الهجمة على اليسار لم تبدأ بعد الانتخابات ولا بسبب نتائجها، بل كانت مهيّأة مسبقاً. منذ بداية تشرين الأول من هذا العام اي قبل موعد الانتخابات بشهر تقريباً، بدأت بمحاولة تسقيط عميد اليسار العراقي، عبر اتهامات جاهزة ومكررة ومفتعلة، وكأن المطلوب هو نزع القيمة المعنوية عن رمز كان يمثل حالة أخلاقية وتاريخية قبل أن يكون جزءاً من معادلة سياسية.

 لم يكن الهدف نقداً، بل تحطيم صورة، وإرباك جمهور، وإشاعة مناخ يشكك بكل ما يمتلك جذوراً وطنية صلبة.

فالشيوعية العراقية، رغم أخطائها، كانت ضميرا حياً قاوم الطغيان في زمنٍ كان الصمت فيه نوعاً من الجريمة، أما الجثث الحقيقية فهي تلك التي تكتب باسم “النقد” لتخدم رواية السلطة.

وحين جاءت الانتخابات، اكتملت الحملة بضغط غير مسبوق، ومال سياسي بلا سقف، وشحن طائفي ممنهج، وبطرق ملتوية ومفضوحة بما يسمى وكلاء أحزاب وركائز مهمتهم شراء اصوات الفقراء بالمال، انتبهت لها المفوضية العليا للانتخابات وهي بصدد اتخاذ ما يلزم.

في موازاة ذلك، يظهر خطاب يشوه تاريخ السجناء والمناضلين بوصفه “امتيازات”، كما ذكر الكتبي كريم حنش واتهم قيادات الحزب. دون أدلة واثبات، في لحظة يجري فيها تفريغ الوعي العام من آخر ما تبقى من احترام للتجربة الوطنية. وهو الخطاب ذاته الذي ينسجم مع بيئة ثقافية منهارة إلى حد أنّ خلافاً بين اثنين من أدباء اتحاد الأدباء في صفحات التواصل الاجتماعي، ينقلب إلى شكوى في مركز الشرطة وعشيرة ودكة، وكأن الثقافة فقدت حصانتها وتحولت إلى ساحة صراع اجتماعي بدائي.

ومشهد البصرة ليس بعيداً عن هذا الانهيار، منع حفلة غنائية بحجة “الفسوق”، وكأن الفرح تهديد، والفن خصومة، والمجتمع مشروع حراسة أخلاقية لا مساحة حياة.

كل هذه الوقائع، المتناثرة شكلياً والمتصلة جوهرياً، تشير إلى انحدار مجتمعي يتسع باتجاه واحد، تراجع للعقل المدني، صعود للاتهامات، تفكك في المعايير، واستبدال السياسة بالتحريض، والثقافة بالعشيرة، والحقوق بالشيطنة، والاختلاف بالاستهداف.

ما يجري ليس حدثاً معزولاً ولا ردود فعل متفرقة، بل محاولة ممنهجة لإزاحة القوى المدنية الديمقراطية من المشهد، وتشويه حضور اليسار قبل أن يبدأ معركة جديدة. ونحن، وسط هذا الضجيج، نحتاج أن نرى الصورة كما هي، مجتمع يُدفع نحو مزاج غاضب وغير عقلاني، وقوى تُستهدف لأنها تمثّل آخر ما تبقى من فكرة الدولة والحداثة والوعي المدني.

هذه ليست أزمة طرف سياسي… بل أزمة بوصلة مجتمع بأكمله.