لم تستقر القوائم الانتخابية بعد على حال، خصوصا منها ما تعرف او تسمى " الكبيرة". فهناك خروج ودخول ومفاوضات ولقاءات ، ومن المحتمل ان تكون هناك مساومات وصفقات. فهذا ما حصل في دورات انتخابية سابقة، وقد يتكرر طالما بقي ذات التوجه والمنهج والوجوه في العديد من الكتل المتنفذة .
ومن المؤسف حقا ان تصريحات ومواقف العديد من المتنفذين، تذهب الى القضايا ذات الصِّلة بالمناصب وتوزيعها ، وكيفية الحصول على اكبر عدد من المقاعد ، فيما آخرون لا هم لهم الا كيفية تشكيل " الكتلة الأكبر " في الجلسة الاولى لمجلس النواب بنسخته الجديدة. وهناك الكثير من الجدل بشأن تفسير المحكمة الاتحادية لهذا المفهوم الذي ظهر الى الوجود بعد انتخابات ٢٠١٠. ووفقا اليه حرمت القائمة العراقية من حقها في رئاسة الوزراء رغم حصولها وقتذاك على اعلى عدد من المقاعد. لكن ما ذهبت اليه المحكمة الاتحادية حال دون ذلك، وهناك من يرى ان ذلك الموقف من المحكمة الاتحادية لا يتطابق مع ما نص عليه الدستور في المادة ٧٦ : " يكلف رئيس الجمهورية مرشح الكتلة النيابية الأكثر عددا بتشكيل مجلس الوزراء .." . فلماذا لم يذهب التفسير الى ان المقصود هو الكتلة الفائزة بأعلى المقاعد ؟!
انه موضوع مفتوح للنقاش ، رغم صعوبة اتخاذ المحكمة الاتحادية حكما آخر حاليا، وهي أميل الى الكتل والافراد المتنفذين ! ولعل تفسير المحكمة الاتحادية المذكور من بين الأسباب الرئيسة الذي تدفع الكتل السياسية والافراد المتدافعين على رئاسة الوزراء، الى خوض معمعة الصفقات والمساومات والاتفاقات، والمثال الابرز هو ما حصل في انتخابات ٢٠١٠ .
وهذا التدافع على الموقع المقرر لا يجعل هؤلاء الطامحين الى المناصب ، يعيرون الاهتمام والعناية الكافيتين لقضايا المواطنين الاساسية ولهموم الوطن الكبرى. وحتى وان جرى الحديث عن توجهات انتخابية برنامجية، فهو لا يتعدى ذرّالرماد في العيون ، وما ان تهدا عاصفة الحملة الانتخابية ويتحقق المطلوب والفوز بالمنصب ، بما يعنيه من نفوذ وسلطة وقرار بالنسبة للمتنفذين ، حتى تعود حليمة الى عادتها القديمة لتمارس ذات السياسة وذات المنهج ، اللذين ثبت فشلهما وفقا لمئات الأدلة والقرائن.
وللاسف يتكرر علينا هذا المشهد البائس منذ ٢٠٠٥ حتى الان. وحتى اذا تغيرت الوجوه قليلا فان نهج الطائفية السياسية بما يوفره من غطاء للفاسدين ، يواصل بعناد مسيرته ، محفوظا بعناية ورعاية الكتل المتنفذة وجوقة الفاسدين والمرتشين والطبالين ووعاظ السلاطين .
في كل انتخابات تبقى المهمة الجليلة السامية هي ذاتها: كيف نكسر هذه الحلقة التي دمرت البلد وما زالت ، وجعلته يتراجع عشرات السنين الى الوراء. كيف نهدم جدار الطائفية السياسية ، كيف نمنع الوجوه الفاشلة والفاسدة والطائفية من العودة ثانية للتربع على كرسي المسؤولية ، كيف ننقذ البلد مما هو عليه من أزمات ، كيف نرمم المواطنة العراقية التي اصيبت بجراح عميقة على يد المتنفذين الطائفيين ، كيف نمنع ظهور داعش وأخواته واخوانه من قوى الاٍرهاب ثانية ، كيف نعيد بناء المدن المخربة ونسهل عودة اللاجئين والنازحين ، كيف نوقف خروج آلاف العراقيين من وطنهم وخاصة من سكان وادي الرافدين الاصلاء ، كيف نبني اقتصادا قويا متنوعا ونستثمر على نحو عقلاني موارد النفط بعيدا عن أيادي الفاسدين ، كيف نوفر فرص عمل للشباب ، كيف نصون كرامة المرأة العراقية ، كيف ..وكيف ؟!
ان الاجابات على هذه التساؤلات وغيرها هو ما يفترض ان يكون عناوين مشروع وطني عابر للطائفية ، يوحد دعاة الإصلاح والتغيير ، من شيوعيين وديمقراطيين ووطنيين ، وان يكون العنوان الأكبر لاصطفاف واسع جماهيري ، قادر على دحر المشروع الطائفي ، وتهيئة مستلزمات بناء دولة المواطنة والعدالة والديمقراطية واحترام حقوق الانسان.
هذا المشروع الذي هو ، لا غيره ، ما يتوجب دفعه الى المقدمة من دون اية عرقلة ، أيا كان نوعها.