
إن المشاهد المروعة التي باتت تفرض نفسها على واقعنا، حيث تتحول التجمعات البشرية إلى موجات من التحرش الجماعي والهيجان الذي يستبيح كرامة العابرين، ليست مجرد سلوكيات طائشة، بل هي إعلان عن انهيار السد الأخلاقي الأخير. نحن اليوم أمام وحشية علنية تندفع فيها الحشود بلا رادع، لتمارس أقسى صور الانتهاك الجسدي واللفظي في قلب الساحات العامة، وكأن الشارع قد استحال إلى ساحة صيد مفتوحة يمارس فيها "الرعاع" ساديتهم تجاه الفئات الأضعف لسلبهم حق الشعور بالأمان.
هذا الانفلات السلوكي المرعب، الذي يمتزج فيه العنف اللفظي البذيء بالتطاول الجسدي المهين، هو النتاج المرير لسنوات من تغييب سلطة القانون واستبدالها بسلطة الغوغاء. عندما تدار مفاصل الدولة بعقلية الغنائم والمحاصصة، وتُفرغ المؤسسات التربوية من رسالتها لصالح الولاءات الضيقة، فمن الطبيعي أن نرى في شوارعنا جيلاً يرى في التحرش الجماعي وسيلة لإثبات الحضور، وفي القذف اللفظي لغة وحيدة للتخاطب. إننا ندفع اليوم ضريبة سياسة "التجهيل المتعمد" التي حولت الفضاء العام إلى غابة يغيب فيها العقل ويحضر فيها قطيع لا يفرق بين الاحتفال والافتراس.
لقد تضخم النفاق في ظل "دولة الشعارات" إلى حد مقزز، فبينما تضج المنابر والفضائيات بوعظ أجوف حول العفة والفضيلة، يمارس الواقع في الطرقات أبشع أنواع الانحلال الممنهج. هذا التناقض الصارخ خلق حالة من النقمة المشوهة لدى فئات وجدت في استباحة كرامة الآخرين وسيلة رخيصة لتفريغ كبتها وإحباطها. إنها "ثقافة الانتهاك" التي تغلغلت في العقول قبل الأبدان، حيث يستمد الجاني جرأته من يقينه بأن القانون "أعرج" لا يطال أصحاب النفوذ ولا يردع الغوغاء، فاستمرأ الجميع لغة القوة القبيحة وسط صمت مريب من الجهات التي تدعي الوصاية على الأخلاق والآداب العامة.
إن تحول المدن والمنتزهات إلى مناطق "عالية الخطورة" يسودها الترهيب اللفظي والمطاردة الجماعية، هو جريمة مكتملة الأركان بحق هوية المجتمع. هذه المشاهد التي يتم تصويرها والتباهي بها في العالم الرقمي كأنها "بطولات" رجولية، تعكس عمق الانحدار النفسي الذي وصلنا إليه. إن هذا التوحش ليس مجرد انحراف فردي، بل هو الصرخة الأخيرة لمجتمع تم تجريفه من محتواه الحضاري، ليُترك فريسة لأجندات التفقير والتغييب، وسط لا مبالاة سياسية مقرفة تتعامل مع كرامة الإنسان كقضية ثانوية لا تستدعي سوى بيانات الاستنكار الخجولة.
نحن لا نرقب مجرد "انفلات أمني"، بل نشاهد احتضاراً مخيفاً لقيم الاحترام الإنساني في الشخصية العراقية. إن بقاء الشارع رهينة بيد الرعاع وتحت رحمة العنف اللفظي والجسدي المنفلت، يعني ببساطة أننا استبدلنا مفهوم الدولة بمفهوم "المشاع"، حيث لا مكان لضعيف، ولا حرمة لامرأة، ولا هيبة لنظام، في ظل صراع مرير لا يقدس سوى الغلبة لمن يملك صوتاً أعلى ويداً أكثر بطشاً.







