
في الخامس من كانون الأول/ديسمبر 2025، تم نشر نص استراتيجية الأمن القومي الأميركي في ولاية دونالد ترامب الرئاسية الثانية، الذي تكوّن من 29 صفحة، سردت فشل السياسات التي انتهجتها الولايات المتحدة منذ سنة 1991 جراء "غطرسة النخب التي كانت تسعى إلى الهيمنة العالمية، والتي شنت حروباً لا نهاية لها، وأقامت تجارة حرة مزعومة، وأخضعت البلاد لمؤسسات فوق قومية، على حساب الصناعة الأميركية والطبقة الوسطى والسيادة الوطنية والتماسك الثقافي". وأبرزت الاستراتيجية دونالد ترامب بصفته القائد المصلح الذي سيصحح الأخطاء ويجسد أمة مستعدة لدخول "عصر ذهبي جديد"، وذلك بالاستناد إلى مفاهيم مثل "أميركا أولاً"، و"الاستثنائية الأميركية"، و "السلام عبر القوة" و"الردع ".
دونالد ترامب يقدم استراتيجيته إلى الشعب الأميركي
قدم الرئيس الأميركي استراتيجية الأمن القومي بالنص التالي:
"خلال الأشهر التسعة الماضية، أنقذنا أمتنا والعالم بأسره، اللذين كانا على شفا الهاوية والكارثة. بعد أربعة أعوام من الضعف والتطرف والفشل الذريع، تحركت إدارتي بسرعة وبصورة عاجلة لتستعيد القوة الأميركية على الصعيدين الداخلي والخارجي، وتعيد السلام والاستقرار إلى عالمنا.
بدأنا في تعزيز جيشنا من خلال استثمار 1000 مليار دولار. أعدنا بناء تحالفاتنا وحصلنا على مساهمة أكبر من حلفائنا في دفاعنا المشترك - بما في ذلك التزام تاريخي من دول حلف شمال الأطلسي بزيادة استثماراتها في الدفاع من 2٪ إلى 5٪ من ناتجها المحلي الإجمالي، وحررنا إنتاج الطاقة الأميركية من أجل استعادة استقلالنا وفرضنا رسوماً جمركية تاريخية من أجل إعادة الصناعات الأساسية.
دمرنا قدرات إيران في مجال تخصيب اليورانيوم. وأعلنت أن عصابات المخدرات والعصابات الأجنبية الشرسة التي تعمل في منطقتنا هي منظمات إرهابية أجنبية. وفي غضون ثمانية أشهر فقط، وجدنا حلولاً لثمانية صراعات عنيفة، لا سيما بين كمبوديا وتايلاند، وكوسوفو وصربيا، وجمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، وباكستان والهند، وإسرائيل وإيران، ومصر وإثيوبيا، وأرمينيا وأذربيجان، وأنهينا الحرب في غزة بعودة جميع الرهائن أحياء إلى عائلاتهم. وفي كل ما نقوم به، تظل أميركا هي أولويتنا.
فيما يلي استراتيجية أمنية قومية ترمي إلى الاستفادة من التقدم الهائل الذي أحرزناه. وهذا المستند هو خارطة طريق تهدف إلى ضمان بقاء أميركا أعظم وأكثر الدول ازدهاراً في تاريخ البشرية، وكذلك مهد الحرية على وجه الأرض".
"مبدأ مونرو" المتجدد في التطبيق
ركّزت استراتيجية الأمن القومي، بصورة خاصة، على الأميركيتين، أو ما يُسمى بـ "نصف الكرة الغربي" والتهديدات القريبة من الأراضي الأميركية، مستعيدة "مبدأ مونرو"، أي المبدأ الذي بلوره الرئيس الأميركي جيمس مونرو في رسالة وجهها إلى الكونغرس في الثاني من كانون الأول/ديسمبر 1823، ونظر فيها إلى دول أميركا الجنوبية باعتبارها "الفناء الخلفي" للولايات المتحدة، التي لن تسمح لأي قوة خارجية بأن يكون لها وجود فاعل فيها. وبرز تطبيق هذا المبدأ في حملة الضغط الشديد التي تشنها إدارة دونالد ترامب منذ أسابيع على فنزويلا، التي تمتلك واحداً من بين أكبر احتياطيات النفط الخام في العالم وتقيم علاقات وثيقة مع روسيا والصين؛ هذه الحملة التي بدأت بفرض حظر شامل على جميع ناقلات النفط التي تدخل إلى فنزويلا وتخرج منها، وبنشر آلاف الجنود في المنطقة، فضلاً عن عشرات الطائرات المقاتلة، وقاذفات القنابل، والسفن الحربية وأكبر حاملة طائرات في العالم، وشهدت قيام الطائرات الأميركية، فجر الثالث من هذا الشهر، بقصف مواقع في مدينة كاراكاس واعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما بالقوة إلى الولايات المتحدة، ليظهر بصورة قاطعة أن الحديث عن مكافحة نقل المخدرات إلى الولايات المتحدة ما هو إلا ذريعة، وأن الهدف الحقيقي للحملة على فنزويلا هو تغيير النظام السياسي، وإضعاف علاقات هذا البلد مع روسيا والصين والسيطرة على ثروته النفطية.
أولويات استراتيجية الأمن القومي
احتل مبدأ السيادة موقعاً مركزياً في هذه الاستراتيجية، وتجلى أولاً في الأهمية البالغة التي تولى للأمن الداخلي والحدود، على حساب حرية التجارة والتعددية.
فقد رفعت هذه الاستراتيجية الهجرة إلى مرتبة الأولوية الاستراتيجية الوطنية، معتبرة أن الأمن القومي يمر أولاً وقبل كل شيء عبر تأمين الحدود، وحماية البلد ليس فقط من الهجرة غير الشرعية، بل وكذلك من التهديدات العابرة للحدود مثل الإرهاب والتجارة بالمخدرات والتجسس والاتجار بالبشر، بحيث يتشكّل عالم تعمل فيه الدول ذات السيادة معاً لوقف تدفقات السكان المزعزعة للاستقرار بدلاً من تسهيلها، وتتمتع بالسيطرة الكاملة على الأشخاص الذين تقبلهم أو ترفضهم.
وركّزت الاستراتيجية على ضرورة تجنيد وتدريب وتجهيز ونشر أقوى جيش وأكثره فتكاً وتقدماً من الناحية التكنولوجية في العالم من أجل حماية المصالح الأميركية وردع الحروب، وإذا لزم الأمر، كسبها بسرعة وبصورة حاسمة، وكذلك على ضرورة أن يظل الردع النووي الأميركي هو الأقوى والأكثر مصداقية والأكثر حداثة في العالم، وأن تمتلك الولايات المتحدة صواريخ دفاعية من الجيل الجديد - بما في ذلك "قبة ذهبية" لحماية البلاد. فالقوة هي أفضل سلاح لردع الدول أو الجهات الفاعلة الأخرى عن تهديد المصالح الأميركية. علاوة على ذلك، يمكن أن تسمح القوة للولايات المتحدة بتحقيق السلام، لأن الأطراف التي تحترم قوتها غالباً ما تطلب مساعدتها وتكون متجاوبة مع جهودها لحل النزاعات والحفاظ على السلام.
وقدّرت الاستراتيجية أن على الولايات المتحدة أن تمتلك أقوى اقتصاد وأكثره دينامية وابتكاراً وتقدماً في العالم، وأن تعتمد على قطاع صناعي قادر على تلبية متطلبات الإنتاج في أوقات السلم والحرب على حد سواء، وأن يمتلك قدرة إنتاجية مرتبطة بالدفاع. كما ينبغي أن يكون قطاع الطاقة الأميركي هو الأقوى والأكثر إنتاجية وابتكاراً في العالم، بحيث لا يقتصر دوره على دعم النمو الاقتصادي الأميركي فحسب، بل يكون أيضاً أحد أهم الصناعات التصديرية للولايات المتحدة، التي يجب أن تظل البلد الأكثر تقدماً وابتكاراً في العالم من الناحية العلمية والتكنولوجية، وأن تحمي ملكيتها الفكرية من السرقة الأجنبية، مع السعي إلى أن تضمن التكنولوجيا والمعايير الأميركية، لا سيما في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية والحوسبة الكمومية، دفع العالم إلى الأمام.
وأكدت الاستراتيجية أخيراً أهمية الحفاظ على القوة الناعمة غير المسبوقة، التي تمارس الولايات المتحدة من خلالها تأثيراً إيجابياً في جميع أنحاء العالم يخدم مصالحها، ورأت في الصحة الثقافية قضية استراتيجية ينغي حمايتها من "التخريب الثقافي"، سواء الخارجي أو الداخلي.
مناطق الاهتمام الأميركي حول العالم
تحدد استراتيجية الأمن القومي، بحسب الأولوية، المناطق التي ستركّز السياسة الخارجية الأميركية اهتمامها عليها على النحو التالي:
أولاً: نصف الكرة الغربي
ستعيد الولايات المتحدة تأكيد "مبدأ مونرو" وتطبيقه من أجل استعادة الهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي وحماية أراضيها، وستمنع المنافسين من خارج هذه المنطقة من نشر قوات أو قدرات أخرى تشكل تهديداً لها، أو من السيطرة على موارد استراتيجية حيوية.
يحتوي نصف الكرة الغربي على العديد من الموارد الاستراتيجية التي ينبغي على الولايات المتحدة استغلالها بالشراكة مع حلفائها الإقليميين، من أجل زيادة ازدهارها وازدهار البلدان المجاورة لها. وتشير الاستراتيجية إلى منافسين حققوا اختراقات مهمة في نصف الكرة الغربي بهدف إضعاف الولايات المتحدة اقتصادياً في الوقت الحاضر وبطريقة قد تضر بها استراتيجياً في المستقبل.
وتطمح الاستراتيجية إلى تأمين وصول الولايات المتحدة إلى مواقع رئيسية في نصف الكرة الغربي، مثل القطب الشمالي وبنما وغرينلاند ومنطقة البحر الكاريبي، والعمل على منع الخصوم، ولا سيما الصين، من نشر قوات في هذا النصف من الكرة الأرضية - في قناة بنما أو أميركا اللاتينية، التي يجب أن تصبح منطقة النفوذ الرئيسية للولايات المتحدة.
ثانياً: آسيا
ترفض الاستراتيجية الجديدة السياسة الأميركية التي قامت خلال ثلاثة عقود على الاعتقاد بأن أفضل طريقة للتعامل مع الصين هي فتح الأسواق الأميركية أمامها، وتشجيع الشركات الأميركية على الاستثمار في أراضيها، وتحويل الإنتاج الأميركي إليها، معتبرة أن هذه السياسة جعلت الصين غنية وقوية من دون أن تنفع الولايات المتحدة. فمنذ إعادة فتح الاقتصاد الصيني على العالم في سنة 1979، ظلت العلاقات التجارية بين البلدين ولا تزال غير متوازنة بصورة أساسية، إذ تكيفت الصين مع التغيير في السياسة الجمركية الأميركية الذي بدأ في سنة 2017، وصارت الولايات المتحد تستورد المنتجات الصينية بصورة غير مباشرة من خلال مصانع شيدتها الصين في اثني عشر بلداً من البلدان منخفضة الدخل. وتدعو الاستراتيجية إلى إعادة التوازن إلى العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين، مع إعطاء الأولوية للمعاملة بالمثل والإنصاف من أجل استعادة الاستقلال الاقتصادي الأميركي. ويستهدف التطبيق الفعال لـ "مبدأ مونرو" بوضوح المواقع الصينية في المنطقة التي يجب دفعها إلى التراجع في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، والحفاظ على الوضع الراهن حول تايوان، ومنع ظهور سيطرة أجنبية على بحر الصين الجنوبي وعلى سلسلة الجزر الأولى، التي تشمل بصورة أساسية جزر الكوريل والأرخبيل الياباني وجزر ريوكيو وتايوان وشمال الفلبين وبورنيو، وذلك من خلال توفير ردع عسكري تقليدي معزز وموثوق، مدعوم من الحلفاء الإقليميين.
وتعتبر الاستراتيجية أن المنطقة الهندية-الباسيفيكية هي بالفعل وستظل واحدة من أهم ساحات الصراع الاقتصادي والجغرافي السياسي في القرن القادم، ويجب أن تكون الولايات المتحدة قادرة على المنافسة فيها، وأن يقترن ذلك باهتمام مستمر ومتواصل بالردع من أجل منع أي حرب في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، على اعتبار أن الردع الأميركي القوي يمهد الطريق لاتخاذ إجراءات اقتصادية أكثر انضباطاً في حين أن الإجراءات الاقتصادية الأكثر انضباطاً تؤدي إلى زيادة الموارد الأميركية للحفاظ على الردع على المدى الطويل. ويجب مواصلة تحسين علاقات الولايات المتحدة الاقتصادية والتجارية مع الهند من أجل تشجيع نيودلهي على المساهمة في أمن منطقة المحيطين الهندي والهادئ، لا سيما من خلال التعاون الرباعي المستمر مع أستراليا واليابان والولايات المتحدة. بينما لم ترد أي إشارة إلى كوريا الشمالية في استراتيجية الأمن القومي.
ثالثاً: أوروبا
تتخذ استراتيجية الأمن القومي الأميركي موقفاً نقدياً حازماً إزاء أوروبا، وتدعم ضمناً الأحزاب اليمينية القومية المتطرفة. إذ تشير إلى تراجع حصة أوروبا من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من 25٪ في سنة 1990 إلى 14٪ اليوم. ومن بين أهم المشاكل التي تواجهها الدول الأوروبية سياسات الاتحاد الأوروبي والمنظمات عبر الوطنية الأخرى التي تقوض حرية هذه الدول السياسية وسيادتها، وكذلك مشكلة الهجرة التي تغيّر شكل القارة وتخلق الصراعات، فضلاً عن انتشار الرقابة على حرية التعبير وقمع المعارضة السياسية، وانخفاض معدلات المواليد وفقدان الهويات الوطنية والثقة بالنفس. وهذا الافتقار إلى الثقة بالنفس واضح بصورة خاصة في علاقات أوروبا مع روسيا، وذلك على الرغم من تمتع الحلفاء الأوروبيين بميزة كبيرة في القوة الصلبة مقارنة بروسيا في جميع المجالات تقريباً، باستثناء الأسلحة النووية. وتتعامل الاستراتيجية مع روسيا الآن بصفتها عامل استقرار وليس كعامل زعزعة للاستقرار، مؤكدة أن من المصلحة الأساسية للولايات المتحدة التفاوض على وقف فوري للأعمال العدائية في أوكرانيا من أجل استقرار الاقتصاد الأميركي، ومنع تصعيد أو امتداد غير منضبط للحرب، واستعادة الاستقرار الاستراتيجي مع روسيا. فروسيا لا تهدد المصالح الحيوية للولايات المتحدة وترغب الإدارة الأمريكية في المدى الطويل في تطوير علاقات أفضل معها.
ومع ذلك، تظل أوروبا، كما تقدّر الاستراتيجية، ذات أهمية استراتيجية وثقافية بالغة بالنسبة للولايات المتحدة، ولا تزال التجارة عبر الأطلسي أحد أركان الاقتصاد العالمي والازدهار الأميركي، وينبغي أن يكون هدف الولايات المتحدة مساعدة أوروبا على تصحيح مسارها الحالي. وإذ تؤكد الاستراتيجية على مفهوم "تقاسم الأعباء" فيما يتعلق بالموقف من حلف الناتو، فهي تعتبر أن هذا الحلف قد توسع بشكل مفرط وأنه يجب الالتزام بإنهاء توسعه الإقليمي.
رابعاً: الشرق الأوسط
منذ ما لا يقل عن نصف قرن، تمنح السياسة الخارجية الأميركية الأولوية للشرق الأوسط على جميع المناطق الأخرى، ذلك أن هذه المنطقة كانت، على مدى عقود، أكبر مورد للطاقة في العالم، والمسرح الرئيسي للتنافس بين القوى العظمى. أما اليوم، فقد تنوعت مصادر الطاقة بصورة كبيرة، وعادت الولايات المتحدة لتصبح مصدراً مهماً للطاقة، وحلت المنافسة بين القوى العظمى محل الصراع على النفوذ في منطقة لا تزال الولايات المتحدة تحتفظ بالمكانة الأكثر أهمية فيها، والتي عززها الرئيس ترامب من خلال إعادة إحياء تحالفات الولايات المتحدة في الخليج، ومع شركاء آخرين ومع إسرائيل. وإذ ظلت إيران، القوة المزعزعة للاستقرار الرئيسية في المنطقة، فقد أضعفتها بصورة كبيرة الإجراءات الإسرائيلية منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وعملية قصف منشآتها النووية التي قادها الرئيس ترامب في حزيران/يونيو 2025. من ناحية أخرى، لا يزال الصراع الإسرائيلي الفلسطيني شائكاً، ولكن بفضل وقف إطلاق النار وإطلاق سراح الرهائن الذي تفاوض عليه الرئيس ترامب، تم إحراز تقدم نحو سلام أكثر استدامة، وخصوصاً بعد أن تم إضعاف أو انسحاب الداعمين الرئيسيين لحركة "حماس". ولا تزال سوريا تمثل مشكلة محتملة، ولكن بدعم من الولايات المتحدة والدول العربية وإسرائيل وتركيا، يمكن أن تستقر وتستعيد مكانتها كلاعب أساسي وإيجابي في المنطقة.
وتخلص الاستراتيجية إلى أنه مع زيادة إنتاج الطاقة الأميركية، فإن السبب التاريخي الذي دفع الولايات المتحدة إلى التركيز على الشرق الأوسط سيتلاشى، وستصبح منطقة الشرق الأوسط بصورة متزايدة مصدراً للاستثمارات الدولية ووجهة لها، وذلك في قطاعات أوسع بكثير من قطاعي النفط والغاز، بما في ذلك الطاقة النووية والذكاء الاصطناعي وتكنولوجيات الدفاع.
ويُظهر شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط التزامهم بمكافحة التطرف، وهو اتجاه ينبغي أن تواصل السياسة الأميركية تشجيعه. ولتحقيق ذلك، سيتعين التخلي عن السياسة الأميركية الخاطئة المتمثلة في ترهيب هذه الدول، ولا سيما الدول الخليجية، لكي تتخلى عن تقاليدها وأشكال حكمها التاريخية، مع العمل على تشجيع الإصلاحات التي تنشأ فيها بصورة طبيعية، من دون السعي إلى فرضها من الخارج. وستظل الولايات المتحدة مهتمة بصورة أساسية بضمان ألا تقع إمدادات الطاقة في الخليج في أيدي عدو معلن، وأن يظل مضيق هرمز مفتوحاً وأن يظل البحر الأحمر صالحاً للملاحة. وستمنع أي قوة معادية من السيطرة على الشرق الأوسط ومخزوناته من النفط والغاز وممرات النقل التي تمر عبره، مع تجنب الحروب الأبدية التي تورطت فيها في هذه المنطقة بتكلفة باهظة.
إن قدرة الرئيس ترامب على توحيد العالم العربي في شرم الشيخ سعياً لتحقيق السلام والتطبيع ستسمح للولايات المتحدة بأن تعطي الأولوية أخيراً للمصالح الأميركية. وعلى الرغم من الانقسامات الداخلية بشأن إسرائيل، تؤكد الاستراتيجية أن أمن إسرائيل يظل يمثل مصلحة حيوية للولايات المتحدة.
خامساً: أفريقيا
لفترة طويلة جداً، ركزت السياسة الأميركية في أفريقيا على نشر الأيديولوجية الليبرالية ثم توسيعها. وبدلاً من ذلك، يجب على الولايات المتحدة أن تسعى إلى إقامة شراكات مع بعض البلدان من أجل تهدئة النزاعات، وتشجيع العلاقات التجارية المتبادلة المنفعة، والانتقال من نموذج المساعدات الخارجية إلى نموذج الاستثمار والنمو القادر على استغلال الموارد الطبيعية الوفيرة والإمكانات الاقتصادية الكامنة في أفريقيا، بحيث تنتقل الولايات المتحدة من علاقة مع أفريقيا تركز على المساعدات إلى علاقة تركز على التجارة والاستثمار، مع إعطاء الأولوية للشراكات مع الدول الموثوقة التي تلتزم بفتح أسواقها أمام السلع والخدمات الأميركية. كما ينبغي أن تظل الولايات المتحدة يقظة إزاء عودة ظهور "الأنشطة الإرهابية الإسلامية" في بعض مناطق أفريقيا، مع تجنب أي وجود أو التزام أميركي طويل الأمد.
طموحات إمبريالية تحت عباءة إعادة "السلام والاستقرار" للعالم
على الرغم من تباهي دونالد ترامب، في استراتيجية الأمن القومي، بأنه وجد "في غضون ثمانية أشهر فقط، حلولاً لثمانية صراعات عنيفة"، و"أنهى الحرب في غزة"، وأعاد "السلام والاستقرار إلى عالمنا"، فإن الواقع يخالف ما يتباهى به، ذلك أن أسباب الصراعات التي يذكرها لا تزال قائمة، بينما تستمر الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، حتى وإن تغيّر شكلها، ويتواصل التهديد الأميركي بشن ضربات جديدة على إيران، كما أكد الرئيس الأميركي في لقائه الأخير مع بنيامين نتنياهو، ناهيك عن أن إدارته تشن حرباً حقيقية على فنزويلا.
كان المؤرخ والصحافي الفرنسي مارك سيمو قد اعتبر، في مقال نشره في 30 كانون الأول/ديسمبر الفائت، أن عودة الملياردير دونالد ترامب إلى المكتب البيضاوي في واشنطن لم تعبّر "عن مجرد تغيير في السلطة، بل عن ثورة محافظة، ثقافية وسياسية، تمتد إلى ما وراء حدود الولايات المتحدة". وهو ما يبرز، بصورة خاصة، في أميركا اللاتينية حيث نشهد عودة الأحزاب اليمينية، التي تتناغم مواقفها مع مواقف الرئيس الأميركي، إلى السلطة في كل من الأرجنتين، وبوليفيا، والإكوادور وتشيلي. ويدعم دونالد ترامب نظراءه اليمينيين بفاعلية، مثل خافيير ميلي، اليميني الشعبوي في بوينس آيرس، الذي لا يزال يعزز سلطته بعد عامين من الإصلاحات الليبرالية المتطرفة. ويتابع الصحافي نفسه أن هذا التغيير الكبير في الولايات المتحدة ينعكس أيضاً على أوروبا، حيث تحظى الأحزاب الشعبوية اليمينية المتطرفة، أو "القوى الوطنية" كما تسميها الإدارة الأميركية، بشعبية متزايدة وبدعم أميركي صريح، وحيث يجد الاتحاد الأوروبي نفسه في مواجهة من يزعم أنه ينقذه من نفسه بينما هو يدمره في الواقع، ناهيك عن أن دونالد ترامب عبّر عن رغبته، حتى قبل أن يستقر في المكتب البيضاوي، في ضم غرينلاند، التي تنتمي إلى الدنمارك، إلى الولايات المتحدة، وكذلك قناة بنما، وفي أن يجعل كندا الولاية الأميركية رقم 51.







