بعد احداث العام الجديد في البصرة، التي يمنع فيها الغناء ويساء للنساء. تأخذ قضية التحرش فسحة جديدة شاملة. فالتحرّش في العراق ليس “سلوكًا فرديًا عابرًا” بل مشكلة بنيوية تعكس اختلالًا في منظومة القيم والاخلاق وأمن الدولة.

وهذا يأخذنا إلى مصطلح الدولة الفاشلة.

فليس دقيقًا، برأيي، أن نقول إن العراق "دولة فاشلة". هذا الوصف، على شيوعه، يختصر أزمة معقدة في نتيجة سطحية. العراق لا يفشل لأنه عاجز عن العمل، بل لأن الفشل نفسه أصبح جزءًا من طريقة الإدارة. إن ما نعيشه اليوم ليس انهيارًا عشوائيًا، بل مسارًا مألوفًا، يُدار بعناية، ويُعاد إنتاجه مع كل أزمة.

منذ سنوات، تتكرر المشاهد ذاتها، أزمة سياسية، ثم تسوية. حكومة جديدة، ثم خيبة قديمة. وعود إصلاح، ثم صمت طويل. كأن النظام السياسي تعلّم كيف يُطفئ الحرائق من دون أن يغيّر البنية التي تُشعلها.

نحن نرى في الدول التي تحترم نفسها، إن للفشل ثمن. مسؤول يخطئ، يُحاسَب أو يُستبعَد. في العراق، الفشل لا يترتب عليه شيء. وزير يفشل في ملفه، يبقى. حكومة تُخفق في إدارة أبسط الخدمات، تُمنح فرصة أخرى. أحزاب تُجرَّب مرارًا، تعود بأسماء جديدة. المشكلة هنا ليست في الأشخاص بقدر ما هي في منظومة لا ترى في الفشل سببًا للتغيير.

الأخطر أن الإخفاق غالبًا يتحول إلى ذريعة نحتاج وقتًا إضافيًا، ميزانية أكبر، أو صلاحيات أوسع. وهكذا يصبح الفشل وسيلة للتمديد، لا خطة للمراجعة.

العراق بلد غني، وهذه حقيقة لا تحتاج إلى تأكيد. النفط موجود، والموارد البشرية موجودة، والموقع الجغرافي ليس عبئًا. ومع ذلك، لا يشعر المواطن أن الدولة تُدار بوصفها مشروعًا طويل الأمد. ما نراه هو إدارة يومية للأزمات، رواتب تُدفع، أزمات تُرحَّل، وقرارات تُؤجَّل.

لا اقتصاد إنتاجيًا يُبنى، ولا قطاع خاص حقيقي، ولا رؤية واضحة لما بعد النفط. الدولة تبدو وكأنها تعيش في حالة طوارئ دائمة، لا ككيان يخطط لمستقبل أجياله.

يُقال لنا دائمًا إن الحل في الانتخابات. نشارك، أو نقاطع، ثم نعود إلى النقطة نفسها. تتبدل الأسماء، تتغير التحالفات، لكن القواعد تبقى على حالها. العملية السياسية نفسها تحولت إلى جزء من إدارة الفشل، لأنها تُجدد الشرعية الشكلية من دون أن تمس جوهر السلطة.

حتى الاحتجاجات الشعبية، التي حملت مطالب واضحة وعادلة، جرى احتواؤها أو تفريغها أو إنهاكها. ليس لأن الشارع أخطأ، بل لأن النظام يمتلك خبرة طويلة في امتصاص الغضب دون تغيير قواعد اللعبة.

وأحيانًا، لا يكون الخلل في غياب النظام، بل في وجود فوضى مقنّنة، قوانين غير واضحة، مؤسسات متداخلة، صلاحيات متشابكة. في هذا الضباب، تضيع المسؤولية. لا أحد يعرف من قرر، ولا من أخطأ، ولا من يجب أن يُحاسَب.

وحين تختفي المسؤولية، يصبح الفشل حالة عامة بلا صاحب.

وسط كل ذلك، يدفع المواطن الثمن. غلاء معيشة، خدمات متردية، فرص عمل شحيحة، ومستقبل غامض. يُطلب منه الصبر، ثم يُلام على فقدان الأمل. يُدعى للمشاركة، ثم يُقصى من القرار. ومع الوقت، تتآكل الثقة، لا بالحكومة فقط، بل بفكرة الدولة نفسها. والاَن تأتي ظاهرة التحرش المدمرة، فالدولة التي لا تستطيع حماية نساءها، لا تستطيع حماية أحد.

إن العراق لا يعاني من نقص في الحلول، بل من غياب الإرادة لكسر هذا المسار. الخروج من الأزمة لا يبدأ بتغيير الوجوه، ولا بخطاب جديد كل بضع سنوات، بل بالاعتراف بأن إدارة الفشل لم تعد خيارًا مقبولًا. وهذا لن يتم الا بالعودة إلى مبادئ الوطن والمواطنة، والالتزام بمبادئ العدالة الاجتماعية، ومعاملة الكل بالتساوي تحت قانون مدني دستوري يخدم مصالح الشعب.

وما لم يحدث ذلك، سيبقى العراق قائمًا وعاملا… لكنه سيستمر بالتحرك في الاتجاه الخطأ.