
بين الحين والآخر يتعرض الحزب الشيوعي العراقي الى مساحات واسعة من السجال والنقاش في مناسبات سياسية تخص سياسة الحزب ومواقفه في اوضاع العراق ما بعد 2003 بل وحتى قبل ذلك، ودينية تتعرض الى مدى جدوى مساهمة الحزب في الأنشطة والمناسبات الدينية، ويتحول في احيان كثيرة السجال الى التشكيك والهجوم على الحزب وادانة مواقفه بطريقة توحي بالعدائية والانتقام حتى من أطراف ليست لها علاقة من قريب أو بعيد بالحزب بل تستهدف التضييق على الحزب وتحجيم دوره وعازفة على أنغام " الشيوعية كفر وألحاد "، اما مساحة النقاش البناء فأخذت دورا هي الأخرى مميزا في تحليل ونقاش سياسية الحزب في مختلف القضايا من قبل أناس من داخل الحزب أو خارجه أو من كانوا في صفوفه وغادروه لمختلف الأسباب الذاتية منها والموضوعية والكثير من هذه النقاشات ذات طابع تحليلي وذو قيمة فكرية يمكن احتوائها والاستفادة منها في رسم سياسية الحزب في مختلف المناسبات.
تمثل السيكولوجيا السياسية والاجتماعية لمساهمة الحزب الشيوعي العراقي تاريخيا في إحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين (عاشوراء) تقاطعاً فريداً ومثيراً للاهتمام بين الأيديولوجيا الماركسية العلمانية والمخيال الشعبي والديني للمجتمع العراقي.
هذه الممارسة لم تكن مجرد "تكتيك سياسي" عابر، بل حملت أبعاداً نفسية واجتماعية عميقة منذ نشأة الحزب، يمكن تفكيكها إلى المحاور التالية:
1. التماهي النفسي مع "رمزية المظلومية والثورة"
من الناحية السيكولوجية، يبحث الإنسان دائماً عن "رموز ونماذج عليا" تُجسّد قِيَمه. بالنسبة للشيوعين والماركسيين العراقيين، وجدوا في شخصية الإمام الحسين رمزاً للثورة ضد الظلم والطغيان من خلال:
إعادة التفسير الأيديولوجي: نُظر إلى واقعة الطف لا بوصفها حدثاً طائفياً أو غيبياً، بل باعتبارها فعلا يحمل في طياته بعض من ملامح حركات التحرر ضد السلطة المستبدة (تمثلت في الحكم الأموي آنذاك).
سيكولوجية الفداء: تلتقي السيكولوجيا الشيوعية (التي تمجد التضحية بالفرد في سبيل المجموع أو الحزب) مع السيكولوجيا الحسينية (التي تمجد الشهادة والفداء في سبيل المبدأ). هذا التلاقي جعل من السهل نفسياً على الكادر الشيوعي الانخراط في هذه الطقوس دون الشعور بتناقض داخلي.
2. الحاجة النفسية والاجتماعية للانتماء (عقدة الاغتراب)
واجه الحزب الشيوعي العراقي طوال تاريخه اتهامات من القوى المحافظة والدينية بأنه حزب "مستورد" أو "ملحد" يهدف إلى سلخ المجتمع عن هويته.
كسر العزلة النفسية: المشاركة في العزاء الحسيني كانت آلية دفاعية نفسية واجتماعية لكسر هذا الاغتراب. من خلال نزول الكوادر الشيوعية إلى "المواكب" و"المجالس"، كانوا يوجهون رسالة غير مباشرة للمجتمع: " نحن منكم، آلامكم آلامنا، وتاريخكم تاريخنا".
التجذر في التربة المحلية: ساعد هذا السلوك النفسي الحزب على أن يكون حزباً "عراقياً بامتياز"، يمتلك جذوراً في الوجدان الشعبي وليس مجرد امتداد لأفكار قادمة من الخارج" كما هي التهمة ".
3. توظيف "اللاوعي الجمعي" والوعي الطبقي
وفقاً لعلم النفس الاجتماعي، يُعد عاشوراء خزان الطاقات العاطفية الأكبر في الوجدان الشيعي العراقي.
توجيه الغضب العاطفي سياسياً: لقد ادرك الشيوعيون مبكراً إلى أن العواطف المشحونة في عاشوراء (الحزن، الغضب من الظلم، الرغبة في التغيير) يمكن تحويلها من مجرد "بكاء سلبي" إلى طاقة ثورية إيجابية (وعي طبقي).
الشعارات والمواكب (الموشحات السياسية): اشتهرت مناطق مثل الناصرية والكوت والنجف وكربلاء بمواكب اشبه ما تكون مواكب شيوعية يرتدي فيها الأعضاء الملابس السوداء لكنهم يرددون "ردات" (أهازيج) تحارب الإقطاع، وتطالب بحقوق العمال والفلاحين، وتربط بين قتلة الحسين في الماضي والأنظمة الديكتاتورية أو الاستعمار في الحاضر.
4. البراغماتية النفسية للقيادات والكوادر.
تفاوتت النظرة النفسية لهذه المشاركة بين قيادة الحزب والقاعدة:
القيادة (سيكولوجيا التخطيط): كانت ترى فيها وسيلة لا غنى عنها للوصول إلى الجماهير الفلاحية والعمالية التي يغلب عليها التدين الشعبي.
القاعدة الشعبية (العفوية الصادقة): الكثير من كوادر الحزب في جنوب ووسط العراق نشأوا في بيئات حسينية. بالنسبة لهم، لم يكن هناك انفصام نفسي؛ فالشيوعية هي أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية اليوم، والحسين هو أحد ملهمي العدالة التاريخي.
لقد نجح الحزب الشيوعي العراقي في إيجاد صيغة "تثاقف" ممكنة، حيث جرد الطقس الحسيني من بعده الغيبي البحت، وألبسه ثوباً كفاحياً وطنياً. لقد كانت هذه المساهمة تعبيراً عن سيكولوجية ذكية تدرك أن الطريقة الوحيدة لقيادة الجماهير هي التحدث بلغتها الوجدانية الأكثر عمقاً.
ومن الناحية السيكولوجية التاريخية فأن العلاقة بين الحزب الشيوعي العراقي وثورة الإمام الحسين (واقعة الطف) هي علاقة فكرية وسياسية مثيرة للاهتمام، وتمثل نموذجاً فريداً لكيفية التقاء أيديولوجيا ماركسية (علمانية ومادية تاريخية) مع رمزية دينية وتاريخية متجذرة في الوجدان الشعبي العراقي.
ويمكن تلخيص هذه العلاقة في عدة نقاط أساسية تشرح كيف نظر الشيوعيون العراقيون إلى ثورة الحسين وكيف استخدموها:
1. القراءة الطبقية والاجتماعية للثورة.
لا ينظر الحزب الشيوعي إلى ثورة الحسين من زاوية عقائدية أو غيبية، بل يفسرها من خلال منظور مادي تاريخي. ثورة ضد الظلم: يرى الشيوعيون في حركة الإمام الحسين ثورة اجتماعية وسياسية قادها قائد شجاع ضد سلطة أموية مستبدة ومحتكرة للثروة والسلطة (سلطة يزيد بن معاوية).
نصرة المظلومين: يتم تصوير الحسين في أدبيات الحزب كرمز تاريخي للثورة والتضحية من أجل العدالة الاجتماعية، ونصرة الفقراء والمحرومين (الكادحين) ضد الطبقة الحاكمة المستغلة.
2. التناغم مع الوجدان الشعبي العراقي.
أدرك الحزب الشيوعي العراقي منذ تأسيسه (عام 1934) أن الهوية الثقافية للعراق، خاصة في مناطق الوسط والجنوب، مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالرمزية الحسينية.
جسر للتواصل: استخدم الحزب الرمزية الحسينية كـ "لغة مشتركة" للوصول إلى الجماهير الفلاحية والعمالية البسيطة. فبدلاً من طرح أفكار ماركسية ذات طابع فلسفي عسير على الفهم في بدايته، كان الحزب يربط بين النضال ضد الإقطاع والاستعمار وبين قيم التضحية والرفض التي تمثلها ثورة الحسين.
الشعراء الشيوعيون والمنابر: برز العديد من الشعراء الشيوعيين أو القريبين من الحزب (مثل مظفر النواب، ومحمد مهدي الجواهري في قصيدته الشهيرة "آمنت بالحسين") الذين وظفوا الرمزية الحسينية في قصائد سياسية تثويرية ضد الأنظمة الحاكمة.
3. استعارة المصطلحات "الحسينية الثائرة"
في فترات العمل السري والمقاومة ضد النظام الملكية التعسفي والديكتاتورية والبعثية، كان الشيوعيون يستعيرون شعارات ومفاهيم كربلائية ويسقطونها على الواقع السياسي:
شعارات مثل "كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء" تم تفسيرها شيوعياً بأن المعركة بين الحق (الجماهير الكادحة) والباطل (السلطة الرأسمالية أو الديكتاتورية) هي معركة مستمرة ولا تقتصر على زمن معين.
تم تشبيه شهداء الحزب الشيوعي الذين أُعدموا أو قُتلوا في السجون (مثل مؤسس الحزب "فهد" أو "سلام عادل" أو قادة حركة الأهوار) بشهداء كربلاء من حيث التضحية بالذات في سبيل المبدأ.
4. كسر النمطية الأيديولوجية
تعتبر هذه العلاقة ميزة تميز بها الشيوعيون في العراق (والعالم العربي عموماً) عن الشيوعية التقليدية في الاتحاد السوفيتي أنداك؛ حيث أظهر الحزب مرونة في التعامل مع التراث الديني والشعبي، ولم يتبن الصدام المباشر مع المعتقدات الدينية، بل حاول "تثوير" هذا التراث وتحويله من طقوس بكائية واستسلامية إلى طاقة إيجابية للتغيير والتحرر.
الحزب الشيوعي العراقي يرى في ثورة الحسين إرثاً إنسانياً ثورياً ملكاً لجميع الأحرار وليس حكراً على طائفة معينة، ويصنفها كواحدة من بواكر الثورات ضد الظلم الاجتماعي والسياسي في التاريخ الإنساني.
إحياء الحزب الشيوعي العراقي لذكرى استشهاد الإمام الحسين يحمل في طياته أبعاداً سياسية واجتماعية معقدة، ورغم أنه قد يُرى من قبل بعض قيادات الحزب كخطوة للتقارب مع الجماهير، إلا أن فريق آخر يرى أن تلك المساهمات يترتب عليها عدة مخاطر وسلبيات استراتيجية وفكرية تؤثر على الحزب نفسه.
ومن ابرز هذه المخاطر والسلبيات هي:
1. المخاطر الفكرية والأيديولوجية
تأصيل التناقض الفكري: يقوم الفكر الشيوعي (الماركسية اللينينية) على المادية التاريخية وتفسير الصراع من منظور طبقي واقتصادي بحت. الانخراط في طقوس وشعائر دينية عقائدية يُحدث شرخاً فكرياً داخل الحزب، ويجعل أدبياته تبدو متناقضة أو غير متماسكة أمام الأعضاء والمثقفين.
فقدان الهوية العلمانية الصارمة: عُرف الحزب تاريخياً بكونه حاملاً للواء العلمانية والمدنية في العراق. التماهي مع المناسبات الدينية الطائفية يذيب هذا التمايز ويجعل الحزب يبدو وكأنه يتخلى عن هويته الأصلية لصالح "براغماتية" سياسية مؤقتة.
2. السلبيات التنظيمية والداخلية
تنفير القاعدة التقليدية والمثقفين: يعتمد الحزب بشكل كبير على النخب الثقافية، الأكاديميين، والشباب الليبرالي والعلماني. هذه الفئات قد ترى في هذا السلوك نوعاً من "المداهنة" أو "الانتهازية السياسية"، مما يؤدي إلى إحباطهم، وربما انسحابهم أو تجميد نشاطهم داخل الحزب.
الانقسامات الداخلية: قد تثير هذه الخطوات خلافات حادة بين الجناح المحافظ الحريص على نقاء الأيديولوجيا الشيوعية، والجناح الإصلاحي أو البراغماتي الذي يرى ضرورة مسايرة المزاج الشعبي العام لكسب الأصوات أو التعاطف.
خسارة الهوية العابرة للطوائف: تأسس الحزب الشيوعي العراقي كحزب وطني عابر للهويات الفرعية (يضم الشيعة والسنة والأكراد والمسيحيين والعلماء وغيرهم). التركيز على إحياء شعائر ترتبط بمكون رئيسي محدد قد يرسل إشارات خاطئة للمكونات الأخرى، ويفقده ميزته كمنصة جامعة ومحايدة طائفياً.
رغبة الحزب في كسر العزلة الجماهيرية والتقارب أكثر مع المجتمع العراقي " المحافظ " قد تنعكس سلباً عليه؛ فبدلاً من أن تكسبه عمقاً جماهيراً جديداً، قد تؤدي إلى خسارة مصداقيته السياسية وقاعدته العلمانية الصلبة، ليجد نفسه في منطقة رمادية لا هو حافظ فيها على نقائه الفكري، ولا هو استطاع مجاراة الأحزاب الدينية في نفوذها الاجتماعي.
لقد لعب الإسلام السياسي في العراق بعد 2003 دورا محبطا في تجربته الفاشلة في بناء دولة المواطنة وعدم قدرته على النهوض بالعراق من خلال نموذج تنموي يرتقي بالإنسان والبنية التحتية الاقتصادية والاجتماعية وانعدام الخدمات الإنسانية الى جانب هول وحجم الفساد الإداري والمالي والأخلاقي وقد خلق ردة فعلية سلبية وصدمة لدى شرائح اجتماعية سياسية واقتصادية واسعة مما افقد الناس الثقة بالإسلام السياسي ونموذجه التطبيقي السائد مما جعل العمل من قريب أو بعيد مع الإسلام السياسي مشكلة جدية بل وتستدعي الإدانة بل وساهم في خلط غير مبرر بين الرموز الدينية التاريخية ورموز فساد الإسلام السياسي الحالي.
وبما ان الإسلام السياسي يمارس طقوس مكثفة لأحياء ذكرى استشهاد الحسين لاستغلالها في التعبئة السياسية ويدعي لنفسه المشروعية المزيفة متناسيا كل فساده فأن هناك في الجبهة الأخرى من يعاني من صدمة نفاق الإسلام السياسي ويرفض التعامل معه أو الاقتراب منه وقد يتخذ ذلك اشكال من الغلو في القطيعة قد يمتد الى الرموز التاريخية التي لا صلة لها بفساد الحاضر.







