تصريحات مكررة

 شهدت السنوات الثلاث الأخيرة تصريحات عديدة مكررة لمسؤولين متنفذين قطاع البيئة عن " قرب إعلان خلو العراق من التلوث الإشعاعي". فقد صرح مدير عام مركز الوقاية من الإشعاع التابع لوزارة البيئة د. صباح الحسيني، في مناسبات عديدة، عن " خطة وطنية لإزالة التلوث الإشعاعي" وعن "برنامج إعلان خلو العراق من التلوث الإشعاعي"، و" تحقيق الخطة نسبا متقدمة "، وتم بموجبها إعــلان خلو البصرة وميسان والمثنى، من التلوث الإشعاعي، وستلحق بها قريبا محافظتا ذي قار والأنبار" (الصباح"، 2023/3/1 ، و 4/4/2024)

واَخر التصريحات هو لنعيم العبودي رئيس "هيئة الطاقة الذرية العراقية،" الذي أعلن في مؤتمر صحفي في ذي قار، في تموز الجاري، بحضور محافظ ذي قار وأعضاء لجنة الأمر الديواني 23580، عن" خلو محافظة ذي قار من التلوث الإشعاعي". وقال: " أن الفرق الوطنية المتخصصة في هيئة الطاقة الذرية العراقية تمكنت في جهد استثنائي من معالجة المخلفات الحربية الملوثة التي قاربت 200 طن من القطع الحديدية الملوثة، وان العملية تمت في غضون وقت قياسي بلغ 34 يوما ".وأضاف:" أن خبراء الهيئة مستمرون في إجراءات تطهير عدد من المحافظات الأخرى"، مؤكدا أن الإعلان النهائي لخلو العراق من التلوث الاشعاعي بشكل كامل سيكون قريبا (" اشفق نيوز"،3 /7/2024 ).

    مثل هذه التصريحات ليست جديدة، وإنما هي مكررة- سنبين ذلك لاحقاً.. الجديد فيها ان السيد الحسيني لمح، مكرراً مرات عديدة، بان مركز الوقاية من الإشعاع هو اليد الطولى في مهمة إزالة التلوث الإشعاعي، بينما كان المسؤولون الذين سبقوه يؤكدون بأن مهمته رقابية وليست تنفيذية.. وعملياً، كانت فرق وزارة العلوم والتكنولوجيا، هي المنفذ، وقد غبنت الأحزاب المتنفذة دورها المهم، بدمِجتها بوزارة أخرى.

    أما السيد العبودي، فقد أعلنها صريحة: " فرق هيئة الطاقة الذرية " هي التي عالجت الملوثات بالإشعاع، وستستمر في إجراءات تطهير المحافظات منها ".

    ويبدو ان مفارقة التداخل في مهمات مؤسسة من قبل أخرى، هو تطور جديد، في سعي أطراف المنظومة السلطوية المهيمنة للاستحواذ على المزيد من المؤسسات. وامتيازاتها.

    ويبدو ان مدير عام مركز الوقاية من الإشعاع الحسيني هو من باشر بزج مركزه في مهام غيره، عندما أوحى في تحركاته وتصريحاته ان مركزه مسؤول عن " المشروع العراقي للطاقة الذرية للاستخدامات السلمية"، الذي هو مهمة هيئة الطاقة الذرية العراقية..

    علماً بان السيد العبودي، يشغل منصب وزير التعليم العالي والبحث العلمي والعلوم والتكنولوجيا ورئيس هيئة الطاقة الذرية العراقية، لا لمؤهلاته العلمية، فهو مهنياً لا علاقة له بعلوم الطاقة، وتحديداً الطاقة الذرية واستخداماتها السلمية، ولا بالفيزياء النووية، ولا بعلوم البيئة والصحة، ولا بالطب الذري، ولا بالإشعاع وسميته وأضراره البيولوجية، وإنما سياسة الصدفة هي من فرضته، بينما هو حاصل على شهادتي "الماجستير" و"الدكتوراه" باللغة العربية من "الجامعة الإسلامية في لبنان" المشبوهة.

   وعدا هذا، فان رئاسته لهيئة الطاقة الذرية ليست شرعية، لأنه لا يمتلك المؤهلات المطلوبة، مخالفاً قانونها رقم (43) لسنة 2016، الذي أقره مجلس النواب وصادق عليه رئيس الجمهورية، حيث نص ان يكون رئيسها حاصلا على شهادة دكتوراه، في الأقل، في الاختصاصات العلمية او الهندسية، وله عدد من البحوث المنشورة في المجلات العالمية والمؤتمرات في مجال اختصاص الهيئة. وان تكون له ولنائبيه خبرة لا تقل عن (20) سنة في مجال اختصاص الهيئة..

    واقترانا بذلك، لا يفوتنا ان نتساءل: متى استيقظت "هيئة الطاقة الذرية العراقية" من سباتها العميق، حيث لم نشهد لها أي نشاط يذكر طيلة سنوات طويلة؟

وهل مهمتها الأساسية "الاستخدامات السلمية للطاقة الذرية"، ضمن اختصاصها، كما ينص عليه قانونها، أم هي "إزالة التلوث الإشعاعي في المحافظات العراقية " ؟

    وإذا الهيئة ستقوم بإزالة التلوث الإشعاعي، فماذا ستفعل الجهات الأخرى المسؤولة عنه، اختصاصا وقانوناً؟

   ويبدو ان التداخل في المهمات هو الذي أربك تنفيذ "الخطة الوطنية " المطروحة، وعدم كشف أي جهة عن تفاصيلها، بينما أوحت تصريحات المسؤولين بجلاء ثمة تسابق فيما بينهم، واستباق للإحداث، ليست واضحة دوافعه.

    وارتباطا بذلك، ثمة تساؤلات عديدة أخرى:

* هل يصح إعلان خلو العراق من التلوث الإشعاعي قريباً، والتلوث الإشعاعي ما يزال موجود وبدرجات عالية في مناطق عديدة في عموم العراق؟!!

* الموقف يوحي وكأن المناطق الملوثة الباقية، والتي تنتظر المعالجة، ليست محسوبة كمناطق عراقية!!

* ألم ينوه الحسيني بأن " أكثر المواقع تلوثا في البلاد والتي تحتاج إلى جهد كبير لإزالته، هما موقعا (عداية) و(الجزيرة) في نينوى، وهما عبارة عن مطمر دفنت فيه مواد مشعة ("الصباح"،1/3/2023) ؟.

* وألم يكرر بان " العمل جار على معالجة المواقع المتبقية في محافظات نينوى والأنبار وبغداد وصلاح الدين " ("الصباح"،23/4/2024) ؟!!.

*  فلماذا، ولمصلحة مَن استباق الأحداث، والتعجيل بإعلان خلو العراق من التلوث الإشعاعي؟!!

*  أليس الأولى والأهم إنجاز المهمة تماماً، ومن ثم التباهي بالإنجاز؟

 إهمال وتقصير ولا محاسبة

 التلوث الإشعاعي في العراق واقع قائم منذ 43 عاماً، وناجم بالأساس عن قصف (مفاعل تموز) في التويثة، في عام 1981 من قبل إسرائيل، وقصف أرجاء العراق، خلال حربين مدمرتين، في 1991 و2003، بأسلحة جديدة، في وقتها، مصنعة من نفايات نووية خطيرة، استخدمتها القوات الأمريكية وحليفاتها، لأول مرة ضد العراق، وجعلت شعبنا يعيش، ومن بعده شعوب صربيا وكوسوفو والبوسنة وأفغانستان وسوريا وليبيا، وغيرها من الدول التي استخدمت ضدها ذخائر اليورانيوم، محنة الحرب وتداعيات استخدام تلك الأسلحة الفتاكة.

    وقد كشف العلماء المستقلون الكثير من طبيعة أسلحة اليورانيوم وسميتها الكيميائية والإشعاعية وتأثيراتها البيولوجية الخطيرة. وسلطت العشرات من الدراسات والبحوث والمئات من المقالات والتقارير العلمية، الضوء على الكارثة البيئية والصحية والاجتماعية الناجمة عن استخدام أسلحة اليورانيوم المشعة.

     بيد ان الحكومات العراقية المتعاقبة وأجهزتها المعنية لم تهتم جدياً بالمشكلة وأبعادها الخطيرة، بل وأهملتها بكل صلافة، مثلما أهملت كل المبادرات والمشاريع والمقترحات الحريصة. وظلت عاجزة تماماً عن إيقاف تفاقمها. وضحية التقصير والإهمال مئات اَلاف الضحايا الأبرياء، والمسؤولين المقصرين والمهملين ام يحاسبهم أحد!!

ما العدد الحقيقي للمواقع الملوثة بالإشعاع وتلك التي نُظفت منه؟

 لمسنا في تصريحات المسؤولين عدم دقة بشأن المواقع الملوثة بالإشعاع المتبقية وتنتظر المعالجة. وبصراحة، لسنا مقتنعين بأنها 10 فقط - كما أعلن د. الحسيني. ومبررات عدم القناعة ان الحسيني لم يأت في تصريحاته على ذكر التويثة، المسماة: "تشرنوبيل العراق"، وهي تضم 18 منشأة نووية مضروبة وشديدة الإشعاع.. فلماذا لم يذكرها ؟!!

     وفي الوقت الذي أعلن فيه برنامج الأمم المتحدة للبيئة ان المناطق الملوثة بالإشعاع تتجاوز الألف، أعلنت وزارة البيئة أنها 350 موقعاً. أنظر:

  UNEP ,Assessment of Environmental “Hot Spots” in Iraq, First published in Switzerland in 2005.. ISBN 92-807-2650-1

    وعدا "عداية" و"الجزيرة" في محافظة نينوى، توجد الكثير من المناطق الملوثة منتشرة في البلاد. مثل: " مقبرة طريق الموت" (صفوان- البصرة) التي توجد فيها أكثر من 1500 آلية للجيش العراقي مضروبة بذخائر اليورانيوم، وهي مطوقة، لكنها مكشوفة، وإشعاعاتها تتطاير وتنتقل بالريح الى المناطق المحيطة بها، وحتى الى عشرات الكيلومترات. 

   وتؤكد وسائل إعلام عراقية وأجنبية وجود مواقع أخرى ملوثة بالإشعاع، في الخميسية بذي قار، وحوران غربي الأنبار، والدولاب ببابل، والوركاء بالمثنى، ومنطقة تجمع السكراب بعويريج، بالإضافة الى مواقع في صلاح الدين، وكركوك، ودهوك، والسليمانية، وكميت وبيجي، والنهروان، والطارمية، والزعفرانية، والتاجي، وموقع سكراب المنطقة الصناعية، وغيرها..

 

عرض مقالات: