
تشهد المدن الأيرانية احتجاجات عارمة وذات أهداف مطلبية تتمركز حول تحسين ظروف العيش والخلاص من تداعيات الحصار المفروض على ايران لسنوات والذي أفقر ايران وتسبب في تدهور الحياة العامة الى جانب تدهور العملة الأيرانية والتي وضعت الجميع على حافة الضائقة المالية القاتلة، إلى جانب طبعا التضييق على الحريات العامة وفرض خطاب بلون واحد يستهدف الحريات الشخصية وحرية المعتقد.
إلى جانب هشاشة النموذج الأقتصادي - اقتصاد البازار الذي تحول إلى أرض خصبة للفساد والسرقة واستغلال السلطات للعبث بمقدرات البلد وأضفاء القدسية على كل الأفعال التي تلحق الأذى بالمواطن وأمنه واستقراره وحريته، ما يعطي الشرعية الكاملة للأحتجاجات ومصداقيتها انها تعبر عن حاجة الشعب الأيراني للخلاص من منظومة الحكم الفاسدة والنهوض بأيران التاريخ والحضارة والعمق الجيوبولتيك.
اما تدخل الكيان الصهيوني في الأحتجاجات الأيرانية وترويج فكرة ان إسرائيل هي الراعي والمحرض والمتواجد في الميدان يقود المظاهرات ويوعد الشعب الأيراني في الخلاص من النظام الحاكم في طهران هو ترويج يستهدف سمعة الأحتجاجات المطلبية المشروعة ويزعزع ثقة الشعب الأيراني بقوى التغير في ميدان المعارك الطبقية، ويستهدف الترويج لأيران قادمة بنسخة صهيونية. الكيان الصهيوني لا يرغب في تغير ديمقراطي في ايران قائم على الديمقراطية والتعددية وفصل الدين عن السياسة، بل إلى ايران منقسمة ومجزئة وضعيفه ومستسلمة لأرادة الكيان الصهيوني.
الشعب الأيراني وحده من يقرر مصيره وشكل النظام الذي يتوق أليه ويخلصه من آثار الأزمات الاقتصادية والأجتماعية والسياسية والثقافية المستفحلة .
الشعب الأيراني وحده من يقرر مصيره وشكل النظام الذي يتوق أليه ويخلصه من آثار الأزمات الاقتصادية والأجتماعية والسياسية والثقافية المستفحلة .
ان ما يجري الآن في أيران هو ليست حرب اقليمية ولا دعم لفصائل موالية لأيران ولا حرب مباشرة بين إسرائيل وايران ولا استياء من تدخل ايران في شؤون عدة دول اقليمية، بل هو صراع طبقي شامل تشترك فيه اغلب الشرائح والطبقات الأجتماعية، من تجار صغار وكبار ومن ذوي المهن المختلفة من عمال وفلاحين وكذلك جماهير الطلبة في مختلف الجامعات الأيرانية إلى جانب اساتذتهم، وما يجري هو تعبير شامل ومكتمل الأبعاد لأزمة نظام لأكثر من أربعة عقود ونصف غير قادر على حل أزمة النظام السياسي وقد دخل النظام في مرحلة خطيرة من التآكل الداخلي، فهل يستطيع النظام في إيقاف مد الأحتجاجات العارمة كما في المرات السابقة أم أن ما يجري لا عودة فيه إلى نقطة الصفر وان القناعات الشعبية في الخلاص من النظام هي جوهر اهداف الحراك الأجتماعي لحل المعضل السياسي في ايران.
تصريحات ودعوة رئيس ايران بزشكيان إلى الأستماع إلى مطالب الشعب الأيراني وعدم توجيه اللوم فقط لأمريكا واسرائيل هو احساس عميق بأزمة النظام وليست رمي الأزمة على القوى الخارجية والتهرب من استحقاقات الصراع الطبقي الأجتماعي.
تضيق فسحة مناورة النظام الأيراني أمام حجم المعضلات الأجتماعية والأقتصادية والسياسية في المجتمع الأيراني وقد لا تجدي نفعا المسكنات سواء بالوعود في تحسين الرواتب او اجراء بعض الإصلاحات ذات الطابع الطارئ والذي يحاول تهدئة المعضل الأيراني ولكن تجربة الشعب الأيراني بعد اكثر من أربعة عقود ونصف مع نظام الحكم لم تكن ذات مصداقية في العثور على حلول لأزمة الحكم، فالأزمة مستعصية وتتجسد في تآكل نموذج الحكم التقليدي.
ان عدم احساس النظام الأيراني بحجم الأزمة وعمقها واحتمال تداعياتها القادمة على ايران ووحدتها الجغرافية والأثنية هو نوع من العمى المفتعل الذي يقود ايران إلى الهلاك والتمزق، فهل يستطيع النظام الأيراني التنازل تدريجيا والسماح إلى الأنتقال بهدوء وسلاسة صوب التداول السلمي.
من الصعب ولكن ليست المستحيل ان تدرك ايران السلطة والنظام حجم المخاطر التي تهدد ايران ولكن هل يستطيع خطاب اكثر من أربعة عقود ونصف ان يتجاوز خطابه التقليدي والأنطلاق صوب التأسيس لدولة المواطنة وهل يستطيع النظام إنقاذ الدولة وما تبقى منها والأذعان لمطالب الشعب في الحرية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والسماح لحرية الرأي وحرية تأسيس الأحزاب السياسية بعيدا عن الوصاية والقمع.
ايران لا تعاني فقط من أزمة بنيوية داخلية مستفحل بل أن علاقتها مع المحيط الأقليمي والدولي هي علاقة كراهية وعداوة شبه مطلقة مما يضيق الخناق على ايران في ظل توقعات بحرب قادمة قد تقضي على الأخضر واليابس وتقوض فرص انقاض ايران من الخراب الشامل والتقسيم الجغرافي والأثني والمناطقي.
وبعيدا عن الموقف من النظام الأيراني وطبيعته واجندته المعروفة فأن المرء يحتاج في تلك المنعطفات الخطيرة التي تهم مستقبل المنطقة برمتها وتستهدف مستقبلها أن يتحلى برؤية نقدية للصراع وتفرد ذكي لفهم ما يجري وليست الأنسياق وراء سلوكيات القطيع وما تمليه وسائل الأعلام المنحازة والتي تضغط على المجموعات لتحويلها إلى كتل بشرية متلقية للأحداث ومنعها من تشكيل رأي مغاير لأجندتها.
ان دعاوى الكيان الصهيوني لشرق أوسط جديد ضمن اجندتها وحديثها عن الديمقراطية في المنطقة هو كلام يدغدغ سريعا بعض من المشاعر المحرومة لأضفاء الشرعية على حربه المستعرة ضد الدولة ايران وكسب مشاعر التعاطف معه وقد خلف ورائه خراب ودمار هائل في المنطقة إلى جانب سلب حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة. وعلينا أن نتخيل ديمقراطية وشرق أوسط جديد بقيادة الأمبراطور نتنياهو والزعيم الأوحد ترامب.
لنتعلم من التجارب التاريخية ان سقوط الأنظمة يمر عبر تفاعلات العوامل الموضوعية والذاتية من داخل المجتمعات وعندما تنضج تلك العوامل تبرز التناقضات على اشدها في صراعات تنتهي بسيطرة القوى الجديدة والتقدمية ويعاد بناء البلد في ضوء توافقات وانسجام نسبي بين قوى الأنتاج وعلاقتها وقد تكون العوامل الخارجية كالحروب والحصار وغيرها عوامل معجلة وليست حاسمة لأن الحسم للقوى الداخلية من احزاب وحركات معارضة يفترض ان تكون بمستوى الأحداث وعند غياب تلك المعادلة فأن البلد يدخل في متاهات تغير لا تحمد عقباه.
ان سقوط النظام الأيراني خارج منطق الصراع الأجتماعي وقوانينه وبقوة السلاح الصهيوني والأمريكي سيخلق من ايران دولة فاشلة بثقلها الجيوبولتيك وبتنوع بنيتها الأثنية والدينية وسيهدد أمن المنطقة وفي مقدمتها دول الخليج التي تدعي توقها للتنمية الاقتصادية والبشرية وستغرق المنطقة بصراعات يصعب احتوائها ومن هنا فأن الفرح بسقوط النظام الأيراني دون بدائل في الأفق سيؤسس لحالة فوضى لا تحمد عقباه.







