثار سياسات التطهير العرقي والتغيير الديموغرافي والتهجير القسري، وتنفيذ المادة (140) من الدستور، وإنصاف ضحايا الإرهاب والإبادة الجماعية، ولا سيما الإيزيديين، وتأمين عودتهم وإعادة إعمار مناطقهم. "

تحتاج هذه المادة إلى توسيع وتدقيق مهمين.

فالدستور يحظر صراحةً تملك العقارات لأغراض التغيير السكاني في المادة 23/ثالثًا/ب، ولذلك ينبغي أن يتضمن البرنامج تفعيل هذا الحظر ووضع آليات قانونية وقضائية لمنع التغيير الديموغرافي المتعمد، ومحاسبة المسؤولين عنه، ومعالجة آثاره ورد الحقوق والممتلكات وتعويض المتضررين.

كما أن المادة 140 وضعت مسارًا دستوريًا لمعالجة أوضاع المناطق المتنازع عليها من خلال التطبيع والإحصاء والاستفتاء، ولذلك فإن الإشارة إليها ينبغي أن تقترن بحماية حقوق جميع سكان تلك المناطق وضمان إرادتهم الحرة، بعيدًا عن التهجير أو فرض أمر واقع ديموغرافي.

ومن المهم أيضًا عدم اختزال الجرائم التي تعرضت لها الجماعات العراقية في مصطلح "الإرهاب" فقط. فبحسب الوقائع والأدلة والتكييف القضائي، قد تنطوي بعض الانتهاكات على جرائم إبادة جماعية أو جرائم ضد الإنسانية أو جرائم حرب أو تهجير قسري أو اضطهاد ديني وقومي أو تعذيب أو عنف جنسي أو تدمير للممتلكات والمواقع الدينية والثقافية.

وعليه ينبغي أن تكون الصياغة أكثر شمولًا، بحيث تتحدث عن:

"الجرائم الإرهابية والجرائم الدولية والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، بما فيها الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتهجير القسري والاضطهاد الديني والقومي، وفق الأدلة والتحقيقات والأحكام القضائية والمعايير الدولية."

كما ينبغي ألا يقتصر ذكر الضحايا على الإيزيديين، بل يشمل المسيحيين والتركمان والشبك وسائر الجماعات والمدنيين الذين تعرضوا للقتل والتهجير والاضطهاد والاعتداء على ممتلكاتهم ومواقعهم الدينية والثقافية. وتؤكد وثائق الأمم المتحدة أن العراق يتميز بتنوعه القومي والديني، وأن الدستور يكفل الحقوق الدينية والثقافية والسياسية لمختلف الجماعات.

الخلاصة ندرج أهم التعديلات المقترحة في:

1. إدراج الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين لعام 1966 كمرجعيات أساسية.

2. التأكيد على المادة 27 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية فيما يتعلق بحقوق الأقليات القومية والدينية واللغوية.

3. تفعيل المادة 125 من الدستور وتشريع القانون المنظم لها.

4. توضيح الحقوق الإدارية والسياسية والثقافية والتعليمية التي تكفلها المادة 125.

5. تفعيل المادة 23/ثالثًا/ب التي تحظر التملك لأغراض التغيير السكاني.

6. معالجة التغيير الديموغرافي باعتباره قضية دستورية وحقوقية وليس مجرد نتيجة جانبية للنزاعات.

7. معالجة قضايا الملكية والأراضي ورد الحقوق والتعويض.

8. عدم اختزال الجرائم التي تعرضت لها الجماعات العراقية في مصطلح «الإرهاب«.

9. إدراج الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والتهجير القسري والاضطهاد الديني والقومي وفق التكييف القانوني لكل واقعة.

10. عدم إغفال الجرائم التي تعرض لها المسيحيون، إلى جانب الإيزيديين والتركمان والشبك وغيرهم.

11. ضمان العودة الآمنة والطوعية والكريمة والمستدامة للنازحين.

12. حماية اللغة والتعليم والثقافة والتراث والمواقع الدينية والأثرية.

13. إدراج العدالة الانتقالية وكشف الحقيقة وجبر الضرر وضمان عدم التكرار.

14. ضمان التمثيل السياسي الفعلي وعدم اختزال الحقوق السياسية في الكوتا.

15. ضبط صياغة حق تقرير المصير بما يحترم القانون الدولي وحقوق جميع القوميات والأديان وسكان المناطق المعنية.

16. التأكيد على استقلال القضاء ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات وعدم الإفلات من العقاب.

17. جعل حماية التنوع العراقي التزامًا دائمًا لا يقتصر على مرحلة داعش الارهابي أو على جماعة واحدة.

وفي الختام، نتمنى للحزب الشيوعي العراقي النجاح والتوفيق في عقد مؤتمره الثاني عشر،  بمواصلة دوره في النضال من أجل تحقيق الهدف السامي الذي طالما رفعه وطن حر وشعب سعيد، وطنٌ تُصان فيه كرامة الإنسان، وتُحترم فيه حقوق الجميع، ويكون مستقبل أبنائه أكثر عدلًا وحريةً وأمانًا...