ما صدر عن محافظ البصرة  حول حادثة التحرش ليلة رأس السنة الميلادية ليس مجرد تصريح ممكن تجاوزه، كونها تحدث في أماكن أخرى من العالم، فهو لا يبرر الجريمة فقط  بل يحوّلها إلى أمر عادي، وهذا منطق فاسد وهابط أخلاقيًا قبل أن يكون فاسدًا وهابطا سياسيًا. فهل علينا أو على المسؤول او الحكومة او الجهة الدينية بالأحرى ان تقيس انحطاط  مجتمعنا ومقارنته بانحطاط مجتمعات اخرى؟ وهل الجريمة ممكن قبولها لانها تحدث في مجتمعات اخرى..؟ الجريمة الاكبر والهبوط الاخلاقي والاجتماعي والسياسي الذي تتميز به القوى الاسلامية احزابا ومنظمات ومؤسسات دينية وهي صامتة كصمت ابي الهول او تعمل على تبرير الفعل او تجاوزه، هي هروبها من سؤال ملّح: أي عالم ايها السادة المؤمنون تقارنون أنفسكم به؟

 هل نعيش في مجتمع يدّعي الالتزام الديني؟ هل نحن في مدينة تغرق شوارعها باللافتات والشعارات الحسينية؟ هل نحن في بيئة ترفع اسم أهل البيت صباح مساء طوال السنة؟ هل الاعلام اسلامي؟ هل التعليم اسلامي؟  إن كان الجواب نعم وهو فعلا كذلك، فالمقارنة التي جاء بها المحافظ الاسلامي حد النخاع  مع أماكن أخرى من العالم تحدث فيها مقل هذه الجريمة ليست عذرًا بل إدانة كبيرة،  خصوصا وان  حفلات التحرش الجماعي لا تحدث الا في الدول الاسلامية تقريبا، حيث الكبت الجنسي واضطهاد المرأة واحتقارها كونها عورة!

 أما موقف رجال الدين أو بالأحرى صمتهم المقرف والبشع  فهو الفضيحة الكبرى،  صمت لا يمكن تفسيره الا كونه هابط وبلا اخلاق اسلامية ولا انسانية، بل صمت يشير الى جبن وعداء للمرأة وحقوقها. رجال الدين هؤلاء من الذين لا يفوّتون فرصة منذ الاحتلال لليوم  بتصديع رؤوسنا  عن الحجاب والأخلاق وسلوك الشباب الاسلامي ومُثُل آل البيت والتأسي بهم.  أي رجل دين هذا الذي يحمل ثقل عمامة ولا يحمل ذرة ضمير؟ واي دين هذا وهو لا ينطق بالحق ويقف الى جانب المظلوم والمعتدى عليه..؟

 لقد اعتاد الاسلاميون ومعهم مؤسساتهم الدينية منذ اكثر من 23 عاما  لعب دور أوصياء الأخلاق، لكنهم فشلوا  في ترسيخ الاخلاق بالمجتمع فشلا ذريعا، بل فشلوا في ان يكونوا انفسهم حاملي اخلاق يدّعون تعليمها للناس. يسرقون باسم الله، يزرعون الفساد في كل زاوية من زوايا الوطن ويشرعنون سرقة المال العام ونهبه، ويبررون القبح بمحاربتهم كل ما هو جميل في الحياة. أن مشكلتنا كعراقيين ابتلينا بهذه السلطة الفاسدة لا تقتصر على حادثة التحرش هذه، بل في منظومة احزاب اسلامية ومؤسسات دينية ترى في هيمنتها على السلطة ومقدرات البلد حصانة ضد كل جرائمها، سلطة تستخدم الدين كأداة قمع فكري وثقافي وحضاري محوّلة الناس الى قطيع. ان وعّاظ السلاطين من رجال دين وهم يباركون احزاب فاسدة تحمل صفة الاسلامية، لم تنتج الا مجتمعا مكبوتا ومشحونا وخال من القيم الانسانية والاخلاق، فعلى الرغم من امكانيات الدولة الهائلة وصراخ رجال الدين المستمر من على المنابر والفضائيات بشكل يومي تراهم فشلوا في تربية الناس على الاخلاق، بل بنو لهم حصون من الخوف الدنيوي والآخروي.

 صمت المؤسسة الدينية وفشل الاسلام السياسي إهانة للدين نفسه، ولكي يستعيد الدين دوره الاخلاقي ويكون خالصا لعبادة الله، علينا اعادته الى بيوت الله حيث مكانه الطبيعي، فوجوده في السلطة وحتى على مقربة منها سيجعله في مرمى سهام النقد ومنه النقد غير البناء..

 السيد محافظ البصرة  ورجال الدين فيها: هل التحرش من أخلاق آل البيت؟

هل تبرير الجريمة من فقه علي؟

هل الصمت عن الظلم من مدرسة الحسين؟

من كتاب لعلي بن ابي طالب الى بعض عمّاله: " بلغني انك جرّدت الارض فأخذت ما تحت قدميك، واكلت ما تحت يديك، فارفع الي حسابك ". ولا ادري كيف سترفعون حسابكم الى علي وانتم شيعته والى الله وانتم عباده؟ وكلكم،  بين سارق وناهب وفاسد ومجرم وذو محتوى هابط.