أولاً:

لم يعد من المبالغة القول إن الاتحاد الأوروبي يمرّ بمرحلة إعادة تموضع تاريخية تتسم بتراجع ملموس في استقلاليته السياسية، وتآكل قدرته على الفعل الدولي المستقبل. فبعد عقود من تقديم نفسه ك "قوة معيارية" تدافع عن السلم، حقوق الانسان والتعددية الدولية، بات حضوره في المحافل الدولية أكثر التصاقاٍ بالسياسات الأمريكية، وأقل قدرة على صياغة أجندة استراتيجية ذاتية في عالم يتجه بسرعة نحو التعددية القطبية.

سياسياً، شهدت السنوات الأخيرة صعوداً متسارعّا لتيارات اليمين واليمين المتطرف في عدد متزايد من دول الاتحاد الأوروبي، وهو ما انعكس بوضوح في السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء. داخلياً تصاعد الخطاب الأمني – الهويات على حساب الخطاب الاجتماعي وجر تشديد سياسات الهجرة واللجوء، بما في ذلك تقويض بعض المكتسبات القانونية والإنسانية التي شكّلت جزءاً من الهوية السياسية الأوروبية بعد الحرب العالمية الثانية. أما خارجيّا، فقد أدى هذا التحول الى تضييق هامش المناورة السياسية، وإضعاف قدرة الاتحاد على لعب دور الوسيط أو الفاعل المتوازن في النزعات الدولية.

يتجلى هذا القيد السياسي بوضوح في موقف الاتحاد الأوروبي من الحرب في أوكرانيا، حيث جرى تبنّي خيار الدعم العسكري والمالي غير المشروط تقريباً، مع غياب مبادرات أوروبية مستقلة وجدية للدفع نحو تسوية سياسية. وقد ساهم هذا النهج في إطالة أمد الحرب، وتحويل أوروبا الى ساحة ارتدادات اقتصادية وأمنية للصراع، بدل أن تكون قوة دافعة نحو إنهائه.

ثانياً:

اقتصادياً، يتزامن هذا التحول السياسي مع تراجع تدريجي لنموذج دولة الرفاه الأوروبية، نتيجة هيمنة "النيو ليبرالية" وسياسات التقشف وتسارع التحول نحو ما يمكن وصفه ب-” اقتصاد الحرب" فقد أدت زيادة الانفاق العسكري، وارتفاع أسعار الطاقة بعد فك الارتباط مع الغاز الروسي، والاعتماد المتزايد على الغاز الأمريكي الأعلى كلفة، إلى إضعاف القدرة التنافسية للصناعة الأوروبية، خصوصاً في القطاعات الثقيلة كثيفة الاستهلاك للطاقة .كم انعكس ذلك في ارتفاع معدلات التضخم، وتآكل القوة الشرائية، وتراجع جودة الخدمات العامة، ما زاد

من الضغوط الاجتماعية والطبقية داخل المجتمعات الأوروبية.

 من خلال متابعتي في هذا السياق، تمثل الدانمارك نموذجاً دالاٍ على هذا التحول البنيوي. فعلى الرغم من احتفاظها بسمات دولة الرفاه الاسكندنافية، شهدت السنوات الأخيرة إعادة توجيه ملحوظة في أوليات الانفاق العام، مع زيادة كبيرة في الموازنات الدفاعية، إلى أكثر 3٪ من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2025 – 2026، وهو مستوى غير مسبوق

 في أكثر من 50 سنة. زيادة الميزانية تشمل صندوق تسريع بقيمة 50 مليار كرونة دانماركية لشراء معدات عسكرية بسرعة وتقليل الفجوات في القدرات الدفاعية الفعلية، وتشديد السياسات تجاه الهجرة وتوسيع الخطاب الأمني. هذا التحول يعكس توتراً متزايداً بين متطلبات السوق، الالتزامات الأطلسية، والحفاظ على النموذج الاجتماعي.

ثالثاً:

أما على الصعيد الدفاعي، فقد دخل الاتحاد الأوربي عملياً في سباق تسلح غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، سواء عبر الناتو أو من خلال تعزيز القدرات العسكرية الوطنية. وقد جرى تبرير هذا المسار بذريعة "الدفاع عن النفس" وردع التهديدات الروسية، إلا أن نتائجه تتجاوز البعد الأمني لتطال البنية الاقتصادية والاجتماعية. إذ تؤدي عسكرة الاقتصاد الى تعزيز نفوذ المجمع الصناعي – العسكري، وتوجيه الموارد العامة نحو التسليح، على حساب الاستثمار في: الصحة، والتعليم، والبحث العلمي، والتكنلوجيا.

وتبرز أزمة غزة كاختيار كاشف لانهيار الخطاب القيمي الأوروبي. فالتباين الصارخ بين الخطاب الرسمي حول حقوق الانسان والممارسات السياسية الفعلية، ولا سيما الدعم غير المشروط لإسرائيل، أضعف مصداقية الاتحاد الأوروبي عالمياً خاصة في نظر دول الجنوب العالمي. وقد ساهم هذا الموقف في تقويض صورة أوروبا كفاعل أخلاقي، وكشف حدود "القوة المعيارية" عندما تتعارض القيم المعلنة مع المصالح الجيوسياسية.

في المقابل، يتجه النظام الدولي نحو إعادة تشكل عميقة، مع صعود قوى جديدة في آسيا، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا، وتزايد الدعوات الى نظام عالمي أكثر توازناً واحتراماً للسيادة الوطنية. في هذا السياق، تبدو أوروبا متأخرة عن استيعاب هذا التحول ومقيدة بإرث الحرب الباردة ومنطق التحالفات الصلبة.

خاتمة:

يقف الاتحاد الأوروبي اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: فإما الاستمرار في مسار التعبية السياسية والاقتصادية والعسكرية في دور التابع داخل منظومة أطلسية تقودها واشنطن، مع ما يحمله ذلك من تآكل السيادة وتراجع المكانة الدولية، أو الشروع في مراجعة نقدية شاملة تعيد تعريف المصالح الأوروبية بعيداً عن منطق الاستقطاب والحروب بالوكالة، وتفعيل دوره في عالم متعدد الأقطاب. إن استعادة الفعل الأوروبي المستقل تتطلب إعادة التوازن بين الأمن والتنمية، وبين الالتزامات الأطلسية والمصالح الاجتماعية، والانتقال من منطق عسكرة السياسة إلى منطق الأمن الإنساني والعدالة الاجتماعية والتنمية المستدامة. دون ذلك، سيبقى الاتحاد الأوروبي فاعلاً ثانوياً في نظام دولي يتغير من حوله بوتيرة متسارعة.