أكد ماركس: "ان اكتشاف دول الذهب والفضة في أمريكا، وإبادة واستعباد ودفن السكان الأصليين في المناجم، وبداية غزو ونهب جزر الهند الشرقية، وتحويل إفريقيا إلى ميدان صيد لتجارة الجلود السوداء، هو ما يميز فجر عصر الإنتاج الرأسمالي. هذه العمليات المثالية هي لحظات رئيسية للتراكم البدائي".

يحتفل الكثير من الاسبان سنويا في 12 تشرين الاول 1492 بابتهاج كبير. ربما لا يعرف الكثير منهم حتى ما يعنيه هذا التاريخ حقًا، وبعيدا عن التوظيف الحزبي والتلاعب الأيديولوجي من قبل الدولة الإسبانية لسنوات طويلة، عندما تصفه بـ"يوم العنصر"، او "يوم السلالة"، وهو تعبير عن كراهية الأجانب إلى حد كبير، أو "يوم اكتشاف العالم الجديد"، وكأن الامريكيتين لم تكونا موجودتين قبل عام 1492، أو كما لو أن هذا الحدث كان يعني شيئًا إيجابيًا للهنود الحمر سكان البلاد الأصليين.

في الواقع يرمز هذا التاريخ المؤسف بالنسبة للكثير من الناس إلى بداية الانحدار والاستغلال والبؤس، على مر القرون، للقارة الأمريكية بأكملها، أولاً من خلال الاستغلال الأوروبي، ولاحقًا من خلال استغلال ورثته.

في 12 تشرين الأول 1492، وصلت السفن الإسبانية بقيادة كريستوف كولومبوس (الذي أثبت في ما بعد مهاراته كقائد ومستغل للعبودية)، وخوان دي لا كوزا (رسام خرائط ثري) والأخوين فيسنتي يانيز ومارتين ألونسو. (ممثلا البرجوازية الأندلسية) سواحل غواناهاني الكاريبية، وهذه معلومة ليست دقيقة للغاية، حيث تجب الإشارة الى ان السفن رست جنوبا على ساحل كايو سامانا، حيث رأى الأمريكيون أول مرة صلبان ورايات الغربيين المجهولين. رأوا ذلك دون ان يتخيلوا ما تعنيه تلك اللحظة من كارثة حقيقية بالنسبة لحضارتهم.

لقد بدأ على الفور أبشع غزو واستعمار ونهب جماعي في التاريخ. في البداية، ركز الغزاة على سرقة المجوهرات والأشياء الثمينة، بعدها انتقلوا الى نهب مناجم المعادن الثمينة، بواسطة تحويل سكان البلاد الى عبيد وعمال سخرة. وسرعان ما تدهور مستوى معيشتهم، عكسه الارتفاع غير المسبوق لمعدلات الوفيات خلال فترة قصيرة جدا.

في هذا السياق، لا ينبغي التأكيد على مسؤولية جنود الغزاة فقط، بل يجب التأكيد أيضًا على مسؤولية كريستوف كولومبوس نفسه، الذي أسس أول حكومة أجنبية في أمريكا. واستمر حكمه في جزر الكاريبي (حيث لم يتم استكشاف القارة الأمريكية بعد) من عام 1492 إلى 1500، وهو الوقت الذي استخدمه كولومبوس لإثرائه الشخصي والعائلي، من خلال السلطة المطلقة التي مُنحت له، في معاهدات استسلام سانتا في 17 نيسان 1492.

وهكذا بدأ كولومبوس حكمه في أمريكا بقبضة حديدية. لكن الوضع الاقتصادي أصبح لا يطاق. وانخفضت قيمة الذهب والفضة ورأى حاجة البحث عن مورد آخر. ولم يتأخر بديله طويلاً، فكانت تجارة العبيد، بتحويل سكان البلاد الأصليين (الهنود الحمر) الى سلعة، باعتبارها الأسلوب الامثل لمواصلة الربح الاقتصادي من المستعمرات الأمريكية الجديدة. وتم نقل عدد كبير من السكان الأصليين إلى شبه الجزيرة الأيبيرية في وقت قصير ليتم بيعهم واستعبادهم في أراضي التاج. وأدى هذا منطقياً إلى رد فعل عنيف من المقاومة والرفض من جانب السكان الأصليين، الذين ثأروا في منتصف عام 1493، بعد معاناة من الاستغلال وانتهاكات الغزاة، فدمرت "فورت نافيداد"، أول مستعمرة أوروبية في الامريكيتين.

ونتيجة لهذا الوضع، الذي بالغ كولومبوس في توظيفه، قررت الملكة إيزابيلا ملكة شبه الجزيرة الإبيرية (اسبانيا والبرتغال حاليا) تعليق تجارة الرقيق غير الإنسانية ووضع حد للعبودية، على الرغم من أننا سنرى لاحقًا أنها فعلت ذلك ليس لأسباب إنسانية، ولكن للحد من السلطة المطلقة التي تمتع بها كولومبوس، ولتقوية التاج اقتصاديا على حساب الأخير.

ومع ذلك، فإن تصور كولومبوس لم يختف مع ابعاده في عام 1500 بل انتقل إلى من خلفه من السياسيين، مثل حكومة رجل الدين فراي نيكولاس دي أوفاندو (1502-1509)، الذي نظم الجيوب الكاريبية إداريا، اقتصادياً وسياسياً، لكنها واصلت إجراءاتها العنصرية ضد السكان الأصليين. اعتمد نظام عمل قسري عبودي للسكان الأصليين، وفرض توارثه على العوائل المستعبدة، في عودة الى طقوس القرون الوسطى.

يقوم هذا النظام على استخدام التاج للشعوب الأصلية واستخدامهم كعمال رقيق ولتحقيق مكاسب اقتصادية من قوة عملهم بواسطة الاستغلال المطلق. وكأن هذا لم يكن كافيا، فقد عمل الغزاة على نقل الثقافة المسيحية الغربية ولغاتهم القومية الى البلاد المحتلة، لمحو ذاكرة السكان الأصليين، عبر عملية غزو وتكييف ثقافي للشعوب المستعمرة.

واستخدمت أنظمة أخرى للسيطرة على السكان الأصليين، مثل نظام Reparto (أي اجبار السكان الأصليين على شراء السلع المعروضة من الغزاة بأسعار باهظة، وتسديدها اما بالمال او الأرض او العمل)، وبالتالي إجبارهم على العمل في القرى أو المستوطنات. وكانت العائلات الأرستقراطية، ذات الألقاب الرفيعة في جماعات الهنود الحمر تستثنى من ذلك، على أساس عقلية طبقية واضحة، أو نظام Yanaconaje ، اي شبه عبودية (حيث لم يثبت بموجب القانون)، أو العبودية المباشرة، عبر عبودية العمالة السوداء كسلعة مستوردة من إفريقيا، وكبديل للإبادة الجماعية للسكان الأصليين، التي طالبت بها قطاعات مختلفة من مجتمع الغزاة، ووافق عليها، وبشكل غير مباشر، اشهر قادة مقاومة الهنود الحمر، فراي بارتولومي دي لاس كاساس.

وبمرور الوقت وبواسطة منهجية الغزاة، تم تشكيل مجتمع طبقي كلاسيكي وعنصري، ما أرسى الأساس للمجتمع المستقبلي والذي لا تزال هذه البلدان حتى اليوم متمسكة به. هذا هو ما يسمى بمفهوم "لون البشرة"، الذي وصفه المستكشف ألكسندر فون همبولت بدقة في القرن الثامن عشر عندما قال: "في أمريكا، تحدد البشرة البيضاء بشكل أو بآخر مرتبة الفرد في المجتمع".

وهكذا، ومنذ بدايات القرن السادس عشر، بنيت العلاقات الاجتماعية في الأمريكيتين على عوامل عرقية بحتة، تعرض بموجبها غالبية المجتمع للتمييز الاجتماعي.

وعلى الرغم من إصدار قوانين بورغوس (1512) والقوانين الجديدة (1542)، التي لم يعد السكان الأصليون بموجبها عبيدًا، لكن عدم المساواة بحقهم استمرت. واستمر استغلالهم، واجبروا على دفع ضرائب باهظة لمجرد أنهم سكان البلاد الأصليين. لقد تعرضوا للتمييز الاجتماعي من قبل النخب الغربية وابنائهم المولودين في أمريكا، وواجهوا تجاهل ورفض الحاكمين تماما. لقد عزلوهم عن بقية السكان فيما كان يُعرف آنذاك باسم (Reducción a pueblos)، والتي تسمى اليوم غيتو، على أساس هرمية منظمة ومراتبية اجتماعية.

كان وضع "العبيد" السود أكثر سوءا لأنهم كانوا يُعتبرون عبيدًا أيضًا، تم ترحيلهم، وكانوا في افريقيا "يُطاردون" بالمعنى الحرفي مثل الحيوانات. لقد جلبوا إلى أمريكا للقيام بالأعمال الشاقة والأكثر صعوبة في ظل ظروف نظافة وتغذية سيئة؛ لقد حُرموا من حريتهم وعُملوا كأدوات وسلع، ولم يعاملوا أبدا كبشر. وكان هذا موضع سرور الغزاة. تماما كما برر الجنرال الأمريكي جورج أ. كاستر لاحقًا ذبح السكان الأصليين في أمريكا الشمالية بالقول إنهم لا يُعتبرون بشرا لأنهم لا روح لهم وليسوا مسيحيين. كان هذا خطابا أخلاقيا يستخدم بكثرة حينها.

أدت هذه العملية منطقيا إلى كارثة ديموغرافية حقيقية للسكان الأصليين: لقد تم القضاء على 90 في المائة من السكان الأصليين في الـ 150 العام الأولى للغزو وحده (90 مليون انسان). والنظرية الأكثر شهرة حول هذه الحقيقة هي ما يسمى بأطروحة القتل التي طرحها فراي بارتولومي دي لاس كاساس في كتابه المهم "تقرير موجز عن الدمار الذي أصاب دول غرب الهند". وكان السبب الرئيسي لانخفاض عديد السكان هو التعذيب المستمر، سوء المعاملة والقتل والسخرة ، فضلاً عن أوجه قصور  التغذية والظروف الصحية التي عانى منها السكان الأصليون منذ وصول الغربيين. ولهذا فإن تقارير الفظائع التي ارتكبها الغزاة، والتي وصفها بالتفصيل في كتابه، واضحة تمامًا.

إن معاملة الغزاة للسكان الأصليين واضحة جدًا في وثائق وشهادات مصادر الغزاة انفسهم، مثل ما يسمى بـ "ريكيرمينتو"  (الإعلان الملكي)لعام 1513 ، حيث نص على:

"إذا لم تخضعوا وتحاولوا المماطلة بخبث، فسأعمل بقوة ضدكم وأشن حربًا عليكم وأفرض عليكم الولاء والطاعة الكنيسة والتاج، وأجعل زوجاتكم وأولادكم عبيدًا. وابيعهم واخذ منكم بضاعتكم والحق بكم الأذى وكل الشرور التي أستطيعها، وكل هذا بسبب ذنوبكم".

في كتابه "شرايين أمريكا اللاتينية المفتوحة"، يشير إدواردو غاليانو (كاتب وروائي وصحفي من الأورغواي) إلى أن نهب منجم بوتوسي وحده جلب أرباحا ضخمة لأوروبا، وكانت كمية الفضة المستخرجة منه كافية لبناء جسر فضي بين أمريكا وأوروبا. وكان من الممكن بناء جسر آخر بجثث السكان الأصليين المستعبدين في المنجم: سقط ثمانية ملايين من السكان الأصليين ضحية للاستغلال من قبل الإسبان في المرحلة الأولى جراء نهب بوتوسي. وكان متوسط العمر المتوقع لرجل مستعبد من السكان الأصليين في منجم بوتوسي شهرين (بعد فترة الاستعباد هذه يتوفى الرجل، ويستبدله بمستعبد آخر من السكان الأصليين).

وبالمثل، التهم منجم أورو بريتو في البرازيل حياة ملايين الافارقة وجلب للغزاة رؤوس الأموال الضرورية للرأسمالية الأوروبية. وعندما كانت شبه الجزيرة الأيبيرية مثقلة بالديون بسبب "حروبها المقدسة"، حصد المصرفيون الأوروبيون كل هذه الثروة الغارقة في دماء البشر وآلامهم.

وفقًا لسيسيليا زاموديو (فنانة وكاتبة كولومبية)، فإن 12 تشرين الأول يمثل أيضا بداية قيام الأوربيين بالترحيل الجماعي للافارقة إلى أمريكا: تم ترحيل ما لا يقل عن 33 مليون أفريقي، توفي ثلثاهم على المعابر الشنيعة، والثالث الباقي مات في الامريكيتين، وتم كذلك استعباد أحفادهم لعدة قرون. لقد راكمت الطبقة الأرستقراطية والبرجوازية الأوروبية أعظم ثروة في كل العصور عبر نهب القارة الأمريكية، وترحيل واستعباد الملايين من الناس، والإبادة الجماعية والتعذيب.

كان هذا التراكم غير المسبوق للثروة هو الذي مكّن الإمبريالية الأوروبية من ترسيخ هيمنتها حول العالم، والسير قدما بالثورة الصناعية وترسيخ نفسها حتى يومنا هذا كمركز للرأسمالية. كما تطورت الولايات المتحدة، وهي مستعمرة بريطانية سابقة للمستوطنين، كسلطة رأسمالية بواسطة العمل بالسخرة. ولا يزال أحفاد مالكي العبيد والمصرفيين الذين جمعوا ثروتهم من خلال الإبادة الجماعية والرق من بين أكبر مالكي الثروات في أوروبا والولايات المتحدة.

*- خورخي مولينا أرانيدا: أستاذ العلوم الاجتماعية واللغة والتواصل، في تشيلي، ويكتب للعديد من منابر الاعلام في أمريكا اللاتينية. ومساهمته نقلا عن موقع "أمريكا 21 " الألماني.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل