أهم ما تتميز به هذه الحقبة من تاريخ البشرية هي هذا التطور العلمي الهائل والسريع الذي ينقلنا كل لحظة إلى الجديد من قرائح العلماء والمبدعين في العالم. إن نشر العلوم من شأنه فتح أذهان الشبيبة والجيل الجديد على التفكير العميق والتأني والوعي والتنوير والإبداع، ويحد من تأثير الأفكار الظلامية والخرافات التي تركت وتترك تأثيراً سلبياً على مصير البلاد والمجتمعات عموماً، ويعرقل مسيرة التنمية ويصبح المجتمع فريسة الأهواء والأفكار التي عفا عليها الزمن. في العراق، كان لدينا برنامج "العلم للجميع" الذي كان يديره طيب الذكر المبدع كامل أدهم الدباغ من تلفزيون بغداد. هذا البرنامج على تواضعه لم يشد اهتمام الشبيبة وجذبهم عند بثه، بل وحتى العوائل بأجمعها، وحفزهم على المطالعة ومتابعة ما يطرأ على العلوم من ارتقاء وجديد. ولكن للأسف، غاب هذا البرنامج عن حياة العراقيين كما غاب الكثير من مظاهر الحداثة والتنوير ووقعوا فريسة الجهل كما يحدث الآن، بحيث أصاب الشلل كل مرافق الحياة وتحول العراق إلى ميدان للنهب والسلب ورهينة للطامعين فيه من بلدان الجوار.

الغريب في الأمر أن الجهات الرسمية وغير الرسمية غير معنية بالارتفاع بمعارف الشعب ولا التعرف على ما يطرأ على العلوم ومنجزاته. فوزارة التعليم العالي والبحث العلمي لم تراودهما فكرة إصدار مجلة علمية تنشر فيها البحوث التي يقمها الباحثون العراقيون في شتى المجالات، إضافة إلى المجزات الضخمة في شتى ميادين المعرفة في الدول الأخرى. كما أن وزارة التربية هي الأخرى غافلة عن إصدار مجلات مماثلة تتناسب مع أعمار الشباب والأطفال، كي تسهل عليهم غرف المعرفة الجديدة والاكتشافات والاختراعات. ونفس الأمر ينطبق على وزارة الثقافة التي لم تحيي لحد الآن مجلات أدبية ومعرفية كانت تصدر في أحلك الظروف التي مر بها العراقيون، ولكن نجد أن الساحة الآن جرداء من هذه الإبداعات. والأمر لا يقتصر على المؤسسات الحكومية والوزارات، بل وأيضاً على الأحزاب والحركات السياسية التي تصدر الصحف والمجلات بغزارة، ولا تجد فيها أي أثر للمعرفة والعلوم، وتخصص في صفحاتها زوايا للاقتصاد والرياضة والطبخ وأخبار الانتهاكات ضد المواطنين، ولكن تغيب صفحة واحدة ولو أسبوعية تكرس للعلوم والمعرفة والمنجزات العلمية. هذا الغياب هو الذي دفع بالعراق إلى هذا المنزلق الخطير، منزلق العنف والإرهاب والتخلف. في بلادنا، وفي أحلك الظروف كانت تصدر مجلات خاصة بالأطفال تعني بتنمية مواهب الطفل وغرس روح الحب والتسامح والمعرفة في دواخله، ولكن الغيوم الصفراء التي هبت وتهب على مهد الحضارات قد أزالت كل تلك المظاهر. كانت لدينا مجلات تعني بالأدب الساخر التي وصلت إلى أكثر من 15 مجلة في الثلاثينات، والتي لعبت دوراً في تنمية روح النقد لدى المواطن العراقي وفتح أعينه على المظاهر السلبية في مجتمعنا ومتابعة الفساد الفاسدين في المجتمع. هذه المطبوعات قد لا تكلف الدولة أو الأحزاب السياسية وحتى الأفراد عبأ مادياً ثقيلاً، لأنها وحسب التجربة لها سوق رائج واهتمام من قبل المواطن العراقي، فهي لا تخسر على غرار الصحف السياسية، بل تحصل على ربح من شأنه أن يطور إمكانياتها وزيادة أعدادها. إذا كنا نريد أن ينتقل العراق من هذه الدائرة المدمرة التي نعيشها الآن، فما على الدولة بمؤسساتها الرسمية والأحزاب السياسية على اختلاف تلاوينها والأفراد والمثقفين، بل وفي كل عائلة، انتهاج طريق نشر العلم والمعرفة والاسترشاد ببرنامج "العلم للجميع" الذي من شأنه أن يلعب دوراً في تعزيز ثقافة الحكمة والتسامح والعمق في التفكير والتروي والتخلي عن التعصب والغلو الذي شل العراق وغيره من البلدان. الطريق هو نشر المعرفة والعلم، وبها سنغلق دهاليز الظلامية والخرافات والعنف ونبني العراق المسالم المزدهر.   

ولا يسعني في هذا المقام سوى الرجوع إلى شاعرنا الكبير جميل صدقي الزهاوي في سطور من شعره المعنون "إن تأييد نهضة العلم مجد":

 إن تأييد نهضة العلم مجد

بخلاف العراق فهو لعمري           لضروبٍ من الجهالة مهد

بعد إذ كان موطناً لرجال                أيَّدوا العلم بينهم وأمدوا

مات من كان ينصر العلم فيهِ        والذي عاش فهو خصم ألدُّ

فمضى العلم واستقرَّ مكان         العلم جهل والجهل للعلم ضد

كان للقاطنين في جانبي           بغداد عيش وذل العيش رغد

مرّ ذاك العيش الذي طاب حيناً      وكذاك الحياة صاب وشَهد

فاستَردت ما نوّلته الليالي                 والليالي تنيل ثم ترد

إن دهراً أعطى العراق رقياً            ثم رد الرُقيَّ منه لوغد

 

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل