/
/
/
/

دفع صعود اليمين المتطرف في أوربا بمفهوم الشعبوية الى المقدمة. لكن الامر لا ينحصر باوربا، فالشعبوية سياسة وخطابا موجودة في جميع ساحات الصراع الفكري والسياسي في العالم. واذا كان سهلا في البلدان المتقدمة والمستقرة التمييز بين قوى اليسار واليمين، وبالتالي تحديد موقفها من الشعبوية، فان الامر يبدو صعبا في البلدان التي تعاني من الخراب الاقصادي والاجتماعي، والتي تمر بمرحلة انتقالية. فالكثير من الفاعلين السياسيين في هذه البلدان يفتقدون الهوية الفكرية الواضحة، ويتعاملون مع المفاهيم والمناهج بطريقة انتقائية، ولا يمتلكون ادوات التحليل المطلوبة.
مع ذلك فان الباحثين والمختصين في البلدان المتقدمة يمثلون معينا لمجتمعاتنا للاقتراب من هذه المفاهيم، وما يرتبط بها او يؤثر فيها من موضوعات فكرية.
في عددها الصادر في حزيران 2019 نشرت "مجلة روزا لوكسمبورغ"، الصادرة عن مؤسسة روزا لوكسمبورغ التابعة لحزب اليسار الالماني، حوارا مع عالم الاجتماع والاكاديمي الفرنسي إريك فاسين تناول فيه طبيعة مفهوم الشعبوية، والتباين المنهجي في موقف اليسار واليمين من مفهومي الشعبوية والشعب. واليسار عند الكاتب يعني بمعناه الواسع جميع القوى التي تقف على يسار اليمين التقليدي، اي انه يشمل ايضا احزاب الديمقراطية الاجتماعية ، ولا ينحصر عنده باليسار الجذري.
في مايلي عرض لأهم الموضوعات الفكرية التي تضمنها الحوار.

الاهتمام بالشعبوية

لقد حدث شيء ما في الخطاب السياسي في فرنسا وعموم اوربا. واستخدم مصطلح الشعبوية في فرنسا طوال سنوات للتنديد بصعود اليمين المتطرف. والخطر في رفض الشعبوية يكمن في كونه لا ينحصر في رفض اليمين المتطرف، بل يشمل الشعب ايضا، اذا افترضنا ان الشعب، وهذا يعني الطبقة العاملة ايضا، يستسلم لاغراء العنصرية والعداء للاجانب وغيرهما. ولفترة طويلة كانت الشعبوية تمثل وصمة عار اليمين المتطرف.
ومنذ حوالي عام 2010 برز اهتمام إيجابي آخر بالشعبوية، مصدره اليسار. هكذا كان الحال مع حزب بودومس في اسبانيا، وفي فرنسا عكسه التغيير في استراتيجية جان لوك ميلنشون، الذي تحول من استراتيجية يسارية صريحة عبر تأسيس "حزب اليسار"، واشتراكه في جبهة اليسار مع الحزب الشيوعي الفرنسي، حيث الرايات الحمراء ونشيد الأممية، الى استراتيجية مختلفة، مستوحاة بشكل خاص من الفيلسوف شانتال موف، جسدتها حركة "فرنسا الأبية". وتعتمد هذه الاستراتيجية الشعبوية على افتراض استخدام لحظة تاريخية خاصة يطلق عليها شانتال موف "لحظة شعبوية"، كرد فعل على "اللحظة الليبرالية الجديدة"، التي صاغها قادة سياسيون مثل رئيس الوزراء البريطاني الاسبق توني بلير، ورئيس وزراء اسبانيا الاسبق لويس رودريغز ثاباتيرو ، والمستشار الألماني الأسبق كيهارد شرودر، والديمقراطية الاجتماعية الفرنسية بشكل عام. هذه اللحظة الليبرالية الجديدة جعلت السياسة غير مرئية بشكل غريب، ومن أجل جعلها مرئية وإعادة اكتشافها، من الضروري التركيز على تناقض جديد قائم بين الشعب والنخب.
ولهذه الاستراتيجية "الشعبوية اليسارية" عيب يتمثل في أن سمة "اليسار" تصبح ثانوية و"الشعبوية" تصبح هي الجوهر. الشعبوية هنا هي المسمى، وتحتل المقام الأول، واليسار ليس اكثر من توصيف، وبالتالي هناك ضرورة لنقاش داخل اليسار حول لمن الأولوية. بمعنى آخر هل نحن يساريون في المقام الأول ام شعبويون؟ وهل نريد الانطلاق من تقسيم المجتمع الى "نخبة" و"شعب"، ام الى يسار ويمين؟ بعبارة اخرى: هل نتبنى تقسيما اجتماعيا للتميز بين مجموعتين اجتماعيتين، ام تقسيما فكريا بين رؤيتين مختلفتين للعالم ؟
هنا من الضروري لليسار ان يتبنى التناقض السياسي المبني على تحليل اجتماعي.

اليسار والشعبوية

ليس في مصلحة اليسار ان يكون شعبويا، فعندما يصبح الفصل بين اليسار واليمين شأنا ثانويا، يبدأ الاعتقاد بان مفهوم "اليسار" و"اليمين" ليس مهما. فلماذا اذن ينبغي على الناس التصويت لليسار؟ وليس ضروريا أن يؤمن الناس الذين يدعمون اليمين، بالتناقض القائم بين اليسار واليمين. فلا يجب أن يقول اليمينيون انهم يمينيون، لكي ينتخبوا حزبا يمينيا، وفي المقابل يجب على اليساريين ان يعرفوا انفسهم باليسار، وعليهم أن يعتقدوا أن هناك بديلا ! يمكن لليميني ان يقول "انا واقعي، ولا املك أيديولوجيا ، واتكيف مع الواقع ". هذه البراغماتية اليمينية بالنسبة لليسار غير ممكنة. فان تكون يساريا لا يعني فقط القبول بالواقع، بل يعني ايضا طرح وجهة نظر مختلفة، وبديلة للواقع.
في عالم اليوم، عالم الليبرالية الجديدة، وشعار ماريغريت تاتشر "لا بديل"، فان ما تمت الاشارة اليه مهم للغاية. فهذه النظرة اليمينية أصبحت في نهاية المطاف وجهة نظر الديمقراطية الاجتماعية، إذ انضمت الديمقراطية الاجتماعية إلى واقعية الليبرالية الجديدة في أوروبا والولايات المتحدة وأماكن أخرى. ويمثل التخلي عن التناقض بين اليمين واليسار، بحجة مكافحة التحول نحو اليمين، مشكلة بحد ذاته. لان اهمال هذا التناقض والاعتقاد بان الناخبين ما عادوا يهتمون به ، يعني ان على اليسار ايضا التخلي عنه. بالطبع هناك سبب وجيه يجعل الناخبين يجدون صعوبة في الاعتقاد بالتناقض بين اليمين واليسار: فقد تكوّن لديهم انطباع بأن السياسة بقيت على حالها، بغض النظر عمن صوتوا لصالحه - سواء كانت سياسات اقتصادية او السياسة المتعقلقة بملف الهجرة. وفي جميع القضايا التي تنظم الحياة السياسية اليوم، لم يكن الفرق واضحًا. وإذا أردنا أن يؤمن الناس بالديمقراطية، فإن التحدي يكمن في خلق سياسة وعقيدة مرة أخرى، خلق بديل يميز بين اليمين واليسار، بين القيم المختلفة. وتنتج عن ذلك استراتيجية مختلفة تماما عن استراتيجية الشعبوية اليسارية.
يبدو ان اليسار الشعبوي يفترض وجود عدد نهائي ومحدد من الناخبين، ومن الذين يشاركون في عملية الاقتراع، ويأمل في جذب بعض ناخبي اليمين الشعبوي الى صفه. وهنا يكمن الافتراض بان كلا المعسكرين الشعبويين لديهما جوهر واحد، وذلك هو الذي يسميه شانتال موف "جوهرا ديمقراطيا". انما ليس صحيحا ان ناخبي مارين لوبان يوحدهم "جوهر ديمقراطي". ولا يختلف الامر بالنسبة لناخبي اليمين المتطرف في البلدان الاخرى. فناخبو ترامب يتبعون إغراءا فاشيا. وينطبق الشيء نفسه على
ناخبي بولسونارو في البرازيل، أو أوربان في هنغاريا أو أردوغان في تركيا. وبالتالي ليست هناك مشتركات بين اليسار واليمين الشعبوي. وعليه ينبغي ان لا يسود اعتقاد خاطئ بامكانية تحويل استياء اليمين الى غضب او تمرد يساري. لان الامر هنا يتعلق بتوظيف الاستياء ضد المهاجرين والأقليات الدينية أو الجنسية أو العرقية، وهذا الواقع يمكننا رؤيته من البرازيل إلى الولايات المتحدة وصولا الى هنغاريا .
وهذا لا يعني التخلى عن تغيير العالم، أو تغيير ميزان القوى في ديمقراطيات اليوم. ولكنه يعني ان الاحتياطي الاكبر هو أصوات الاكثرية الصامتة. في حين يبدو ان استراتيجة اليسار الشعبوي تنطلق من وجوب نقل الناخبين من معسكر الى آخر. ان على اليسار تبني استراتيجية مختلفة، تقوم على كسب اصوات الاغلبية الصامتة، لأنها منزعجة من السياسة وتعتقد بعدم امكانية تغيير أي شيء. يجب ان يقال لهؤلاء ان السياسة مفيدة، لانها تقدم رؤى مختلفة الى العالم. وهؤلاء ليسوا الناخبين التقليديين، او الذين يصوتون للاحزاب الفاشية. ان الاغلبية الصامتة هي من الشبيبة، واكثرهم من الطبقة العاملة، وهم قوة تصويتية ضيّعها اليسار. وهم ليسوا هذا الشعب من "البيض" الذين يحتفل به اليمين، بل هم شعب متنوع: هناك بعض "البيض"، ولكن هناك الكثير الآخر، إذا كان اليسار يراهن على هذا الشعب - شعب يساري ليس له "لون" واحد ، بل بشرات متنوعة، يمكنه أن يأمل في بناء بديل ديمقراطي. ليس فقط عبر سياسة اقتصادية أو سياسة هجرة مختلفة، بل أيضا على اساس تعريف مختلف للسياسة، ورؤية مختلفة للشعب. ان الشعب الذي يحلم به اليمين لا يمكن أن يكون نفس الشعب الذي ينبغي ان يحلم به اليسار.

اكثرية اليمين المتطرف الفرنسي

حقق اليمين الفرنسي المتطرف نجاحات، وكذا الحال في العديد من البلدان الأوربية الأخرى، وتعددت القراءات والتحليلات للحدث. وعند تناول الاسباب يمكن الاشارة الى ما يلي: أولاً ، نصف الذين يحق لهم التصويت لم يشتركوا في التصويت، ولذا فان من صوت لصالح لوبان ليس أغلبية السكان، بل أغلبية الذين اشتركوا في التصويت. وهذا اختلاف كبير يجري على الدوام نسيانه، عندما يجري الحديث عن الانتخابات. والسبب الثاني هو غياب البديل الحقيقي للسياسة التقليدية السائدة، فلماذا اذن لا ينتخب الناس اليمين المتطرف؟ وهذا ما يفسر لنا وضع اليمين واليسار في سلة واحدة. ومن الذي يصر تاريخيا على خطاب "لا يمين ولا يسار"؟ انهم اليمينيون. وكيف يستطيع المرء تجاوز التناقض بين اليمين واليسار؟ مع اليمين. وهذا ليس مفاجئا.
وبالتاكيد يملك الناس اسبابا جيدة لعدم القناعة بالسياسة الراهنة. ولكن ليس الناس الطيبون وحدهم يخطئون. ولهذا السبب بالتحديد لا يجوز التنازل عن ناخبي اليمين المتطرف، بل يجب اخذهم بكامل الجدية. هؤلاء الناخبون يعرفون جيدًا ماذا يفعلون، لديهم رغبة معينة في مهاجمة المهاجرين ومهاجمة فرنسا "غير البيضاء" ، فرنسا "السوداء"، فرنسا "العربية". من المهم جدا أن نفهم أن اختيار اليمين المتطرف ليس عرضًا من أعراض المعاناة الاجتماعية، بل قرار أيديولوجي ينطوي على الرغبة. ولذا يجب مكافحة هذا القرار، بدلا من التعاطف او تفهم "مصيبة" ناخبي اليمين المتطرف! قد يعاني البعض منهم، ولكن القليل فقط. ومن الواضح أن الكثيرين لا يعانون بشكل استثنائي. وهناك كثير من الناخبين الآخرين الذين يعانون، ولكنهم ما زالوا لا يصوتون لليمين المتطرف. ويجب ان لا نحصر الناخبين بدور
الضحية. يجب أن يُحترموا ويعترف بهم كفاعلين سياسيين، بمن فيهم أولئك الذين نكرههم والذين لدينا خلافات عميقة معهم. وهؤلاء الناس ليسوا مجرد ثمرة لظروفهم المادية.

اليسار و"اللحظة الفاشية"

من المفيد تغيير الصياغة: فبدلاً من تخيل "لحظة شعبوية" تعطي الانطباع في النهاية بوجود خلفية مشتركة بين اليمين واليسار، من المهم أن نقول أننا نواجه "لحظة فاشية جديدة". فحضور اليمين واضح جدا، على الرغم من أن العديد من المعلقين على نتائج انتخابات البرلمان الأوربي في فرنسا يميلون الى الاعتقاد أن الأمر "كان يمكن أن يكون أسوأ"، وأن اليمين المتطرف بزعامة لوبان (الجبهة الوطنية أو "التجمع الوطني"، كما يطلقون عليه الآن) كان يمكن أن يحقق نتيجة أعلى. ما يقلق أكثر هو التعامل مع الحدث وكأنه امر عادي، وبالتالي غياب السخط على احتلال اليمين المتطرف المرتبة الأولى في فرنسا في انتخابات البرلمان الأوربي. وللاجابة على السؤال التاريخي "ما العمل؟" نقول: أولاً التوجه نحو الاغلبية الصامتة . ثانيًا طرح بديل. ثالثا ، عدم التقوقع في إطار الدولة الوطنية، لان اوربا اليوم بطريقة او اخرى ساحة عمل لشعبويين يمينيين أو فاشيين جدد، يقترحون شكلاً سياديا قوميا، أو قوميا ليبراليا جديدا إلى حد ما. هناك حاجة لهذه المهام الثلاث. إنها ليست مهمة سهلة بالطبع، ولكن هذا ما يجب القيام به. يجب أن يقال بوضوح ان السياسة ليست مجرد انعكاس للواقع - لا الواقع الاقتصادي ولا واقع الناخبين ؛ السياسة تعني دائمًا خلق رؤى للعالم، بما في ذلك رؤى بديلة. وهناك حاجة إلى التفكير على المستوى الأوروبي في كيفية إنتاج خطاب بديل حول مواضيع مختلفة.
وينطبق هذا على الاقتصاد ايضا: كيف يمكن تصور بديل حقيقي مرة أخرى؟ يجب خلق إمكانية الاختيار ثانيةً - وهذا هو الشيء الجوهري.
ولا يختلف الامر عند التعامل مع ملف البيئة، ففي فرنسا وألمانيا يتزايد طرح موضوعة: ان المسألة البيئية ستتجاوز، بطريقة أو بأخرى، التناقض بين اليمين واليسار. ولهذا من المهم جدا التفكير في كيفية بناء سياسة بيئية يسارية. وهذه السياسة لا تتماثل مع سياسة اليمين. وإذا طُمس هذا الاختلاف ، فستتعزز نظرة ما بعد الأيديولوجيا للعالم، ومن شأن هذا أن ينكر جوهر السياسة الديمقراطية.
ربما يكون الملف الأكثر تفجرا هو ملف الهجرة. هنا أيضا انضمت الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية إلى نوع من الواقعية، كما يقولون. "بالطبع نريد أن نكون كرماء، لكن لا يمكننا أن نكون كذلك بسبب الأزمة الاقتصادية". وتلخص صياغة فرنسية الموقف بوضوح: "لا يمكننا استيعاب كل البؤس في العالم". ان على اليسار اعلان القطيعة مع هذا الخطاب، الذي لا يعكس الواقع ويلتزم برؤية للعالم تدعم اليمين المتطرف. ومن المهم جدا عدم الاستسلام لهذه "السذاجة" التي يوحي بها اليمين - والقول ان كل شيء جيد وكل شيء هو الأفضل في أفضل عالم. إن الامر يكمن في التمييز بين سياسة هجرة يسارية واخرى يمينية، إنهما مختلفتان جوهريا! ومع ذلك، غالبًا ما تتبنى أحزاب "يسارية" اليوم نسخة ضعيفة من السياسة اليمينية: أقل قسوة قليلاً، وأكثر انفتاحًا قليلاً، وأكثر خبرة قليلاً، ولكنها تنطلق بشكل أساسي مع نفس المنطق، أي من افتراض أن "الهجرة مشكلة".
يتبنى اليمين افتراض أن "الهجرة مشكلة" ولا يمكن لليسار الاستناد إلى نفس الفكرة، لان ذلك يعني تبني خطاب اليمين وتعزيز مواقعه. وهذا لا يعني تبسيط الامر، فعلى اليسار ان يتعامل مع الهجرة على انها مشكلة اجتماعية اقتصادية، ويعمل على حلها، باعتبار ذلك احدى المهام التي تواجه عالما متضامنا، وليس "مشكلة هجرة" بالمعنى العنصري الذي يطرحه اليمين.
قد يصبح الفارق اكثر وضوحا عند مقارنة ملف البطالة بملف التعليم: نريد القضاء على البطالة لأنها مشكلة. وعند تناول مشاكل المؤسسات التعليمية، لا أحد يقول أنه يجب علينا القضاء على هذه المشاكل. ولكن في هذه المؤسسات مشاكل يجب حلها. فهل رؤية اليسار تتطابق مع رؤية اليمين التي تقول ان الهجرة مشكلة، ويجب القضاء عليها؟ ام ان رؤية اليسار تقول: نعم هناك مشاكل مرتبطة بالهجرة، ويجب حلها مثل المشاكل التي يواجهها نظام التعليم؟
ان التعامل فكريا مع التناقض بين اليسار واليمين، يعني بالنسبة لليسار اليوم طرح برنامج ثقافي فكري نشيط، برنامج لا يكون مادة جاهزة تصلح للاجابة على كل الاسئلة، بل يجب تحديثه باستمرار لمواجهة الأسئلة الجديدة.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل