بعد قصف العاصمة الفنزويلية كاراكاس وخطف رئيسها مادورو و زوجته، لم يعد السؤال في عالم تتحكم في القوّة عن ما هو القانون الدولي؟ بل السؤال اليوم هو من يمتلك القوة ليعرّف نفسه على أنّه فوق القانون الدولي. فخلال الفترة السابقة في الأزمة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، لم تكتف واشنطن بأساليبها القديمة كفرض العقوبات والضغوط الديبلوماسية والحصار الأقتصادي كما تفعلها وفعلتها مع بلدان عدّة لا ترضى عنها ككوريا الشمالية وإيران والعراق وسوريا وغيرها من البلدان، بل انتقلت إلى مرحلة خطرة وهي تسييس القانون من وجهة نظر امريكية، على الرغم من أنّ هذه الممارسات وعلى الرغم من طرحها كتطبيق للشرعية على الرغم من مواقف خصوم أمريكا ومعهم نسبة كبيرة من الرأي العام العالمي واعتبارها قرصنة سياسية واقتصادية.

 فالقانون الدولي يؤكد على سيادة الدول عبر اشكال عدّة منها "السيطرة القانونية على الإقليم والمياه الإقليمية والمجال الوطني والسلطة القانونية لاستبعاد الدول الأخرى من هذه المجالات"، كما ان هناك قاعدة واضحة في القانون تؤكد على "الدول متساوية في السيادة، ولا تملك دولة حق فرض ولايتها القضائية على دولة أخرى أو على قيادتها". ولو أخذنا فنزويلا كمثال فاننا نرى ان الولايات المتحدة تتعامل معها وفق خيارات سياسية واقتصادية لا كخيار والتزام قانوني. فالعقوبات وهي أحادية الجانب، وأحتجاز الاصول الفنزويلية، وملاحقة رحالات السلطة ومنها اخيرا خطف مادورو وزوجته، ومصادرة ناقلات نفط بشحناتها، وأعتراض وتدمير سفن صيد صغيرة وقتل من فيها بتهمة تهريب المخدرات دون تقديم ادلة (قالها مشرعون امريكيون)، وقصف العاصمة كاراكاس لم تستند كلها إلى احكام صادرة من محكمة دولية او بتفويض من مجلس الامن. ولو تركنا مشكلة تهريب المخدرات واتهام السلطات الفنزويلية بالقيام بها أو تشجيعها او غض الطرف عنها كونها غير مؤكدة، فاننا سنقف امام الاتهام الاكثر غرابة في التاريخ وفي العلاقات الدولية، هو اتهام أمريكا لفنزويلا بسرقة نفطها!! وهذا ما اكده نائب الرئيس الامريكي جي دي فانس حينما قال: "إن الرئيس الامريكي دونالد ترامب قدّم عدة خيارات، لكنه كان واضحا جدا طوال هذه العملية: يجب وقف تهريب المخدرات، ويجب إعادة النفط المسروق إلى الولايات المتحدة." ولو أخضعنا هذا الهذر الامريكي للقانون الدولي سنراه ينهار بسرعة، فالنفط الفنزويلي ملكية سيادية، والعقوبات الامريكية غير شرعية كونها تشريعات امريكية داخلية وغير ملزمة في القانون الدولي لانها غير خاضعة له. ويبقى اختطاف الرئيس الفنزويلي وزوجته مرحلة تجاوزت السياسة إلى عملية ابتزاز وقرصنة وانتهاكا لسيادة دولة، مهما كانت التبريرات والتسميات التي لا تغير من جوهر الحدث نفسه.

 بعيدا عن تباين ردود دول العالم حول العربدة الأمريكية من تنديد شديد اللهجة مع تهكم حول ترشيح ترامب لجائزة نوبل للسلام، والمطالبة بعدم حل الخلافات السياسية بالعقوبات والخطف والتهديد، وعدم تفسير القانون الدولي وفق أهواء دول تمتلك القوّة، نرى صمتا أو دعما ضمنيا اوربيا مع تصريحات فرنسية خجولة، وهذا يؤكد ازدواجية المعايير، دون الأخذ بنظر الاعتبار ما قد تشكله هذه السياسة من خطر على البلدان الاوربية نفسها مستقبلا، خصوصا وعين امريكا على جزيرة غرينلاند الدنماركية، علاوة على تدخلها بشؤون القارة ودعمها لليمين المتطرف وأشاعة الاسلام فوبيا فيها عن طريق الخوف على الثقافة الغربية من خلال المهاجرين. وفي النهاية فأنّ هذا الانقسام الدولي من احداث فنزويلا كشف هشاشة الشرعية الدولية، وعجز مجلس الأمن الدولي.

تبقى السابقة الأخطر في عربدة امريكا اليوم هو ان العالم عليه قراءة الرسائل الامريكية تحت تهديد رصاصات مسدس اليانكي التي تقول: السيادة ليست حق بل امتياز تمنحه امريكا للدول وفق مصالحها ومن خلال قوتها. وهذه الرسائل يجب أن تقرأ اليوم في بكين وطهران وكوبنهاغن، كلا منها حسب مصالحها وقوتها. فالهجوم الامريكي على فنزويلا سيترجم مستقبلا وقد يكون قريبا في الصين، في ان من حقها استخدام ذات المنطق تجاه تايوان، مبررة ذلك بأنهم شعب واحد ولغة واحدة وثقافة واحدة، وأنها أي تايوان تتحالف مع أعداء الصين وتحول منطقة المحيط الهادئ إلى بؤرة للتوترات الجيو سياسية وبسببها تحيط امريكا الصين بعشرات القواعد، وهنا يكون العالم بأكمله وليست تلك المنطقة وحدها في خطر الحروب التي لا تعرف نهاياتها. وحينها يصبح من الصعب على واشنطن وحلفائها إقناع العالم بأن ما تفعله الصين عدوانا، بينما ما تفعله هي تطبيق للقانون.

 وفي بحثها عن أمنها القومي المزعوم في منطقة القطب الشمالي، فأنّ تصريحات ترامب حول غرينلاند وحتى احتلالها لموقعها الاستراتيجي وثرواتها الهائلة، سيضع البلدان الاوربية وهي حليفة لامريكا في موضع لا تحسد عليه، فقبولها ولو ضمنيا بما جرى في فنزويلا سيجبرها على الصمت امام التدخل الامريكي في الجزيرة الدنماركية، والتي نراها اليوم بأشكال شتى. وفي ايران التي تعاني من حصار امريكي اثر على حياة الناس نتيجة انهيار العملة وزيادة التضخم والبطالة، فأن التهديدات الامريكية بالتدخل في شؤونها بل وحتى مهاجمتها للدفاع عن المتظاهرين ضد سوء الاوضاع الاقتصادية بالبلاد، يجب أخذها على محمل الجد فيما لو مرت عاصفة التدخل الامريكي في فنزويلا بهدوء، فأمريكا ودفاعا عن مصالحها ومنها مصالح اسرائيل وللحد من النفوذ الروسي والصيني في المنطقة لا تتوانى عن مهاجمة ايران، بحجة الدفاع عن حقوق الانسان. ان فنزويلا ليست آخر ضحايا القرصنة الامريكية، لكنها اول الطريق في الفوضى الدولية الشاملة .