/
/
/
/

يقول العديد من التقارير والدراسات الجادة ان الخط البياني  لهيمنة النفط  كمصدر رئيسي للطاقة  في العالم يتجه   باستمرار  نحو الانخفاض. وان جائحة كورونا وما ترتب عليها من تداعيات دفعت أسعار النفط الى ادنى مستوياتها منذ حوالي عشرين عاما ، وقد واصلت الانخفاض حتى يوم امس بنسبة تفوق ٣ في المائة بعد الاغلاق في عدد من دول اوربا، جراء تزايد الإصابات بكورونا . 

ويشهد العالم تحولا ملحوظا الى مصادر الطاقة المتجددة عوضا عن الوقود الاحفوري، الذي يشكل ٨٥ في المائة من انتاج الطاقة في العالم. وهذا الاتجاه يشمل حتى دول الشرق الأوسط، التي يعتبر  النفط والغاز في العديد منها مصادر أساسية للدخل الوطني وللموازنات السنوية ، والتي وظفت ١١ مليار دولار في مصادر الطاقة المتجددة مقارنة  بأكثر قليلا من مليار دولار عام ٢٠٠٨.

وكانت الثقافة العامة والاقتصادية، حتى في ذروة الأسعار الذهبية للنفط، تؤكد ان النفط ثروة ناضبة لا يصح الاستمرار في الاعتماد الكلي عليها. وهذا ما ادركته مبكرا دول مثل النرويج، ولكن في منطقتنا عموما، وفِي بلادنا خصوصا، استمر تجاهل هذه الحقيقة. ولا يبدو  حتى الآن ان في الأفق مؤشرات على  استيعاب وادراك المخاطر الناجمة عن ذلك.

لقد حذر متخصصون وسياسيون وطنيون مئات المرات، من كارثة حقيقية تنتظرنا اذا استمرت السياسات الاقتصادية والمالية العرجاء ذاتها. وها نحن وصلنا اللحظة التي تعلن فيها الدولة انها لا تستطيع توفير حوالي مليار ونصف المليار دولار لاستكمال المطلوب لدفع رواتب الموظفين والمتقاعدين لهذا الشهر. هذا ما أعلنته هيئة التقاعد العامة، التي يفترض ان لديها ما يكفي من الأموال المتراكمة لتسديد رواتب المتقاعدين. فاين ياترى ذهبت الأموال التي استقطعت منهم خلال سني الخدمة ؟!

ان من يراهن على تحسن أسعار النفط لإنقاذ العراق من ازمته المالية لعلى وهم كبير، سيما وان كل المؤشرات لا تشي بذلك، فضلا عن ان التحسن النسبي للأسعار لا يمكن التعويل عليه كثيرا، فاسعار النفط في العالم تتحكم فيها عوامل عدة وليست بيد منتجي ومصدري النفط الخام .

ان على من بيده القرار من السياسيين  وراسمي السياسات الاقتصادية والمالية، التصرف بشكل آخر، لكن استنساخ تجارب ومناهج مأزومة  أصلا سيزيد الطين بلّه. انما يكمن المخرج اليوم في التوجه الجاد نحو تنويع الاقتصاد، وإنماء القطاعات الوطنية الإنتاجية وحماية المنتوج الوطني،  وتقليص الصرفيات العامة  الى الحدود الدنيا، وخفض رواتب الدرجات الخاصة، ووقف الهدر، وتقليص النفقات العسكرية والتوقف عن تضخيم  المؤسسات العسكرية والأمنية والتوظيف السياسي والانتخابي، والمكافحة الجادة للفساد، واسترداد الأموال المنهوبة. هذه وغيرها هي مداخل ممكنة  التحقيق، مع توجه واضح مستقبلا الى بناء مستلزمات تنمية متوزانة ومستدامة.

ان البلد ليس بحاجة الى أوراق بيضاء سبق ان اعد مثلها عشرات، و لن يكون حال الجديد منها افضل من مصير خطط التنمية الوطنية، بل الى اوراق حمراء بخطوات جريئة وملموسة وإرادة سياسية حازمة لتنفيذها .

ونحن على قناعة من ان منظومة المحاصصة والفساد لا مصلحة لها في الاقدام على ذلك ، فلا مفر من فرض هذا الاستحقاق الوطني عبر الضغط الجماهيري والحراك متعدد الصور.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل