إن المتابع للسطح السياسي والإعلامي عشية انعقاد مؤتمر حزبنا الشيوعي يجد نفسه أمام ظاهرةٍ تبدو للوهلة الأولى مفارقةً عجيبة، لكنها في جوهرها تعكِس حتمية تاريخية ونفسية لا بد من تفكيكها بكل صراحة ووضوح. كيف يتحول من قضى سنوات من عمره يتحدث عن الطبقة العاملة والتحليل الطبقي والصراع الأيديولوجي، إلى مجرد صدى باهت يُردد نغمات الذباب الإلكتروني، ويتغذى على إعادة التغريد من حسابات وهمية هدفها الاخير الإساءة للحزب.

إن ما نشهده اليوم ليس نقداً فكرياً ولا تقييماً موضوعياً؛ فالنقد الذاتي والتطوير الأيديولوجي هما أوكسجين أي حركة شيوعية حية. لكن ما نراه هو حالة من "الانحطاط السياسي" والمراهقة الفكرية المتأخرة التي يصاب بها من أرهقهم المسار، وفقدوا البوصلة، واستبدلوا نضال الميدان بنرجسية المنصات الرقمية.

لقد أدرك هؤلاء "المنقلبون" أن الزمن قد تجاوزهم، وأن الحزب يتجدد بدمائه الشابة ورؤاه العصرية التي تتجاوز جمودهم العقائدي، فشعروا بنوبة من الذعر والعدمية؛ ذعرُ من يرى موقعه الافتراضي يتهاوى أمام الممارسة العملية. حينها، لم يجدوا انفسهم الاّ وهم يعزفون على اسطوانة قديمة مشروخة لتشويه تاريخ الحزب الناصع البياض والاصطفاف في طابور الذباب الإلكتروني. لأن الغاية لديهم لم تعد الدفاع عن الكادحين ولا بناء البديل، بل أصبحت مجرد "الانتقام الشخصي" وإشباع مهاراتهم الذاتية تحت شعار: عليّ وعلى أعدائي.

يا لها من نهاية بائسة لنشاطٍ سياسي يختمه صاحبه بأن يكون مجرد حطبٍ في محرقة إعلامية متأثرا بصور مشوهة من واقعنا المرير! كيف يستقيم أن يطرح المرء نفسه كمفكر يساري أو مناضل قديم، بينما يمارس الدور ذاته الذي تمارسه أدوات السلطة واليمين في تشويه الحزب وإضعاف جبهته في لحظة فارقة كمحطة انعقاد المؤتمر؟ إن هذا الاصطفاف الغير مسؤول يثبت أن هؤلاء لم يدركوا يوماً جوهر الماركسية كأخلاق ونضال وموقف، بل كانت بالنسبة لهم مجرد رداء أيديولوجي خلعوه بمجرد أن تعارضت مصلحة الحزب مع  ذواتهم.

ولكن، لنتذكر جميعاً أن التاريخ لا يرحم الأبواق الاستعراضية، وأن الأحزاب الثورية لا تكبر ويتصلب عودها إلاّ حين تتطهر من هذه الروائح الراكدة. إن اصطفافهم مع الذباب الإلكتروني ليس دليلاً على قوتهم، بل هو إعلان إفلاس أخلاقي وسياسي تام.

سيمضي مؤتمرنا، وستتجدد روح الحزب وخططه العملية بين الجماهير، بينما سيبقى هؤلاء غارقين في أوهامهم، جالسين على نفس المصطبات التي اصطف بها من سبقه في خانة النسيان والتقاعد النضالي.