تشهد ست دول أوروبية تحركات احتجاجية تتنوع مطالبها بين تحسين التعليم والخدمات العامة، ومواجهة غلاء المعيشة، والاعتراض على ارتفاع الإيجارات. وتشمل الاحتجاجات فرنسا وبلجيكا وإيطاليا والبرتغال وإسبانيا وألبانيا، لكنها لا تشكل تحركاً موحداً، إذ تختلف أسبابها وتوقيتها من بلد إلى آخر. وفق ما ذكرته قناة سكاي نيوز.

وفيما بقيت تجمعات عدة سلمية، شهدت مدن في فرنسا وإيطاليا وبلجيكا وألبانيا مواجهات مع الشرطة وأعمال نهب وتخريب وحرائق.

بدأت الاحتجاجات الفرنسية بمطالب لتحسين أوضاع المدارس ومعالجة نقص المعلمين، ثم اتسعت لتشمل غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة. وشارك أكثر من نصف مليون شخص في مسيرات بأنحاء البلاد، وفق تقديرات وزارة الداخلية، التي قالت إن أكثر من 2500 نشخص اعتُقلوا وأصيب المئات من عناصر الشرطة والدرك، ومن بينهم إصابات خطيرة. 

بحسب تقارير نُشرت في أكتوبر الجاري 2026، بدأت موجة الاحتجاجات الحالية في المدارس الثانوية بمنطقة كريتاي قرب باريس في منتصف سبتمبر، ثم امتدت إلى مدن ومؤسسات تعليمية أخرى، وانضم إليها طلاب جامعيون ونقابات وعاملون في قطاعات عامة. 

تتركز المطالب في عدة محاور:

تدهور التعليم: نقص المدرسين، واكتظاظ الصفوف، وتقادم المباني المدرسية.

العدالة التعليمية: الاعتراض على التفاوت في الموارد والفرص بين المؤسسات التعليمية.

القلق بشأن المستقبل: الشعور بأن التحصيل الدراسي لا يضمن فرصاً عادلة في التعليم الجامعي والعمل.

الأوضاع الاقتصادية: اتساع الاحتجاجات لتشمل غلاء المعيشة وتراجع الخدمات العامة.

التعامل الأمني: الاعتراض على استخدام القوة ضد المتظاهرين، إلى جانب إدانة أعمال العنف والتخريب التي ارتكبها بعض المشاركين. 

وفي 17 أكتوبر ولاحق الأيام، اتسعت التعبئة لتشمل احتجاجات وطنية شارك فيها طلاب ونقابيون ومجموعات اجتماعية مختلفة، ما جعل الأزمة تتجاوز حدود المؤسسات التعليمية.

يمكن قراءة الاحتجاجات من خلال خمسة مفاهيم أساسية في علم النفس السياسي: 

1. الإحباط الجماعي
حين يشعر الطلاب بأن المؤسسات لا تستجيب لمشكلاتهم اليومية، قد يتحول الإحباط الفردي إلى شعور جماعي بالظلم. ويصبح الاحتجاج وسيلة لإيصال صوت لم يجد قناة مؤسسية فعالة. 

2. تشكّل الهوية الجماعية
يكتشف الطلاب أن مشكلاتهم ليست حالات فردية، بل تجارب مشتركة. ومن هنا تنشأ هوية جماعية قادرة على التعبئة والتنسيق والمطالبة بالتغيير. 

3. الشعور بالحرمان النسبي
لا ينشأ الغضب من الفقر وحده، بل قد ينشأ من مقارنة الفرص المتاحة للطلاب بعضهم ببعض، ومن الاعتقاد بأن الجهد الدراسي لا يقابله إنصاف اجتماعي. 

4. أزمة الثقة بالمؤسسات
عندما لا يرى الشباب استجابة مقنعة لمطالبهم، قد تتراجع ثقتهم بقدرة المؤسسات السياسية على الإصلاح. لكن هذا لا يعني بالضرورة رفض الديمقراطية؛ فقد يكون الاحتجاج نفسه مطالبةً بأن تعمل المؤسسات بصورة أفضل. 

5. وسائل التواصل وانتشار العدوى الاحتجاجية

تساعد المنصات الرقمية على نشر صور المشكلات وتبادل الخبرات وتنسيق التحركات. وقد يؤدي نجاح الاحتجاج في مكان واحد إلى تشجيع طلاب في أماكن أخرى على التحرك.

هذه مفاهيم تفسيرية وليست دليلاً على أن جميع الطلاب يحملون الدوافع نفسها؛ فالمطالب التعليمية المباشرة تختلف عن المواقف السياسية الأوسع.

أما المخاطر المترتبة على تحوّل الاحتجاجات إلى الفوضى فهي: 

1. تراجع الأمن المجتمعي
قد تؤدي المواجهات وتخريب الممتلكات والاعتداءات إلى تعريض المتظاهرين والمارة وأصحاب المحال والعاملين في الخدمات العامة للخطر، فضلاً عن تعطيل الحياة اليومية. 

2. اتساع دائرة العنف
قد يؤدي العنف من بعض المشاركين أو الاستخدام المفرط للقوة من جانب أجهزة الأمن إلى تصعيد متبادل، بحيث تصبح المواجهة نفسها محور الأحداث، وتتراجع المطالب الأصلية إلى المرتبة الثانية. 

3. خسارة التعاطف الشعبي
عندما ترتبط الاحتجاجات بالتخريب أو الاعتداء على الآخرين، قد ينصرف جزء من الجمهور عن تأييد المطالب إلى التركيز على استعادة النظام. وقد تستفيد الجهات المعارضة للاحتجاج من هذه التحولات لتشويه الحركة بأكملها. 

4. إضعاف الثقة بالديمقراطية
إذا عجزت المؤسسات عن إدارة الأزمة بالحوار، أو تعاملت معها بقمع غير متناسب، فقد تتراجع الثقة بالدولة والقانون. وقد ينشأ شعور لدى بعض المواطنين بأن السياسة لا تتيح حلولاً فعالة. 

5. تهميش المطالب الأصلية
قد تتحول قضية التعليم أو فرص العمل إلى خلفية لمواجهة أمنية وإعلامية. وعندها يخسر الطلاب فرصة تحويل مطالبهم إلى إصلاحات عملية، حتى لو كانت دوافعهم الأصلية مشروعة. 

في الحالة الفرنسية، يجب التمييز بين الاحتجاج الطلابي السلمي وبين أعمال العنف التي قد تقع على هامشه. ولا يجوز اعتبار الحركة الطلابية بأكملها مسؤولة عن تصرفات بعض المشاركين، كما لا يجوز تجاهل الأضرار التي تلحق بالناس والممتلكات.

ويظل التحدي السياسي هو إيجاد توازن بين حماية حرية التعبير والتجمع من جهة، وحماية الأمن العام وحقوق الآخرين من جهة أخرى.

ولا ينبغي الحكم على أي احتجاج بأنه أصبح فوضوياً لمجرد أنه يسبب إزعاجاً أو يعارض الحكومة بقوة؛ بل ينبغي تقييم الوقائع، ومدى انتشار العنف، وطبيعة استجابة السلطات، وما إذا كانت المؤسسات ما تزال قادرة على معالجة الخلاف بالوسائل القانونية والديمقراطية. 

الأسقاط  السيكولوجي للاضطرابات في اوربا على المهاجرين كسبب لذلك:  

ربط الاحتجاجات أو الاضطرابات في أوروبا — وتحديداً في فرنسا — بملف المهاجرين يمثل زاوية تحليلية سياسية وأمنية مثيرة للجدل، وغالباً ما تتبناها تيارات اليمين المتطرف وأحزاب المعارضة لتفسير العنف المصاحب لتلك الاحتجاجات، بينما يرفضها المؤرخون والمنظمات الحقوقية ومراكز الأبحاث معتبرين إياها تبسيطاً مخلّاً لجذور المشكلة.

​يمكن تفكيك هذا الطرح من خلال قراءة الدوافع، الاتهامات المتبادلة، والواقع المجتمعي في فرنسا:

​أولاً: كيف تُوظَّف ورقة المهاجرين لتفسير الاضطرابات؟ 

1. ​طروحات اليمين المتطرف والشخصيات المحافظة:

​يرى قادة اليمين (مثل التجمّع الوطني في فرنسا وشخصيات دولية محافظة) أن العنف المفرط، وعمليات التخريب، والحرق المنهجي للممتلكات العامة (مثل حرق مباني البلديات والسيارات) لا تعبر عن ثقافة الاحتجاج الطلابي السلمي التقليدي، بل تعود — برأيهم — إلى جماعات من أبناء الجيل الثاني والثالث للمهاجرين أو الوافدين الجدد في "الضواحي المهمشة" .

​يُروج لخطاب مفاده أن هؤلاء الشباب "منفصلون عن الهوية والقيم الفرنسية"، ويستغلون أي أزمة اجتماعية أو طلابية لتحويلها إلى ساحة حرب شوارع وفوضى ضد مؤسسات الدولة.

2. ​ارتباط الشعارات والقضايا الدولية:

​خلال بعض التجمعات والاحتجاجات، يلاحظ المحللون رفع شعارات أو أعلام تخص قضايا دولية (مثل القضية الفلسطينية أو غيرها)، وهو ما يستغله البعض للقول إن الاضطرابات في أوروبا لم تعد مجرد مطالب محلية تخص قطاع التعليم أو الاقتصاد، بل انعكاس لصراعات الهوية وولاءات خارجية لدى المجتمعات المهاجرة. 

ثانياً: الرد النقدي: لماذا يُعد ربط الاحتجاجات بالمهاجرين "تسطيحاً للأزمة"؟

في المقابل، يرفض علماء الاجتماع، المؤرخون، والكتل اليسارية ردّ الاضطرابات برمتها إلى المهاجرين، مستندين إلى عدة حجج رئيسية:

​التقاليد التاريخية لثقافة الاحتجاج في فرنسا:

​الاحتجاج الخشن والتظاهر الصاخب والاعتصام وإغلاق الجامعات والمدارس هي جزء أصيل من الثقافة السياسية والاجتماعية الفرنسية بغض النظر عن الخلفية العرقية للمتظاهرين. الفرنسيون بمختلف شرائحهم يلجأون للشارع بسرعة عندما يشعرون بتهديد المكتسبات الاجتماعية (مثل حركة "السترات الصفراء" واحتجاجات إصلاح أنظمة التقاعد السابقة).  

​الأزمات الهيكلية تخص جميع المواطنين:

​المطالب الحالية للاحتجاجات الطلابية (نقص المعلمين، اكتظاظ الفصول، تراجع جودة التعليم، غلاء المعيشة، وضغط التضخم) هي أزمات تعاني منها الأسر الفرنسية عموماً، سواء كانت من أصول عريقة أو مهاجرة، وتؤثر بشكل مباشر على مستقبل الجيل الجديد ككل. 

3. ​أزمة الضواحي والعدالة الاجتماعية (المواطنة وليست العرق):

​المشكلة الحقيقية تكمن في التهميش الاجتماعي والاقتصادي الذي تعاني منه بعض الأحياء والضواحي الفقيرة (التي يقطنها نسبة عالية من ذوي الأصول المهاجرة)، حيث يغيب تكافؤ الفرص وتشعر هذه الفئات بالإقصاء من "الوعد الجمهوري" الفرنسي للاندماج. وبالتالي، فإن خروج بعض هؤلاء الشباب بعنف يعبر عن غضب طبقي واجتماعي متراكم ضد تراجع الخدمات وغياب العدالة، وليس مجرد "حقد على الدولة" بسبب الهجرة وحدها.  

4. ​دخول أطراف متعددة على الخط:

​العنف والتخريب في التظاهرات الكبرى لا يقتصر على فئة دون أخرى؛ وغالباً ما تشهد هذه الأحداث تسلل مجموعات راديكالية منظمة من أقصى اليسار أو أقصى اليمين (مثل مجموعات "البلاك بلوك") هدفها الأساسي الصدام مع الشرطة وإحداث الفوضى بغض النظر عن الأصول العرقية. 

لا يتعلق الأمر بإنكار أن الهجرة قد تطرح تحديات حقيقية تتصل بالإسكان، وسوق العمل، والاندماج، وتوزيع الموارد العامة. بل يتعلق بالتمييز بين مناقشة هذه التحديات استناداً إلى الأدلة، وبين تحويل المهاجرين إلى تفسير شامل للمشكلات التي يعاني منها المجتمع.

من منظور علم النفس السياسي، يمكن فهم هذه الظاهرة باعتبارها تفاعلاً بين البحث عن كبش فداء، والخوف على الهوية الجماعية، والإحباط الاجتماعي، واستثمار المخاوف في المنافسة السياسية.

والفكرة الأساسية هنا هي أن الاحتجاج على أزمة اجتماعية لا يؤدي بالضرورة إلى فهم أسبابها البنيوية؛ فقد يبحث بعض المحتجين أو القوى السياسية عن فئة واضحة يمكن تحميلها المسؤولية، حتى عندما تكون الأسباب أكثر تعقيداً. 

ان هذا الحديث ليست إعفاء لدور شرائح واسعة من المهاجرين في الفوضى وعدم الاستقرار والإرباك الأمني وخاصة في الأحداث الكبرى كالاحتجاجات والإضرابات، فالمهاجرين ليست كتلة واحدة متجانسة فكريا وسلوكيا فهم ينتمون إلى أصول مختلفة اقتصادية واجتماعية ودينية وحتى من حيث اسباب هجرتهم وبالتالي فهناك قدر من الانسجام والاندماج مع المجتمع الأكبر وقدر آخر من سلوكيات التمرد وعدم التكيف الاجتماعي واللا اندماج وشعور بالهامشية. 

سيكولوجيا شماتة بعض المحللين السياسيين بما يجري في فرنسا: 

ظاهرة "الشماتة السياسية" أو التوظيف الاستعراضي للاضطرابات التي تشهدها فرنسا من قبل بعض المحللين والوسائل الإعلامية أو الأطراف الإقليمية والدولية، تعكس صراعاً أعمق يتجاوز مجرد التعليق الإخباري إلى تسجيل النقاط السياسية واستغلال الأزمات الغربية في الصراعات الدبلوماسية أو الإيديولوجية.  
​يمكن قراءة هذه الشماتة ودوافعها عبر عدة أبعاد رئيسية: 

أولاً: أشكال وتجليات "الشماتة السياسية"

1. ​الشماتة الإيديولوجية (سقوط النموذج الحقوقي):

​تركز بعض الأصوات في دول غير غربية أو معادية للسياسات الفرنسية على مشاهد الفوضى، الحرق، والاعتقالات الواسعة للقول بأن "النموذج الديمقراطي الليبرالي" والغربي قد سقط، وأن فرنسا التي طالما نصحت دول العالم بحقوق الإنسان وحرية التعبير تعجز اليوم عن ضبط شوارعها وحماية مؤسساتها. 

2. الاستغلال المتبادل في الخطاب الشعبوي العالمي:
​على الصعيد الدولي، استخدمت بعض الشخصيات السياسية الكبرى (مثل تعليقات بعض القادة واليمين الأمريكي مثل دونالد ترامب بأن "فرنسا تحترق" بسبب الهجرة) الأحداث للتدليل على صحة سياساتهم القائمة على الانغلاق وإغلاق الحدود، متخذين من الأزمة الفرنسية "عبرة" لدعم توجهاتهم القومية المتشددة. 

3. تصفية الحسابات الدبلوماسية:
​غالباً ما تستثمر بعض وسائل الإعلام والدوائر التحليلية في دول تربطها بفرنسا توترات دبلوماسية أو استعمارية سابقة (مثل بعض دول شمال أفريقيا أو الساحل الأفريقي التي شهدت توترات مع باريس مؤخراً)، هذه الأزمات لتسليط الضوء على "هشاشة" القيادة الفرنسية الحالية وتمثيلها في صورة العاجز عن إدارة الأزمات الداخلية. 

​ثانياً: لماذا يلجأ بعض المحللين للشماتة؟

​إرضاء الجمهور المحلي: يهدف بعض المحللين إلى تبيان أن الدول الكبرى تعاني بدورها من أمراض اجتماعية واقتصادية مماثلة أو أسوأ، مما يخفف رمزية التفوق الغربي في أذهان الجماهير المحلية.

​صناعة الدعاية السياسية: توظيف صور الشغب كأداة ضغط معنوي وسياسي لإضعاف موقف فرنسا التفاوضي أو الدولي في ملفات خارجية معينة.

​ثالثاً: القراءة الموضوعية بعيداً عن الشماتة

​رغم انتقاد السياسات الخارجية أو الداخلية لفرنسا، يرى المحللون الموضوعيون أن الشماتة السطحية تتجاهل حقائق الأمور:

​الاحتجاجات والاضطرابات في دولة بحجم فرنسا تعكس غالباً حيوية مجتمعية وقدرة للشارع على الرفض والاحتجاج (مهما كانت دموية أو فوضوية في بعض الأحيان)، وليست بالضرورة مؤشراً على "انهيار الدولة" بالمعنى المطلق.  

​المشاكل التي تعاني منها فرنسا اليوم (التضخم، أزمة السكن، الاحتجاجات العمالية والطلابية، وتحديات الاندماج) هي أزمات بنيوية عالمية تعاني منها معظم الدول المتقدمة والنامية على حد سواء في ظل الظروف الاقتصادية الدولية الراهنة.

ما الذي يدفع المحلل إلى الشماتة؟ 

يمكن فهم هذه الظاهرة عبر خمسة مداخل في علم النفس السياسي:

1. الشماتة الأيديولوجية

قد يشعر بعض المحللين بالرضا عندما تتعرض دولة أو منظومة سياسية يختلفون معها فكرياً لأزمة، لأن الحدث يبدو لهم تأكيداً لصحة مواقفهم السابقة. 

فالمحلل الذي يرى الغرب نموذجاً سياسياً فاشلاً قد يتعامل مع الاحتجاجات الفرنسية باعتبارها دليلاً على فشل الديمقراطية نفسها، مع أن اضطراب دولة ديمقراطية لا يكفي وحده لإثبات فشل نظامها بأكمله. 

2. الانحياز التأكيدي

يميل الإنسان أحياناً إلى البحث عن الوقائع التي تؤكد معتقداته، وتجاهل الوقائع التي تناقضها. لذلك قد يضخّم المحلل مشاهد العنف والتخريب، بينما يقلل من أهمية المطالب الاجتماعية والاقتصادية التي دفعت مئات الآلاف إلى الشوارع.

وقد تناولت التغطية الصحفية الدولية للاحتجاجات الفرنسية هذا التناقض: إذ طغت صور العنف في كثير من التغطيات على المطالب المتعلقة بغلاء المعيشة والتعليم والخدمات العامة. 

3. ازدواجية المعايير 

قد يصف المحلل الاحتجاجات في دولة خصم بأنها ثورة شعبية مشروعة، لكنه يصف احتجاجات مشابهة في دولة أخرى بأنها فوضى أو تخريب. وقد يحدث العكس أيضاً بحسب انتمائه السياسي.

هنا يصبح السؤال الأساسي: هل يحكم المحلل على الحدث وفق معايير ثابتة، أم وفق هوية الدولة التي تشهد الاحتجاجات؟

المعيار الموضوعي يقتضي تقييم أسباب الاحتجاج، ومدى شعبيته، وطبيعة مطالب المشاركين، وأشكال العنف، ورد فعل السلطات، من دون تغيير المعايير لمجرد اختلاف الموقف السياسي. 

4. الحاجة إلى الانتصار الرمزي

قد تتحول أزمة فرنسا، في خطاب بعض خصومها، إلى انتصار رمزي لهم: «لقد كنا على حق، وهم ليسوا أفضل منا».

هذا نوع من التعويض النفسي المحتمل؛ إذ لا يحتاج صاحبه إلى تقديم نموذج سياسي بديل ناجح، بل يكتفي بالإشارة إلى إخفاق النموذج الآخر. لكن كشف مشكلات الآخرين لا يعالج مشكلات المجتمع الذي ينتمي إليه المحلل. 

5. تحويل معاناة الناس إلى ذخيرة سياسية
حين ينشغل المحلل بالشماتة، قد ينسى أن الاحتجاجات لا تعني فقط إحراج حكومة أو إضعاف رئيس، بل تعكس أيضاً مخاوف مواطنين بشأن معيشتهم وتعليم أبنائهم ومستقبلهم. 

ولذلك فأن التحليل السياسي الرصين لا يقاس نجاحه بمقدار ما يحرج الخصوم، بل بقدرته على تفسير الوقائع، وكشف التناقضات، وفهم الأسباب، واستخلاص الدروس التي يمكن تطبيقها على مجتمعات مختلفة. ومن هنا يمكن صياغة السؤال الأعمق الذي تستحقه هذه الظاهرة: هل نريد من التحليل السياسي أن يساعدنا على فهم العالم، أم نريده أن يمنحنا شعوراً مؤقتاً بالانتصار على من نختلف معهم؟ 

القلق المشروع هو ان تتحول الاحتجاجات المطلبية في لحظات الانفعال القصوى الى سلوكيات قطيعية تحرق الأخضر باليابس كما حصل لمبنى بلدية ليموج التاريخي الذي تم حرقه وتدميره بالكامل وتجري محاولات لتدمير متحف اللوفر وسرقة مقتنياته فهل نحن أمام أجندة تتجاوز حدود المطالب المشروعة ولمصلحة من وما هي الأجندة المحتملة من وراء ذلك؟ أن سياق الأحداث ومدياته سواء في فرنسا أم في أوربا ستجيب عن ذلك !!!.