في نقطة التحول التاريخية العالمية 1989 /1991، انتهت حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية لنظام المنافسة، الذي تميز بـ “ثنائية القطب”، نظامان لكل منهما سلطة قائدة (الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتي). كلاهما يختلف عن الآخر بنظام الملكية والاقتصاد وكذلك في أنظمتهما السياسية: الملكية الخاصة وجني الأرباح، مقابل ملكية الدولة، السوق مقابل تخطيط الدولة، والديمقراطية البرلمانية ونظام التعددية الحزبية مقابل “دكتاتورية البروليتاريا” أو حكم الحزب الواحد. وشكلت المواجهة العسكرية العالمية الدائمة بين الأنظمة القائمة على التطوير التقليدي والنووي، الأساس لمنطق أمني كان لا بد من أن يؤدي إلى تطوير وتصاعد سباق التسلح المستمر، بالإضافة إلى زيادة نفقات التسلح. وفي الوقت نفسه كانت الحرب الأيديولوجية مستعرة بين الرأسمالية والاشتراكية، بين “الحرية” و”الشمولية”، وفق الوعي السائد في الغرب.

كان أنصار الغرب ينظرون إلى نقطة التحول في 1989/ 1991 على أنها ساعة انتصار. لقد انتصروا في صراع الأنظمة. لقد هُزم الخصم الرئيسي - الاتحاد السوفياتي ومعه ادعاء الأحزاب الشيوعية بالعمل في “حقبة انتقال من الرأسمالية إلى الاشتراكية على الصعيد العالمي”. وغالبا ما أعطى أنصار الاشتراكية صورة غير مشجعة للغاية.

احتفل المنتصرون. واستنتج عالم السياسة الأمريكي فرانسيس فوكوياما في وقت مبكر من عام 1989، وفي ضوء أزمة الوجود في الدول الاشتراكية، “نهاية التاريخ”. لكن كان أتباع ما يسمى “المدرسة الواقعية” بين المحافظين الجدد يدركون بالطبع، قبل غيرهم، ان تاريخ البلدان الغربية يتحدد: أ) من خلال التناقضات الداخلية الهائلة والتضادات الطبقية. ب) في مجال السياسة الدولية - من خلال الصراعات والحروب، وان الأمر يتعلق بتقاسم السلطة في النظام العالمي وأن هذه التناقضات ستظهر الآن الى الواجهة مرة أخرى. وقبل وقت قصير من نقطة التحول في عام 1989، حدد المؤرخ البريطاني بول كينيدي بوضوح “صعود وانهيار القوى العظمى” باعتباره القانون الداخلي لتطور التاريخ العالمي منذ عام 1500. ودافع جون جيه.ميرشايمر، عالم السياسة الواقعية المفرطة من الولايات المتحدة الأمريكية، في مقال نوقش كثيرا في صيف عام 1990 عن أطروحة مفادها أنه بعد نهاية القطبية الثنائية في أوروبا، ستعود السياسة العالمية إلى حالة من المنافسة الفوضوية وصراع القوى العظمى، بالشكل الذي أدى، قبل مئة عام إلى آب 1914 (اندلاع الحرب العالمية الأولى – المترجم).

ومع تقدم قطار الليبرالية الجديدة في الربع الأخير من القرن العشرين، تمت إزالة تلك “القيود” التي فرضت على الرأسمالية، نتيجة لنضالات الحركة العمالية في القرن العشرين، والمنافسة مع الدول الاشتراكية. وعلى الأقل كانت هناك تحذيرات بشأن: أ) مسألة العدالة الاجتماعية، و ب) الخطر المتزايد للحرب في خضم فترة جديدة من انعدام الأمن الاجتماعي والتوتر السياسي في ميدان السياسة الدولية، ما دحض بسرعة أطروحة “نهاية التاريخ” (ديب 1991).

الصحفي المحافظ والمؤرخ المعاصر (يواخيم فيست)، مؤلف السيّر الذاتية، من بين آخرين، لأدولف هتلر وألبرت سبير (مهندس ومسؤول عن الإنتاج الحربي ومستشار هتلر - المترجم)، والمشارك في اصدار جريدة “ Frankfurter Allgemeine Zeitung” ، أعلن بسرعة “نهاية عصر اليوتوبيا” وان “حلم الاشتراكية قد دمر نهائيا” واصبح “مادة للمؤرخين”. و”عادت الماركسية بعد نزهات دامية الى المتحف البريطاني” (فيست 1991: 113). بالنسبة لـ (بيري أندرسون)، مؤسس مجلة  New Left Revie، وأحد أهم مؤرخي ومنظري الماركسية في نهاية القرن العشرين، كانت الأزمة السياسية للدول والأحزاب الاشتراكية في نهاية القرن، مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتراجع طويل الأمد في شرعية وجاذبية الأهداف والقيم الاشتراكية، خاصة بين أفراد الطبقات الثانوية. ان “المساواة، التي لعبت بعد الحرب العالمية الثانية دوراً بلاغياً في الحياة العامة، حتى لو تم تجنبها بشكل راديكالي في الواقع، ليست ممكنة حالياً ولا مرغوبة. نعم، فحسب السائد في يومنا هذا، فإن كل الأفكار التي شكلت الإيمان بالاشتراكية هي مجرد موضوعات ميتة. لقد فتح عصر الإنتاج الضخم الطريق أمام حقبة ما بعد الفوردية. يُنظر إلى الطبقة العاملة على أنها ذكرى من الماضي آخذة في التلاشي، والملكية الجماعية على أنها ضمانة للاستبداد وعدم الكفاءة؛ المساواة الجوهرية لا تتوافق مع الحرية، ولا يملك في الوقت الحالي أيٌّ من التيارات التي تحدت الرأسمالية في هذا القرن، روحاً قتالية أو قاعدة جماهيرية”. (اندرسون 1993: 141 و143).

أعطى العالم السياسي البريطاني (رالف ميليباند) - أحد الشخصيات البارزة في اليسار الجديد (نيومان 2002) - كتابه الأخير، الذي ظهر عام 1994، بعنوان “الاشتراكية لعصر شكاك”. تبنى فيه الأمل في أن القيم الأساسية للاشتراكية - الديمقراطية والمساواة والتعاون - ستستمر في كونها “المبادئ المحددة للتنظيم الاجتماعي” في المستقبل (ميليباند 1994: 194). في نهاية عمله الواسع حول “قرن من الاشتراكية في أوروبا الغربية”، أشار المؤرخ (دونالد ساسون) إلى الأزمة العميقة للأحزاب الديمقراطية الاجتماعية والشيوعية. وخلص إلى أنه “لا يمكن فصل مصير الاشتراكية الأوروبية الغربية ومستقبلها المحتمل عن مستقبل الرأسمالية الأوروبية”. وأضاف: “المشروع الاشتراكي مهما كان تعريفه قد يختفي مع بقاء الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية” (بعد تخليها عن السياسات التقدمية والاتجاه يمينا – المترجم) (ساسون 1997: 776). ربما فكّر في حزب العمال، الذي كان ناجحا في عهد توني بلير في التسعينيات والذي ابتعد بشكل واضح عن تقاليده وبرنامجه الاشتراكي. بعد عشرين عاماً، بيّن جيريمي كوربين وأنصاره أن الهيكل التنظيمي القائم للحزب - بما في ذلك ناخبوه الأساسيون من طبقات المجتمع الدنيا - يمكن تعبئته ببرنامج اشتراكي متجدد (“للاكثرية، وليس للاقلية”). في الانتخابات العامة لعام 2017، فاز حزب العمال بنسبة 40 في المائة بزيادة بلغت قرابة 10 في المائة من الأصوات.

نهضة مناقشة الاشتراكية

بعد ثلاثة عقود من مواكب انتصار الرأسمالية والليبرالية، تجري ثانيةً مناقشة الاشتراكية بشكل مكثف في الخطاب العام، باعتبارها “خطراً أحمر” من ناحية، وكمشروع سياسي للتغلب على الأزمات وعدم المساواة الاجتماعية في رأسمالية السوق المالية العالمية من ناحية أخرى. تحت عنوان “الاشتراكية في الألفية الجديدة”، أكدت الصحيفة الاقتصادية الرائدة في العالم الغربي، الإيكونوميست، في 14 شباط 2019، نهضة الاشتراكية في المراكز الرأسمالية القديمة. “بعد انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، بدا وكأن المعركة الأيديولوجية الكبرى في القرن العشرين قد انتهت. لقد انتصرت الرأسمالية - وأصبحت الاشتراكية مرادفة للفشل الاقتصادي والقمع السياسي. وهي تتمايل في التجمعات الهامشية، في الدول الفاشلة ومع وثوب ليتورجيا (شعائر) الحزب الشيوعي الصيني. اليوم، بعد 30 عاماً، عادت الاشتراكية إلى الرواج مرة أخرى. الاشتراكية تعود عاصفة، لانها تصوغ انتقادات حاذقة للاخطاء الحاصلة في المجتمعات الغربية. بينما تخلى سياسيو اليمين في الغالب عن معركة الأفكار وتراجعوا إلى الشوفينية والحنين إلى الماضي، يركز اليسار على عدم المساواة الاجتماعية والبيئة وكيف يمكن استعادة السلطة من النخب الى المواطنين. بينما يصحح اليسار المنبعث من جديد بعض الأمور، فإن تشاؤمه بشأن العالم الحديث يذهب بعيداً. إن سياسته تعاني من السذاجة تجاه الموازنات الوطنية والبيروقراطيات وعالم الأعمال”.

عبرت الجريدة المركزية لرأسمالية السوق المالية (مقرها سويسرا)، جريدة زيورخ الجديدة في 20 تموز 2019، عن غضبها بسبب “الرغبة الجديدة في الاشتراكية”. على الرغم من أن الاشتراكية فشلت “بشكل هائل” في القرن العشرين، إلا أنها فجأة تمارس جاذبية هائلة - خاصة على الشباب. دوغمائيان من اليسار المدعوان - كوربين وساندرز، وكذلك الاشتراكيون الديمقراطيون السويسريون - “يتمتعون بتعاطف مرة أخرى في الانتخابات”. وفي استطلاعات الرأي، يؤكد الكثير من الناس، وخاصة الشباب، أن “مُثل الاشتراكية ذات قيمة كبيرة للمجتمع”. وفقا لمؤسسة غالوب، فإن “ 51 في المائة من الأمريكيين الذين تتراوح أعمارهم بين 18 - 29 عاماً لديهم رأي إيجابي بالاشتراكية”. حتى في البرامج التلفزيونية هناك حديث عن الصراع الطبقي وحرب النظام. إن “إحباط” الشباب “بقدر تعلق الامر بالرأسمالية أمر مفهوم تماماً، لا سيما في أعقاب الأزمة المالية” - وهناك بالتأكيد أيضاً “مدراء تنفيذيون غير لائقين”. لكن يمكن ان تقرأ عن الاشتراكية عند (فريدريش أوغست فون هايك) (فيلسوف واقتصادي نمساوي بريطاني دافع عن الليبرالية الكلاسيكية)، وفقا لكاتب جريدة زيورخ الجديدة، وهذه بالتأكيد إجابة خاطئة وخطيرة بالأساس. لذلك من الواجب مقاومة إغراء الأيديولوجية الاشتراكية!

تتلاءم عودة الاشتراكية مع انتعاش حركات الاحتجاج الاجتماعي والسياسي في جميع أنحاء العالم. صحيفة “Süddeutsche Zeitung” الألمانية المحافظة والصادرة في  (28/29 كانون الأول 2019 ، رأت ان “العالم في حالة اضطراب” وأحصت قائمة طويلة لبلدان ومدن نزل فيها مئات الآلاف إلى الشوارع في عام 2019 للاحتجاج على “النخب الفاسدة” و”عدم المساواة الاجتماعية”.

في بعض البلدان، بدأت حركة جديدة من الشباب - “جيل الألفية” - وهي في طليعة الاحتجاجات وتعمل بقوة على إثارة المنظمات القائمة لليسار القديم (الأحزاب والنقابات العمالية). ومع ذلك، في العديد من البلدان، يتقدم المستبدون الشعبويون المتطرفون اليمينيون، مستغلين استياء قطاعات واسعة من السكان، وأحياناً فشل الحكومات اليسارية. الاحتجاجات سوف تغذيها خيبات الأمل المكبوتة منذ فترة طويلة من سياسة القوى الحاكمة. يضاف إلى ذلك الخوف من التدهور الاجتماعي.

تعتبر حركات الاحتجاج العالمية لعام 2019 غير متجانسة بشكل غير عادي، وتشكلت من خلال السياق الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والديني والسياسي المعين. ان تصاعد الحركات الشعبوية اليمينية وانتصارات السياسيين القوميين والعنصريين من احزاب اليمين السياسي (من ترامب إلى بولسونارو، ومن أوربان إلى كاتشينسكي) يعكس العجز والغضب الذي تعبر عنه هذه الحركات. من ناحية أخرى، يناشد السياسيون الاشتراكيون، الذين يجمعون بين انتقادهم للظروف السائدة وانتقاد الرأسمالية، الطبقات التابعة لإنهاء حكم النخب والأوليغارشية (“نسبة الـ 1 في المائة”). ويعكس هذا “الارتباك الجديد” أيضاً “التغيير الأساسي في العالم” منذ الأزمة الكبرى لعام 2008 (توزو 2018 – أكاديمي واقتصادي بريطاني – المترجم). لقد دخلت دورة هيمنة الليبرالية الجديدة، التي مرت بمرحلة صعود في سبعينيات القرن العشرين، وبلغت ذروتها في التسعينيات، مرحلة من الانحدار منذ مطلع القرن الجديد وانتهت بعد عام 2008 أساساً نتيجة لاستراتيجيات الغرب في ادارة الأزمات. وعلى نحو متزايد في تشكل الازمة الاجتماعية الاقتصادية البيئية السياسية (ديب 2019).

أزمة عام 2008 كنقطة تحول

لقد كانت أزمة عام 2008 نقطة تحول. وأصبحت العولمة انعكاسية. إن التناقضات والأزمات التي أنتجتها وتعيد إنتاجها رأسمالية الأسواق المالية العالمية، ترتد بشكل متزايد على عواصم رأس المال التي انطلقت منها العولمة. وعلى المستوى الأيديولوجي، تخلق هذه الأزمة “المتعددة” الظروف والأطُر للدعاية اليمينية الشعبوية وكذلك للحركات السياسية والاجتماعية التي تستند الى الاشتراكية وتلاقي ردود فعل. يضع بانيتش وغيندين (2018/12/11) (اقتصاديان كنديّان - المترجم) الارتباط بين أزمات الرأسمالية العالمية وسياسة الليبرالية الجديدة من ناحية و”التحدي الاشتراكي” الجديد في مركز الاهتمام: “نزع الشرعية عن الليبرالية أعاد للقضية الجذرية للاشتراكية شيئاً من المصداقية، للعمل على تحقيق تطلعات البشرية في الديمقراطية والمساواة والبيئية. في العقد الأول من القرن الحالي، كانت مناهضة العولمة الرأسمالية في مركز اهتمام حركات المعارضة. وافتتح العقد الثاني من قبل حركة “احتلوا” ثم تم تحديده من قبل الحركات المناهضة للتقشف في اليونان وإسبانيا (حركات الاحتجاج ردا على الأزمة المالية – المترجم).  لقد سلط هذا الضوء بشكل كبير على التفاوت الكبير بين الطبقات في الرأسمالية. لكن الحركات الاحتجاجية التي تفوح منها رائحة الانتفاضة سرعان ما تنكشف محدوديتها السياسة، وتبقى في الشارع ولا تترك اية آثار ثورية على مؤسسات الدولة.

بعد عشر سنوات من الانهيار الكبير في عام 2008، يهز وباء كورونا النظام العالمي الرأسمالي. من شباط 2020 إلى حزيران 2021، تم تسجيل 4 ملايين حالة وفاة؛ انهارت التجارة والإنتاج مرة أخرى نتيجة لإجراءات الإغلاق، خاصة في قطاع الخدمات الخاص، قطاع السياحة، المطاعم، وفى القطاع الثقافي. وارتفعت معدلات حالات الإفلاس والبطالة بشكل مذهل. واستمر بالاتساع التفاوت بين الأغنياء والفقراء، بين بلدان الشمال والجنوب، وخصوصا عجز النظام الصحي، الذي تضرر بشدة من إجراءات خصخصة الليبرالية الجديدة في العقود الماضية. ودعم ذلك، المطالبة بـ أ) توسيع الخدمات الشاملة على أساس المصلحة العامة من قبل الدولة. و ب) التوسع الهائل في الإنفاق الحكومي بهدف الحد من البطالة وكذلك مكافحة تغير المناخ وفي نفس الوقت تعزيز إعادة هيكلة الاقتصاد، بشكل يعزز القطاع العام والبنية التحتية، وأسبقية تأمين المصالح الاجتماعية على مصالح الربح الخاصة للشركات الكبرى والقطاع المالي. وبالنسبة للقوى الاشتراكية، يؤكد الوباء من جديد صحة مطالبتها بتحقيق إصلاحات هيكلية مناهضة للرأسمالية.

كان على السياسيين والأيديولوجيين في الكتلة الحاكمة (مثل بوريس جونسون في بريطانيا العظمى، وجو بايدن في الولايات المتحدة، وأنغيلا ميركل في ألمانيا، وأورسولا فون دير لاين في الاتحاد الأوروبي) القطع مع عقائد الليبرالية الجديدة الخاصة بالتقشف وسياسة المنافسة تحت ضغط عواقب الأزمة. ولا يزال الأمر مفتوحاً تماماً حول كيفية حدوث ذلك بعد النهاية الرسمية للوباء: أ) كيف سيسير تعافي الاقتصاد الوطني والعالمي، و ب) كيف سيتم التعامل مع هذه التناقضات، جنباً إلى جنب مع الغضب المكبوت لدى قطاعات كبيرة من السكان، في ميدان السياسة.

فقدان السيطرة وارتباك جديد

يثير الجدل العالمي حول بعث الاشتراكية، العديد من الأسئلة بطبيعة الحال. أولاً، يجب دائماً التحقق تجريبياً من أهمية أطروحة “الموجة الثالثة” من الاشتراكية (ميشائيل بري 2016) (فيلسوف وباحث الماني – المترجم)، بعد الموجة الأولى من “ميلادها” وصعودها في “القرن التاسع عشر المطول” (1789 - 1914) والموجة الثانية التي تميزت بظهور وهزيمة الاشتراكية الفعلية بأبعاد عالمية (1917 - 1989/91) – كما يجب التأكيد والتحقق من ان الموجتين  الأوليتين تعكسان تاريخ الاشتراكية بشكل كافٍ: بعد كل شيء، كان لكل موجة حتى الآن حركاتها الموجية الخاصة بها، والتي غالباً ما تضمنت قرارات مهمة. قد يكون مصطلح “دورة” أكثر ملاءمة لوصف التاريخ الدرامي والمتناقض للغاية مع الاشتراكية. تشكل الحركة الدورية لتراكم رأس المال وعمليات الأزمة (“الأمواج الطويلة”) وكذلك الصراعات الطبقية وتوازن القوى بين الطبقات، البنية الأساسية لهذا التاريخ. ويتضمن هذا أيضاً مسألة كيفية فهم تاريخ الاشتراكية في الدورات المختلفة على أنها سلسلة من عمليات التعلم.

من ناحية، تصبح هذه ضرورية مراراً وتكراراً بسبب الظروف المتغيرة للعمل والنضال في الصراع الطبقي - في سياق تطور الرأسمالية. ومن ناحية أخرى، فإن عمليات التعلم هذه في تاريخ الاشتراكية تشمل أيضاً التعامل مع الهزائم والأخطاء. ويشمل ذلك أيضاً التعلم من المحاولات العملية الفاشلة لتشكيل الاقتصاد والمجتمع والدولة والثقافة خارج الملكية الخاصة وإنتاج الربح والعمل المأجور والاستغلال، وخارج شكل تنظيم الدولة الذي يعمل على تأمين هذا النظام من الحكم الطبقي. من المجتمعات “الشيوعية” في أمريكا في أوائل القرن التاسع عشر إلى القوى العالمية، الاتحاد السوفيتي وجمهورية الصين الشعبية، كان لا بد من استخلاص النتائج من التجربة العملية، من النجاحات والتناقضات وانهيارات الأنظمة الاشتراكية. يشير الحزب الشيوعي الصيني، على سبيل المثال، مراراً وتكراراً إلى أن النجاحات التي حققتها الدولة منذ بدء الإصلاحات في عام 1978 ناتجة أيضاً عن تحليل شامل لـ (أ) أوجه قصور الهيكلية في النموذج السوفيتي و (ب) فشل بيريسترويكا غورباتشوف.

إنّ الحركات الموجية التي أكدت فيها الاشتراكية مراراً وتكراراً مطالبها بتشكيل المستقبل، لا يمكن فصلها في القرن العشرين عن الأزمات والحروب والكوارث التي هزت المجتمع الرأسمالي البرجوازي في أبعاد عالمية. لقد أدت الكوارث الإنسانية التي خلفتها الحربان العالميتان، ما بين الأزمة الاقتصادية العالمية الكبرى وأخيراً الفاشية التي رأت نفسها على أنها خلاص النظام البرجوازي من البلشفية، إلى “موجات” اشتراكية جديدة في نهاية الحروب الكبرى: 1918 و1945 مرتبطة بأمل كثير من الناس في عالم خالٍ من الفاشية والحرب. في القرن الحادي والعشرين، وبعد نهاية المنافسة بين النظامين و”الاشتراكية الفعلية”، لم يتزايد خطر الحرب فقط. بل تشير احتمالات الأزمة في رأسمالية الأسواق المالية العالمية وزيادة احتمالات المخاطر البيئية إلى آفاق كارثة جديدة تماماً. بالنسبة لأنصار علاقات الهيمنة القائمة، يبدو أن عودة الاشتراكية تشكل خطراً أيضاً لأنهم يشعرون بأن إمكاناتها لا يمكن السيطرة عليها بواسطة الآليات الوظيفية لنمط الإنتاج الرأسمالي وآليات السوق الخاصة به. يتبع ذلك حالة عدم اليقين التي لاحظها الصحفيون لبعض الوقت، على سبيل المثال، في القمة الاقتصادية العالمية في (دافوس). ومع زيادة الوعي بالمخاطر العالمية، يزداد كذلك إدراك الكتلة الحاكمة بانها لا تستطيع إيجاد إجابات مناسبة لحلول إنسانية وعادلة لمثل هذه المخاطر.

يعكس تراجع الديمقراطية في الدول الرأسمالية في الغرب انعدام الأمن لدى النخب باعتباره فقدانا للسيطرة (كيتيرير / بيكر 2019) (أكاديميتان المانيتان شابتان مهتمتان بقضايا السلام - المترجم). في اقصى يمين الكتلة الحاكمة، تنمو بالطبع تلك القوى التي حاولت القضاء على الاشتراكية بالقوة منذ بدايتها. وكذلك كانت حملة دونالد ترامب الانتخابية ضد “الاشتراكية”. إنّ المسار الدموي لمناهضة الاشتراكية والشيوعية لا يقتصر بأي حال من الأحوال على تلك الفترات التي اندلعت فيها الثورات البروليتارية في القرن العشرين في نهايات الحروب. خصوصا في ألمانيا، كان منتسبو أجهزة الدولة التنفيذية (الجيش والشرطة والقضاء)، هم من أطلقوا العنان لكراهيتهم للاشتراكية في ثورة نوفمبر عام 1918، وبعدها في الإطاحة العنيفة بحركات وجمهوريات المجالس، وأخيراً في عنف الفاشيين الألمان المفرط ضد أعضاء الحركة العمالية الاشتراكية والشيوعية.

تعلم من التجارب وركز على الجديد

وتنعكس “الموجة الثالثة” بالفعل في بعض التحذيرات المثيرة حول “الخطر الأحمر” وكذلك في “البنية الفوقية” العلمية والثقافية، وفي سياق توازن العلاقات السياسية والمجتمعية الحقيقية للطبقات، لكنها تتحرك في مرحلة جنينية مبكرة. ولم يدفعني الانشغال بهذه “المرحلة” إلى الاحتفال بـ “ولادة” الاشتراكية من جديد “بأسلوب البيان أو للعمل على التنبؤات بالانتصارات المستقبلية”. بدلا من ذلك، عدت مرة أخرى إلى تاريخ الاشتراكية الحديثة منذ أوائل القرن التاسع عشر، من ناحية لالقاء نظرة على العلاقة بين تاريخ الأزمة في المجتمع البرجوازي الرأسمالي وتاريخ الاشتراكية الحديثة، ومن ناحية أخرى، على موجات ودورات، وصعود وهبوط المسارات المختلفة في هذا التاريخ. ان التاريخ مليء بالضرورة بالتناقضات - وهذا هو السبب في أنه يدحض دائماً كل المفاهيم الخطية للتاريخ عن الصعود الذي لا يمكن وقفه للاشتراكية وجميع المحاولات الرامية إلى اختزال تنوع هذه المسارات إلى “نموذج” قابل للتطبيق بشكل عام. لقد ميّزت الأفكار الاشتراكية وتنفيذها العملي نفسها بطرق عديدة منذ البداية. وفي كل حقبة تاريخية يتم في النضال من أجل الاشتراكية إعادة تشكيل القوى والبرامج والاستراتيجيات، فمن ناحية، ينبغي ان يكون واضحا أن الاشتراكية في متغيرات مختلفة، يجب ان تلعب دائما دور “المعارضة الأساسية” في مجتمع ذي نمط إنتاج رأسمالي. ومن ناحية اخرى، تؤدي العلاقة بين النقد النظري والتطبيق العملي في المجتمع والسياسة إلى مجموعة واسعة من التناقضات. من ناحية، يجب التعرف على هذه التناقضات، ومن ناحية أخرى، يجب على الفاعلين في السياسة الاشتراكية، التعامل معها بهدف إلغائها أو تجاوزها. إن تقييم تجارب القرن العشرين قرن “التطرفات” (هوبسباوم) يعلمنا على الأقل، أن معالجة مثل هذه التناقضات في مجال: أ) الاستيلاء على سلطة الدولة، و ب) “اعادة سلطة الدولة الى المجتمع” (إنجلس) يقرر دائماً، ما إذا كان مسار “طبقة – دولة - حزب” (وهو ليس اختراعاً نظرياً، ولكنه محدد مسبقا بشكل موضوعي من خلال هيكل المجتمع الرأسمالي ونظامه السياسي) ينتهي الى طريق مسدود تاريخيا أو يساهم في خلق ظروف تكون فيها الحقوق والحريات الديمقراطية من ناحية، مرتبطة  بالعدالة الاجتماعية، ومن ناحية أخرى مرتبطة بحماية البيئة والطبيعة والأشكال المتطورة للإدارة الذاتية.

المصادر:

Anderson, Perry (1993), Zum Ende der Geschichte, Berlin.

Anderson, Perry (2010), Zwei Revolutionen. Zur historischen Bilanz der Umwälzungen in China und der Sowjetunion, in: Lettre international, 89, S. 43 – 65.

Brie, Michael (2016), Die dritte Welle des Sozialismus. Eine Skizze, in: Sozialismus, 12/2016, S. 56 – 61.

Deng Xiaoping (1949, Selected Works, Vol. III, Beijing.

Deppe, Frank (1991), Jenseits der Systemkonkurrenz, Marburg.

Deppe, Frank (2016), Kapitalismus und Demokratie im neoliberalen Hegemoniezyklus, in: Eberl, Oliver / Salomon, David (Hrsg.), Perspektiven sozialer Demokratie in der Postdemokratie, Wiesbaden 2017, S. 43 – 64.

Deppe, Frank (2019), Überlegungen zum Charakter der politischen Krise, in: Z. Zeitschrift Marxistische Erneuerung , Nr. 117, März 2019, S. 15 – 35.

Deppe, Frank (2020), Brexit schlägt Sozialismus, in: Z. Zeitschrift marxistische Erneuerung, Nr. 121, März 2020, S. 52 – 59.

Dörre, Klaus / Schickert, Christine (2019), Hrsg., Neosozialismus. Solidarität, Demokratie und Ökologie vs. Kapitalismus, München.

Fest, Joachim (1991), Der zerstörte Traum. Das Ende des utopischen Zeitalters, Berlin.

Fukuyama, Francis (1990), Das Ende der Geschichte?, in: Europäische Rundschau, Winter 1990, S. 1 ff.

Honneth, Axel (2015), Sozialismus. Versuch einer Aktualisierung, Berlin.

Ketterer, Hanna / Becker, Karina (2010), Hrsg., Was stimmt nicht mit der Demokratie? Eine Debatte mit Klaus Dörre u.a., Berlin.

Kennedy, Paul (1989),, Aufstieg und Fall der großen Mächte. Ökonomischer Wandel und militärischer Konflikt zwischen 1500 und 2000 (1997), Frankfurt / Main.

Klein, Dieter (2019), Zukunft oder Ende des Kapitalismus. Eine kritische Diskursanalyse in turbulenten Zeiten, Hamburg

Maersheimer, John J. (1990), Back to the Future. Instability in Europe after the cold War, in: International Security, Vol. 15, No.1, S. 5-56.

Miliband, Ralph (1994), Socialism for a Sceptical Age, Cambridge.

Newman, Michael (2002), Ralph Miliband and the Politics of the New Left, Pontypool.

Nikolic, Milos (1985), Ed., Socialism on the Threshold of the Twenty-first Century, London.

Panitch, Leo / Gindin, Sam (2018), The Socialist Challenge Today, London.

Sassoon, Donald (1997), One Hundred Years of Socialism. The West European Left in the Twentieth Century, London.

Streeck, Wolfgang (2013), Gekaufte Zeit. Die vertagte Krise des demokratischen Kapitalismus, Berlin.

Sunkara, Bashkar (2019), The Socialist Manifesto. The Case for Radical Politics in an Era of Extreme Inequality, London/ New York: Verso.

Tooze, Adam (2018), Crashed. Wie zehn Jahre Finanzkrise die Welt verändert haben, München.

Wallerstein, Immanuel u.a. (2014), Stirbt der Kapitalismus? Fünf Szenarien für das 21. Jahrhundert, Frankfurt / New York.

Z-Redaktion (2020), Die Bundesrepublik am Beginn der zwanziger Jahre – „Kontrollverlust“, Krisenfelder, schwache Akteure, in: Z. Zeitschrift Marxistische Erneuerung, Nr. 121, März 2020, S. 21 – 37.

 

  نشر هذا البحث في العدد 127، أيلول 2021 من فصلية “التجديد الماركسي”

 (Zeitschrift Marxistische Erneuerung)

وسجلت هيئة تحرير المجلة الملاحظة التالية: هذه المساهمة مستلة من مدخل كتاب فرانك ديبFrank  Deppe  جديد: “ الاشتراكية - ولادة وصعود، تناقضات وانحدار، وآفاق”، الذي سيصدر قريبا من احدى دور النشر في مدينة هامبورك الألمانية. والنص المنشور مختصر وبعناوين فرعية. ننشر هذا البحث بمناسبة عيد ميلاد فرانك الثمانين، الذي مرّ في أيلول 2021. وفرانك هو أحد الذين ساهموا وتركوا بصمة في تطوير هذه المجلة واستمرارها. وتنتهز هيئة التحرير هذه المناسبة لتقديم الشكر له، كعالم ماركسي ومفكر، وكمستشار مهم وكاتب دائم، على عقود من التعاون الودي والمنتج، والذي نأمل أن يستمر في المستقبل.

*************

*- نشرت هذه الترجمة لأول مرة في العدد 431 – 432 من مجلة الثقافة الجديدة

 

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل