
حين تُساق الشعوب إلى ممرات الانتظار المظلمة، وتُغرقها السلطة في دوامة الوعود المؤجلة، فإن حالة الاستكانة الظاهرية لا تعني السكون بقدر ما تعني التراكم الصامت. وعندما يتجاوز هذا الانتظار مداه الزمني والوجودي، تتحول الخيبة المكبوتة إلى قوة انفجارية تدميرية تجرف أمامها كافة أشكال الاستقرار الشكلي. في هذه اللحظة الفاصلة بالذات - لحظة تصادم اليأس بالشارع - تتدخل النخب والقوى السياسية للاستثمار في الاشتعال الميداني، محاولةً إعادة توجيه القوة التدميرية الناتجة عن انفجار العقد الاجتماعي نحو معادلات جديدة للسيطرة وتحقيق النفوذ.
ولم تكن فرنسا بمرأى عن هذه الصيرورة؛ إذ لم تكن بداية التعبئة الأخيرة صديداً لأيديولوجيا جاهزة أو حراكاً موقوفاً على أجندات حتيّة، بل انطلقت الشرارة الأولى في 17 أيلول/سبتمبر من ثانوية واقعة في أحد الأحيـاء الأقل حظاً وتهميشاً في ضواحي باريس. تجسد احتجاج الطلاب في مستهله بإغلاق أبواب المؤسسة التعليمية اعتراضاً على البنية التحتية والمناخ التعليمي المتردي؛ بدءاً من العجز الحاد في أعداد المدرسين، واكتظاظ القاعات الدراسية، مروراً بتهالك الأبنية وانعدام التدفئة والتكييف حيث تعاني القاعات من حرارة مفرطة صيفاً ودرجات تجمد شتاءً وصولاً إلى طول ساعات اليوم الدراسي، وضبابية آليات القبول الجامعي، وتراجع الدعم الحكومي. ولم يكن أولئك الطلبة وحدهم في هذه المواجهة، بل سرعان ما حظوا بمساندة وتضامن من كادرهم التعليمي والمؤسسي.
إن ما بدأ كحراك طلابي موضعي سرعان ما قفز عبر الأسوار التعليمية ليصبح حركة اجتماعية مركبة. فخلال أسابيع قليلة، انضمت الجامعات والاتحادات الأكاديمية إلى الاحتجاجات، تلتها قطاعات مهنية ونقابية واسعة: من المزارعين وسائقي سيارات الأجرة، إلى الممرضين وفرق الإطفاء، فضلاً عن عودة حركة «السترات الأصفر» إلى واجهة الأحداث، وصولاً إلى دخول أحزاب وكتل اليسار وعلى رأسها حزب «فرنسا الأبية LFI والحزب الاشتراكي، ونواب برلمانيين، وناشطين بيئيين، إلى جانب بروز مجموعات راديكالية ومناهضة للنظام. وعلى الرغم من غياب التوجيه الحزبي أو الديني المباشر في اللحظة الأولى للنشأة، إلا أن الخلفية الاقتصادية-الاجتماعية لغالبية المشاركين - المُنحدرين من عائلات محدودة الدخل وأحياء هامشية - صبغت الحركة بـ أبعاد طبقية صريحة، جعلت منها مواجهة متجددة بين جغرافيا التهميش ومراكز القرار.
تكمن النواة الصلبة لهذا الحراك الشامل في تدهور المفهوم التقليدي لـ «دولة الرفاه» والتراجع الحاد في القدرة الشرائية. ففي 17 تشرين الأول/أكتوبر، خرج نحو نصف مليون متظاهر في مدن فرنسية متعددة للضغط باتجاه تغيير السياسات الاقتصادية، معبرين عن رفضهم للارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية والمواد الغذائية، والزيادة الحادة في أسعار الوقود والطاقة، وأزمة السكن، وتراجع كفاءة الخدمات العامة مقابل انعدام الثقة بالنهج النيوليبرالي القائم. وهذا الامتداد الميداني يتصل وثيقاً بالتقاليد التاريخية للشارع الفرنسي، الذي طالما شكّل الفضاء الرئيسي لرفض الضغوط الاقتصادية والسياسات المالية، على غرار موجة 2018-2019 التي عبرت الحدود لاحقاً نحو بلجيكا وهولندا.
أدى اتساع الحراك إلى انقسام سياسي حاد داخل المجتمع الفرنسي؛ فهناك معسكر داعم تمثله أطياف اليسار والحركات الاجتماعية التي ترى في التظاهرات تعبيراً مشروعاً عن المطالب المادية وحماية القطاعات المغيبة، في مقابل معسكر مناهض تقوده قوى اليمين واليمين المتطرف، والتي تتهم القوى اليسارية بالتجييش والتسبب في الفوضى، وتطالب بحظر بعض الأحزاب واعتماد الحلول الأمنية لإعادة الانضباط.
وفي محاولة للهروب من الاستحقاقات الاقتصادية والاجتماعية للسياسات النيوليبرالية، تعمد خطابات الحكومة والقوى اليمينية الداخلية —بالتوازي مع تصريحات واستراتيجيات دولية حليفة كـ دونالد ترامب والدوائر السياسية الأمريكية— إلى تحويل النقاش من جذوره الطبقية والمعيشية إلى اختزال أمني وثقافي ومجتمعي، عبر ربط الأزمة كلياً بقضايا الهجرة، والتركيز على العنف وترجيح العامل الديني.
ولا يتوقف هذا التوظيف الخارجي عند حدود السجال الإيديولوجي فحسب، بل يمتد لخدمة صراع اقتصادي أعمق؛ إذ تُستغل حالة الاضطراب وصور الاشتعال الميداني لضرب أحد أهم أعمدة الاقتصاد الفرنسي المتمثل في كونه قوة سياحية وثقافية عالمية منافسة للسوق الأمريكية. إن ضرب الاستقرار والجاذبية السياحية لباريس يعيد توجيه التدفقات الاستثمارية والسياحية نحو الأسواق الأمريكية، محققاً تفوقاً منافساً عبر إنهاك النموذج المالي والخدمي الأوروبي. ورغم وجود عناصر راديكالية أو مجموعات متطرفة ضمن المساحات الهامشية للحراك، فإن محاولة إلحاق الأزمة بأكملها بالمهاجرين أو بالبعد الديني تمثل قراءة مجزأة ومضللة؛ إذ تُغفل الواقع الميداني الذي يتشكل فيه الشارع الاحتجاجي من نسيج مجتمعي واسع ومتنوع يجمعه الخضوع لضغوط الأزمة الاقتصادية وتراجع دور الدولة الراعية.







