عادة، عند استشهاد أو رحيل أي رفيق شيوعي تنبري الأقلام للكتابة عنه، عن مآثره وبطولاته، وعن شدة "إلتصاقه" ـ بالحزب ـو... .

بالطبع، لا يمكن الاستهانة أبدا بإنجازات أي مناضل وكذا اهمال الإشادة بمواقفه وتضحياته وثباته على مبادئه، لكننا للأسف كثيرا ما نهمل "الانسان" في أحاديثنا عن إحبتنا ممن يغادرونا، فحياة الشيوعي ليس فقط السجون، التعذيب، المشانق، العمل السري، الكفاح المسلح، الغربة والمنافي!

خلال حياة المنفى، لاحظت وعايشت، ان الاوربيين ــ والفنلنديين منهم حيث أعيش ــ، وبعد مراسيم دفن ميت لهم، والعودة من المقبرة، في نفس اليوم، او بعد أيام، يلتقون لتأبينه في مطعم أو قاعة، حيث يتم يتناول الحديث عن "الجوانب الإنسانية" من حياة الميت، خصوصا الطرائف والمفارقات التي عاشها، والتي بعضها تطلق ضحكات المشاركين في الحفل التأبيني بما في ذلك أهل الميت.

سأحاول هنا تجنب "لغة الإلتصاق"!، لنتحدث عن جانب مشرق في حياة النصير الشيوعي أبو خلود ـ عبد الخالق حسين، الذي رحل عنا مؤخرا في موسكو، محل أقامته، متأثرا بمرض عضال.

هنا، أجد من الواجب الإشارة الى حب الراحل أبو خلود للحياة وتعلقه بها وبتفاصيلها، وكيف تميز بذلك بين إقرانه. أجد أن هذا مهم جدا، أمام قسوة الموت، هذا الزائر الثقيل، الذي لم يمهله لمواصلة رحلته، وسرقه منا ومن عائلته وحرم محبيه من جوانب إنسانية مشرقة في شخصيته كانسان، ولنأكد بهذا، على كون الشيوعي أنسانا، معني بجمال الحياة، قبل ان يكون منشغلا بقضايا وأسئلة كبرى. 

لن نختلف بأن رحيل الرفيق أبو خلود كان مؤلما للكثيرين، خصوصا لمن عرفه عن قرب. فبعد سماعي للخبر هاتفت بعض من الأصدقاء والرفاق المشتركين، ممن عشنا لفترة معا، في اليمن الديمقراطية في منطقة واحدة، والتقينا لفترات في كردستان وخارج كردستان، وتبادلنا التعازي وتحدثنا بمحبة عن الراحل. أتفق الرفاق معي في الحديث بكون أبو خلود تميز بكونه لم يثر يوما زعل أو غيض أي من معارفه ورفاقه ممن عاشرهم. وإذ كان نشطا حيويا، يؤدي مهامه بنكران ذات، حرص على اثارة الابتسامات من حوله والاحساس بالتفاؤل بين من عرفه. وبعد إلتحاقه بقوات الأنصار الشيوعيين، قادما من اليمن، عمل مخابرا لاسلكيا في قاطع أربيل، حتى مغادرته كردستان. وكان رفاقه المخابرين في المحطات الأخرى، يعرفون ضحكاته وتعليقاته المتفائلة، التي تصلهم عبر الاثير.. " مهما كانت الأوضاع صعبة " كما عبر عن ذلك الرفيق أبو نسرين المخابر (نمير أسعد). أحبه رفاقه لتميزه بدماثته وحبه للمرح وكونه ذو معشر حلو، فلطالما ما اشترك في حبك مقالب طريفة لرفاقه، مما جعله هدفا لمقالب انتقامية مماثلة، وثمة امثلة يصعب روايتها، وابسطها تنكره يوما بعباءة امرأة في مقلب لإحد رفاقه المقربين!   

وصلت شخصيا صحراء اليمن، تحديدا الى مدينة عتق مركز محافظة شبوة، في آذار عام 1980. مع مجموعة من الرفاق الرائعين، سمونا في عدن لفترة بـ “المجموعة الكويتية"، لأننا وصلنا الى عدن قادمين من الكويت، ولكوننا وصلناها متنكرين بالزي الخليجي، دشاديش ويشماغ وعقال وبعض الكلمات الخليجية المترسبة في حديثنا، ووصلنا بطريقة تهريب تشبه الأفلام السينمائية. ان مجموعة "الرفاق الكويتيين" لا يزالون احياء ـ لهم العمر الطويل ـ وقد يقرأ بعضهم كلماتي الآن، لكنهم تبعثروا في كل بقاع العالم. يومها تم تنسيبنا للعمل كمعلمين في محافظة شبوة، ورغم اننا في موسم الربيع، لكن صحراء اليمن لم ترحمنا بسعيرها ورمالها في طريقنا المتعب والطويل ونحن قادمين من عدن بالسيارات. استقبلنا من سبقنا من الرفاق العاملين في عتق بترحاب حار يشبه الاحتفال، فنحن قادمين محملين بالرسائل، المجلات والصحف وبالكثير من اخبار العاصمة والمعلومات الرسمية والأهم "غير الرسمية". كنا متعبين وبحاجة للاستحمام. ووجدنا ان الرفاق في عتق لديهم نظام خفارات يومية لأجل خزن الماء، فهو يصل بساعات غير معلنة، ولفترة قصيرة، وعليهم ان يكونوا مستعدين لملأ كل ما يكون تحت أيديهم من اواعي وقدور وغلايات واكياس نايلون حتى. وعرفنا فورا بأن من ينجح في الاستحمام لمرتين في الاسبوع يسمونه "بطة". بين الرفاق كان ثمة شاب نشط، مرح، عرفنا ان أسمه "أبو خلود" يتحرك مثل الرمح بقوامه الرشيق وابتسامته العريضة. كان أشهر "بطة" في عتق، اذ يعرف كيف يخزن الماء للضرورات ولا تفوته مواعيده، وكان منقذ " الرفاق الكويتيين" يومها ليقدم لنا شيئا من مخزونه السري من الماء، لنغسل وجوهنا فقط، ولنستحم على طريقة رواد الفضاء: تبلل أطراف منشفة تمسح بها جسدك!

كان الرفيق الراحل أبو سناء (نجاح السياب) يقول عن أبي خلود: "شاغول"، فكان عبد الخالق لا يعتذر عن تنفيذ أي طلب بالمساعدة لأي من رفاقه. ويوما، في عتق، طلبت منه أحد الرفيقات ـ أعتقد الرفيقة أم ظفر زوجة الرفيق الشهيد أبو ظفر ـ فحص المكواة التي توقفت فجأة عن العمل. كان أبو خلود ماهرا في شؤون الكهرباء، فأفترش الارض لأكثر من ساعة، بعد ان فرش امامه جريدة، وفكك المكواة واستخرج كل احشائها وامعائها وبراغيها أمام انظار الجميع. ثم ركبها من جديد، واشتغلت بأحسن ما يكون. لاحظت الرفيقة صاحبة المكواة بعض "البراغي" ظلت على الجريدة لم يقم بإرجاعها للمكواة، فسألته:

ـ وهذه البراغي شنو!

ـ ييدو ان هذه زايدة، أكو خطأ بالتصنيع!

كان أبو خلود محبا للحياة، مهموما بتفاصيلها وشواغلها.

وهكذا كان أبو كريم صاحب التعليقات اللاذعة. هكذا كان ابو أيار ـ فؤاد يلدا، ملك العبث في وادي مراني، هكذا كان روبرت ـ خليل اوراها. وهكذا كان ....

المجد والخلود والذكر الطيب دوما للشيوعيين الشهداء والراحلين محبي الحياة وتفاصيلها العذبة.

لترقد روحك رفيقنا العزيز أبو خلود بسلام.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل