/
/
/

لا أستطيع أن أفهم أن شخصاُ ما، يمكن أن يزور تونس ويلتقي بأهلها والأصدقاء فيها دون أن يقع في حبائل عشقها. لا يوجد تقييم شامل وكامل، لكنني أتحدث عن الشيء العام. تونس- لسبب ما- كانت أسرع في تقبّل التغيير من غيرها. واليوم تمنحنا درساً مجانياً أيضاً عن القضاء فيها.
حين قُتل المحامي والناشط الحقوقي شكري بلعيد، قامت وزارة الداخلية بتحقيقاتها المعتادة في مقتله، لكنها ميّعت القضية. وحين قُتل الناشط الحقوقي الثاني محمد البراهمي حدث الشيء نفسه. لكن القضاء هناك لاحق الملفّين، واكتشف مسألة مهمة، هي ان هناك يدا ما أوقفت التحقيقات وحرفتها عن مسارها. وهذه اليد هي ما بات يعرف اليوم بـقضية(الغرف السوداء) في وزارة الداخلية. والمقصود هو الدولة العميقة المرتبطة بحركة النهضة الإسلامية(وهي الحزب الذي وصل الى السلطة بعد الإطاحة بحكم بن علي). هذه القضية تناولها القضاء التونسي وحقق فيها ، واكتشف أن هناك تعمّدا في عرقلة التحقيقات، بل وهناك إتلاف للأدلة التي تشير الى تورّط جماعات منظمة قريبة من حركة النهضة في إعاقة استكمال التحقيقات.
هذا الكشف، ودلالاته، وتبعاته، ما كان ليغدو ممكناً لولا أن القضاء(هناك) حافظ على نفسه مستقلاً عن التأثيرات السياسية بالحد الأدنى.
بل إن الضامن للتغيير السريع والناجز الذي يجري في تونس هو القضاء لا غير . صحيح أن تونس كانت المصدر الأول والأعلى رقمياً للإرهابيين الذين نفقوا في العراق، وأوقعوا ضحايا يصعب إحصاء عددهم. إلّا أن وجود تغييرات عميقة وحقيقية، وقضاء يحمي المجتمع من الاستغلال السياسي، يعني فعلاً أن العجلة تدور في تونس، وأن الإرهابيين القادمين من هناك، لم يكن لديهم مجال ليعيثوا في مجتمعهم فساداً ، فانطلقوا يبحثون عن زوايا رخوة يسهل الدخول إليها، فجاءوا منتحرين الى العراق.
فالقضاء هو صاحب الفضل الأول في بدء مسيرة ترسّيخ الديمقراطية في مواجهة الغرف السوداء....القضاء في تونس أقصد.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل