بعيدا عن مخرجات الاقتصاد الصناعي وأبوابه الثابتة في سلامة الخط المستقيم للإنتاج، وبعيدا أيضا عن نجاحات الصين الزراعية وفقا لمبادئ الاقتصاد الزراعي، كان من حق الاقتصاد السياسي ان يستعرض ما طوره لينين في النظرية الماركسية وجعل من تحالف الفلاحين والعمال وسيلة تتطلبها الثورة او التنمية الشاملة بغض النظر عن عدم تشابه ظروف الانتاج، لأن الاستغلال الاقطاعي والرأسمالي للقوى المنتجة يثمر شكلا واحدا للفقر وهو ما كان وراء المسيرة الكبرى التي أطاحت بنظام چان كاي چك وحشرته في جزر كي موي (تايوان حاليا) بقيادة الحزب الشيوعي الصيني.

النهج الصيني في بناء ونجاح الاشتراكية

أن مناسيب النمو العالية للاقتصاد الصيني خلال الاربعين عاما الأخيرة جاء بفضل ملكية الشعب الصيني من خلال دولته لوسائل الانتاج، وتمليك المواطن بإذن الدولة مكملات الانتاج وملحقاته الثانوية (مانيوفاكتورات صغيرة، ورش عمل محطات صيانة وبعض محطات الوقود وغيرها من مكملات الإنتاج) والسماح بالمزارع التعاونية، كانت تلك كلها عوامل مساعدة وراء نمو مذهل للإنتاج الزراعي وذلك لعدم امكانية نمو البيروقراطية في صراع الفلاح مع الطبيعة من أجل انتاج الخيرات بشكلها الاقتصادي المجزي له والفائض لصالح الدولة، وفي الصناعة تتابعت ملاحقة الحزب الشيوعي للبيروقراطية في ثناياه او في اروقة الدولة، ويتم كل يوم إحالة من هو فاسد او بيروقراطي إلى قضاء الثورة الثابت.

 

جوهر الاشتراكية في الصين

تنبه الغرب الرأسمالي على جانبي الأطلسي إلى أهمية القطاع العام بعد فشل القطاع الحكومي والقطاع الخاص في مواجهة وباء كوفيد 19 عام 2019 وما تلاه من إخفاقات حتى في مسألة تعثر الدول في دفن الضحايا مقابل نجاح الصين السريع ذات المليار والنصف مليار مواطن في تشخيص الوباء وإيجاد اللقاح المناسب له بفضل قدرة القطاع العام، وبفضل قرب الدولة الاشتراكية من مواطنيها، وكتبت في حينها الواشنطن بوست الأمريكية والفايننشيال تايمز البريطانية مناشدة الحكومات الغربية بضرورة بناء قطاع صحي عام وركيزة صناعية تعود للدولة من شأنها إيجاد وسائل مجابهة الكوارث. وقد بلغ معدل النمو في الصين 5 بالمئة سيما في الفصل الأخير من هذا العام جراء الحوافز الحكومية الممنوحة للاستثمار الأجنبي بموجب قانون الاستثمار الأخير، في حين وحسب التقديرات الأخيرة فان نسبة النمو في دول الاتحاد الاوربي ستبلغ 1،4 في المائة ، وانها ستبلغ 2 في المائة في الولايات المتحدة عام 2025: ، ونظرا لاعتماد الصين على مواردها الذاتية، وبحسب مقررات المؤتمر الرابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني لعام 2025  يجب أن تؤكد الصين إنها تحولت من مصنع العالم إلى مركز الابتكار العالمي، هذا وقد دخلت للمرة الأولى قائمة الدول العشر الأكثر ابتكارا في العالم.

الزراعة في الصين

لقد طورت الصين نظم الري، وسبقت الكثير من دول العالم المتمدن في أمور تحويل مجاري الأنهر وتعبيد الطرق الزراعية وإنشاء الجسور العملاقة فوق الروابي والجبال، وإقامة الأنهر المغطاة، واكتسبت خبرة في مجال الربط السككي الزراعي، وبعد أن تم لها ذلك اعتمدت وبشكل واسع نظام الجمعيات التعاونية الزراعية، الانتاجية، التسويقية، الاستهلاكية وفقا لمبادئ الاشتراكية، وربطت موضعيا قدر الإمكان الانتاج الصناعي الغذائي بالزراعة المحلية، لضمان مجابهة التوسع السكاني الهائل زائدا زيادة تصدير المنتجات الزراعية الطازجة والمجففة والمعلبة، هذا وقد بلغ متوسط زيادة الدخل المتاح للفرد في المناطق الريفية 7،8 في المائة حسب الإحصاءات الصينية، فيما انخفضت فجوة الدخل بين الريف والحضر من 4،56 في المائة عام 2020  إلى 2،34 في المائة عام 2024. وقد أسهم الاستهلاك بزيادة 60 في المائة في النمو الاقتصادي السنوي في البلاد، (وقد اظهر تقرير مقياس الثقة Ied Leman) ايد ليمان، الصادر في آذار الماضي، أن الشعب الصيني لا يزال يحتل المرتبة الأولى عالميا في الثقة بحكومته، وكانت نتيجة تلك الثقة أن نجحت الصين في كسب ثقة العالم في مسألة الانخراط في طريق الحرير، وأصبح منصة للتعاون الدولي. وقد صرح الامين العام للأمم المتحدة انطونيو گوتيرش، بان مستقبل البشرية يعتمد على حد كبير على الصين.

الصناعات الصينية

أن الحديث عن الصناعة كما يقول خبراء الاقتصاد الصناعي ينبع من كونها دولة مالكة للخامات سيما الخامات النادرة، وأنها دولة تحتكر وسائل الانتاج مع علاقات أبوية، وكما يقول الدكتور حساني فهمي حسين في كتابه تطور الصناعات الصينية، (الاستراتيجية والتحديات) إن سبب النمو السريع للصناعة الصينية يعود الى رفع الأجور والتوجه إلى سياسة تخفيض الكاربون، والتحول من الاقتصاد المخطط إلى اقتصاد السوق الاشتراكي، وتحول الاقتصاد خلال العقد الأخير إلى اقتصاد التكثيف في الانتاج، وهذا بطبيعة الحال ناتج عن زيادة الطلب العالمي على المنتجات الصينية المنافسة من حيث الجودة والانخفاض الهائل في الأسعار، وتحاول الولايات المتحدة بزعامة ترامب أن تحد اليوم من عنفوان الطلب في أسواقها هي، وأسواق الاتحاد الاوربي من خلال التعرفة الكمركية، وقد نشب خلاف عميق بين أوربا وأمريكا بشأن رغبة أوربا بالإبقاء على العلاقات التجارية مع الصين على وفق القاعدة الرأسمالية دعه يعمل، دعه يمر، وضمن نظام العولمة، واليوم التنافس على أشده بين الصين الاشتراكية والغرب الرأسمالي في تجارة السيارات الكهربائية، وأن صناعة الصين الواسعة باتت تدعم، جدلية الصراع بين العولمة وطريق الحرير الصيني، أي جدلية الصراع بين خطط التنمية التي تقدمها الصين للدول الفقيرة وبين قوات المارينز التي تجوب البحار و المحيطات بحثا عن الخامات النادرة والأسواق.

إن اخذ الصين بحقيقة كونها دولة بنظامين، جعل منها نموذجا فريدا في الاعتزاز بالمنطلقات المبدئية وترويض قوانين الغير لصالح المحصلة في بناء الاشتراكية وفقا لمعايير التطور التاريخي للإنتاج، على ان تظل علاقاته هي الحد الفاصل بين من يملك هذه الوسائل (الدولة أم الرأسمالي) وأنها دولة ماضية لصالح الشغيلة وهي تمثل السواد الأعظم من الشعب الصيني.