في بلادٍ تُقاس فيها الحكمة بعدد المرّات التي يُلدغ فيها الشعب من ذات الجحر، قرّر العراقيون (وبكامل إرادتهم السيادية) أن يثبتوا للعالم أن الإعادة فنٌ بحد ذاته.

 فبعد (سرقة القرن) التي اجتهد فيها البعض واجتهد الشعب بالنسيان، وبعد اختفاء مليارات كانت كفيلة بتحويل البلاد إلى نسخة مطوّرة من سويسرا مع قليل من التوابل الشرقية، عاد الشعب إلى صناديق الاقتراع وأعاد انتخاب نفس الوجوه، وبابتسامة.

طبعاً، ولأن المسؤولين لا يحبون أن يخيّبوا أمل ناخبيهم، فقد بادروا بكل سخاء إلى إطلاق مشروع جديد أسموه: (سرقة القرن 2: الانتقام).

وبما أن الجزء الأول كان مجرد بروفة، فقد بدأ الثاني بقفزة نوعية: تريليونان ونصف خلال أسبوع واحد فقط.

هنيئاً للشعب على سرعة التنفيذ، وهنيئاً للمسؤولين على سرعة الإنجاز.

ثم خرجت الجهات المختصة بتصريح تاريخي:

(لا نعلم أين ذهبت الأموال.)

يا لهم من صادقين فالأمانة العلمية تقتضي الاعتراف بالجهل حينما يكون الجهل عميقاً ومربحاً.

أما أصحاب الأيادي البيضاء، من الشيوعيين والمدنيين والتيارات النزيهة، فقد جلسوا يتابعون المشهد كما يتابع طفل مباراة كرة قدم وهو يحتفظ بالكرة الأصلية في البيت متفرّجين فقط.

 الشعب اختار، والديمقراطية إن لم تُنتج تنمية فعلى الأقل تُنتج كوميديا.

ولأن الشعب سيد نفسه، ولأنه لا يحب أن يُقال عنه إنه ناكر للجميل، فهو يعرف جيداً كيف يكافئ من (خدمه) سابقاً بإعادة انتخابهم حتى يكملوا إنجازاتهم الناقصة، أو بالأحرى، خزائنهم غير الممتلئة بعد.

لذا، ولأجل الحفاظ على الانسجام الوطني، نضم صوتنا للمناشدة الاخيرة:

أيها الشعب العزيز، رجاءً لا تعترض ولا تتذمر.

أنت من أعادهم، فاستمتع بالموسم الثاني من المسلسل ذاته.

وما دام اللصوص يعملون بلا كلل، فلماذا يتعب الناخب نفسه بالتفكير؟