
انجبت "العملية السياسية" في عراق اليوم مزيداً من ابنائها الفاسدين، مُكونة بهم عوائل القلة المتخمة المتنفذة المرصوصة الصفوف ميسورة الاحوال رغيدة العيش محروسة بسلطات موقرة توفر لهم الامان المطلق، غير انها قابضة حصتها على يقين تام مقابل ترك الحرامية " تحوف " والرزق على " رب العملية السياسية " ذاتها.. الى هنا اذ اقتضى التبصرالحازم في مجرياتها المدهشة الغريبة عن المجتمع العراقي السوي. لكنها تكاد بعد عقدين ونيف ان تتفكك، حيث اخذ التناقض التناحري والمصالح وتزاحم النفوذ طابع الاعلان بلا تحفظ عن سرقة المال العام، كي تصبح حاكمية السطو على املاك الدولة تفرض سطوتها، على شرف نظرية لكل يد سارقة شرعيتها مستوحات من حصتها المجازة من نظام المحاصصة المهلك. ومن فكرها المتخلف.
من المؤكد ان اباء هذه العملية قد شاخوا، ويبدو انهم سلموا الراية الى الابناء والاحفاد، ولكن هؤلاء قد تصرفوا بادمغة مخمورة بنشوة السلطة، فتصوروا بانهم اصحاب المُلك ومحروسين من " رب الملك" فلا يجرؤ احد على محاسبتهم طالما الاجداد والاباء يدعمونهم، فضلاً عن انهم لا يرون امامهم غير حصتهم التي لا شريك لهم فيها.. زد على ذلك قد غمرتهم ضلالة من الوهم مستلة من خرج ايمانهم المستهلك القائل ان مال الدولة ليس له مالك، وعليه يشرّع لهم تقاسمه وبهذا واخر من الدوافع العمياء قد دخلوا درب الصد مارد، وثم حصلت العثرة التي امامها حفرة تتماثل الى حد بعيد مع القبر، و في اول هبة رياح انجرف الاخف منهم وتبعثرت اسراره، التي اذهلت العراقيين من عمق تاثيرها وضخامة المبالغ المسروقة التي لم تستوعبها المخابئ السرية، مما طفح كيلها وفاض حتى وصل الى الحرق بنار تنانير الخبز، سيما وان البلد على حافة الافلاس ومهددة رواتب المعاشات التي تعد بركاناً اذا ما انفجر سيحصل "يوم القيامة"، وحينها لن يبقي شارداً او وارداً .
لقد طفح الكيل وتكاثر انفتاق اغطية بؤر الفساد المذهلة، مع ان ما انكشف سوى فقاعات من ضواحي الفساد، اذ بعده لم يصل الى سنتره "حيتان الفساد " الذين يعجز اي مُنجّم عن قراءة طالعهم هذا ما سمعناه والعهدة على الراوي.. ان هنالك الف شخص ينتمون الى ابناء "العملية السياسية " الذين يشبهون افراخ العقرب حيث عادة ما يأكلون امهم عند الولادة .. ويبقى التساؤل قائماً عن ما يواجه بؤر الفساد، التي مازالت تحظى بحماية وتستر الدولة العميقة. حيث لم نلحظ اي تحرك ملموس وجدي يرتدي العباءة الوطنية حيال الرؤوس الفاسدة، لا من لدن القضاء ولا من قبل الحكومة، وهنا ينفرد الاعلام الوطني والناشطون في" السوشيال ميديا " ، الحريصون على ان تتزاحم مقتضيات التصدي والفضح على المعالجة من الجذور، اي ما تبقى من ما يسمى بـ " العملية السياسية " الراهنة وقلع نظام المحاصصة الام الولادة لشخوص واحزاب وقوى الفساد عموماً.
ويمكن مطالعة فلسفة الفساد في العراق ليكتشف مستويات الدهاء والمكر، والانتعاش في احتساء كأس الرذيلة الذي لم يتذوقه انسان نبيل، و حتى لم يسمع به في القصص وحكايات الاساطير على السلاطين، التي توثق تاريخ امبراطوريات النهب والسبي وجرائم الغزو وانتهاك القوانين والاعراف، التي من شأنها تنظيم حياة البشر، لتصل الى ان الفاسدين في العراق قد تخطوا الارقام القياسية بامتياز في خساسة فعلهم.. ونتساءل: هل يحصل هذا بفعل اشخاص كانوا بالامس القريب لا يميزون " الخيار عن الفقوس " على حد تعبير اخوتنا السوريين، واليوم اصبحوا كفاءات عالية في فعلهم الدنيئ، ام ثمة دروس تلقوها من عقول محنكة واتقنوها بشطارة وبالهام نادرين .. والعلم اليقين عند القضاء العادل.







