
يا هذا، تمهّل قبل أن تطرق باب هذه السيرة، فإن الأبواب التي يفتحها محمد حيّاوي لا تؤدي إلى غرف مألوفة، ولا تفضي إلى حياة يمكن جمعها في تاريخ ميلاد، وشهادة دراسة، وقائمة كتب، وجوائز تتلألأ على رفّ بعيد. تلك علامات يضعها الناس على ظاهر الطريق كي لا يضلوا، أما الطريق نفسه فشيء آخر؛ طين وماء، نار ورماد، وطن يضيق بأبنائه حتى يقذفهم إلى الجهات الأربع، وذاكرة تظل تسير وراءهم ولو قطعوا البحار. سيرة حيّاوي ليست خبرا عن كاتب خرج من الناصرية وأقام في أمستردام، بل ملحمة روح شطرتها الجغرافيا ولم تستطع أن تقسمها، وحكاية رجل حمل الجنوب العراقي في لغته كما يحمل الجندي رايته الأخيرة بعد سقوط المعسكر كله. لا تقرأه بعين من يعدّ مؤلفاته، بل بعين من يصغي إلى وقع أقدام الغريب حين يعود في المنام إلى بيت لم يعد موجودا. ولا تسأل كيف صار روائيا، فالسؤال أعمق من ذلك؛ اسأل كيف استطاع أن يبقى إنسانا في زمن كانت الحرب فيه تأكل ملامح الناس، وكان المنفى يعيد تشكيلهم على صورة لا يعرفونها. لقد كان الحرف عنده سفينة، لكنه كان بحرا أيضا، وكان نجاة، لكنه ظل يحمل في جوفه احتمال الغرق. كتب كي يثبت أن للغائب ظلا، وللمقتلع جذرا، وللمدن التي تُهدم سرا لا تستطيع الجرافات بلوغه. وبين ماء الناصرية وظلال أمستردام، ظل محمد حيّاوي يرفع مصباح السرد عاليا، لا ليهتدي وحده، بل لكي يرى الذين اقتلعتهم الريح أنهم لم يتحولوا إلى عدم، وأن الطريق، مهما طال، يستطيع أن يصير حكاية.

الفتى الذي خرج من ألواح الطين حاملا جمرة الرؤية
وُلد محمد حيّاوي في الناصرية، والولادة في تلك الأرض ليست دخولا هادئا إلى العالم، بل ميثاق قديم بين الطفل والطين، بين العين والماء، بين الذاكرة وما تبقى من خطى السومريين على ألواح لم تكتمل قراءتها. هناك، في جنوب العراق، لا يجيء النهر وحده، بل يحمل معه أصوات الذين عبروا قبله، ولا تقف النخلة في الحقل شجرة وحسب، بل شاهدة ترفع رأسها فوق تعاقب الخراب. الشمس تعطي من نارها ولا تسأل، والفقر يعلّم أبناءه أن يصنعوا من القليل حياة كاملة، وأن يكتبوا على جلودهم حين يشح الورق. في ذلك الفضاء فتح حيّاوي عينيه، فرأى الأشياء قبل أن يعرف أسماءها، وأصغى إلى الصمت قبل أن يتعلم ترتيب الكلمات. كانت الناصرية مدرسته الأولى، لا بمعنى الصفوف والسبورات، بل بمعنى الرائحة واللون وانكسار الضوء فوق الماء. منها أخذ حساسيته تجاه المهمشين، وامتلأت ذاكرته بأولئك الذين يعبرون الحياة من دون أن تتوقف عندهم دفاتر المؤرخين. بائع يطارد رزقه عند الفجر، امرأة تخبئ حزنها تحت عباءة داكنة، طفل يركض حافيا وراء طائر، ورجل يعود من حرب ولا يعرف أهله أي رجل عاد إليهم. هؤلاء لم يكونوا عابرين في ذاكرته، بل البذور الأولى لمملكته السردية، والوجوه التي ستظهر لاحقا بأسماء مختلفة، محتفظة بذلك الحزن الجنوبي الذي لا يصرخ، لكنه يستقر في العين كما يستقر الملح في الماء.
يا هذا، لا تحسب أن الميلاد مجرد رقم في سجل النفوس. بعض الناس يولدون مرة واحدة، وبعضهم يظلون يولدون كلما كسرتهم الحياة وأعادت جمعهم في هيئة جديدة. ولد حيّاوي في الناصرية، ثم ولد في أول نص كتبه، ثم ولد حين غادر العراق، ثم ولد مرة أخرى حين وقف في بلاد بعيدة يحاول أن ينطق اسمه بلغة لا تعرف النخيل ولا تنطق الحاء كما تنطقها أمهات الجنوب. كان منذ صباه يملك عينا ترى ما يتوارى خلف الظاهر. ينظر إلى البيت فلا يرى جدرانه فقط، بل يسمع ما أخفته الغرف من خصومات ومصالحات، ويرى الغائبين يجلسون في أماكنهم القديمة. ينظر إلى الماء فلا يراه نهرا يمضي، بل ذاكرة تتدفق، محملة بوجوه القرى وأسرار الأهوار وخوف الأمهات من طرقات الليل. وينظر إلى الإنسان فلا يكتفي بما يقوله، بل يتتبع الصمت الذي يتسرب بين كلماته، لأن الحقيقة عند السارد الخلاق لا تسكن في الكلام وحده، بل في المسافة المرتجفة بين العبارة وما عجزت العبارة عن حمله. هناك بدأت غربته الأولى؛ أن يرى ما لا يراه الآخرون، وأن يسمع في ضوضاء السوق نشيجا خفيا لا يسمعه سواه. وتلك نعمة المبدع ومحنته معا، إذ تمنحه الرؤية عالما أوسع، لكنها تحرمه طمأنينة الذين يمرون بالأشياء من دون أن تثقل أرواحهم بمعانيها.
تخرج حيّاوي في معهد الإدارة، كأن الحياة أرادت أن تدفعه إلى عالم الملفات والأرقام، وأن تجعله واحدا من أولئك الذين يرتبون الأشياء في أدراج محكمة. غير أن الروح التي نفخت فيها ريح الحكاية لا تستقيم طويلا داخل جدول، ولا تقبل أن تتحول الحياة في عينيها إلى معاملات واردة وأخرى صادرة. كانت الإدارة تعرض عليه نظاما جاهزا، فيما كان السرد يفتح أمامه الفوضى الخصبة للإنسان؛ التناقض الذي لا يحل، والرغبة التي تناقض نفسها، والذاكرة التي تكذب لتنجو، والحقيقة التي تتنكر كي تستطيع المرور. لم يرفض ما درسه، لكنه أدرك أن مصيره في مكان آخر، فمال إلى الصحافة الثقافية، وهناك وجد الممر الذي يفضي من الواقع إلى اللغة. كتب وحرر، وراقب كيف تتحول الحادثة إلى خبر، وكيف يمكن لجملة واحدة أن ترفع إنسانا أو تدفنه، وكيف تتخفى السلطة في ترتيب الكلمات بقدر ما تتخفى في القرارات. تعلم من الصحافة يقظة العين، واقتصاد العبارة، والإصغاء إلى نبض اللحظة، لكنه لم يكتف بسطح الوقائع؛ كان يريد النزول إلى البئر التي تتكون فيها الحكاية قبل أن تصعد في صورة خبر. كان الصحافي يسأل ماذا وقع، أما الروائي الذي استيقظ في داخله فكان يسأل ماذا فعل ما وقع بأرواح الناس، وكيف تواصل الحادثة حياتها بعد انتهاء ضجيجها. ومن هذه المسافة بين الخبر والجرح خرجت قصته (الكائن الغريب)، كأن العنوان لم يكن اسما لنص بقدر ما كان نبوءة مبكرة بمصير صاحبه. فاز بها، فصفق المحيطون، لكن الكاتب سمع خلف التصفيق بابا ينغلق على عزلة طويلة. الجائزة تقول إن الطريق بدأ، أما النص فكان يقول إن الطريق لا نهاية له. لقد اكتشف مبكرا أن الكتابة لا تمنح صاحبها مقعدا مريحا في العالم، بل تنقله من سؤال إلى آخر، وتدفعه إلى الوقوف في الجهة التي لا يقف فيها الجمهور. الكائن الغريب ليس مخلوقا قادما من كوكب آخر، بل الإنسان حين يصبح غريبا عن القيم التي تحيط به، وحين يرى التناقض الذي تعلم الآخرون التعايش معه. وربما كان حيّاوي منذ ذلك النص يرسم صورته البعيدة؛ كاتب سيعبر البلدان واللغات، وسيحمل اسمه إلى قاعات وكتب وترجمات، لكنه سيظل يفتش عن ذلك الجزء منه الذي بقي عند ماء الناصرية، ينتظر عودة قد لا تقع. فالغربة سبقت المنفى في روحه، والمنفى جاء لاحقا ليمنحها جغرافيا واسما وأوراق إقامة.
حين صار الماء فمًا وصارت فاطمة راية في وجه المنع
أصدر محمد حيّاوي (ثغور الماء)، ولم يكن العنوان زينة لغوية معلقة على باب الكتاب، بل مفتاحا لرؤية مبكرة تتعامل مع الماء بوصفه كائنا يملك أفواها وذاكرة وحجة. للماء عند ابن الناصرية ثغور يتكلم منها، كما أن له جراحا لا يراها الذين يمرون بمحاذاته. إنه ماء الفرات الذي شاهد الولادات والجنازات، وحمل قوارب العشاق وتوابيت الجنود، وسقى الحقول ثم وقف عاجزا أمام عطش الإنسان إلى العدالة. وحين جعل حيّاوي للماء ثغورا، كان يمنح الصامت حق الكلام، ويستخرج من الطبيعة تاريخا موازيا لتاريخ الملوك والحروب. فالنهر يعرف عن البلاد ما لا تعرفه بياناتها الرسمية، ويحتفظ في قاعه بما أسقطه المنتصرون من كتبهم. عند ضفتيه تشكلت مخيلة الكاتب، ومن جريانه تعلم أن الحكاية لا تمضي في خط مستقيم؛ تلتوي، وتتفرع، وتغيب تحت الأرض، ثم تظهر في موضع بعيد محتفظة بطعم المنبع. لذلك لم يكن الماء في نصوصه خلفية للمشهد، بل أصلا من أصول الرؤية، ومرآة يرى فيها الإنسان وجهه قبل أن تبدله الأسفار. ثم جاءت (فاطمة الخضراء)، فنهضت في مشروعه كشجرة نبتت وسط أرض أراد لها الخراب أن تكون يبابا. فاطمة ليست اسما عابرا، والخضرة ليست لونا مطمئنا. إنها مقاومة الحياة لما يراد لها من يباس، وإصرار البذرة على شق التراب مهما ثقل فوقها. كتب حيّاوي الرواية، ففازت، ثم مُنعت، وكأن اليد التي صفقت للنص عادت فصفعته، وكأن المؤسسة أرادت أن تقول للمبدع إن الاعتراف ممكن ما دام لا يتجاوز الحدود المرسومة له، فإذا صار الحرف حرا أكثر مما ينبغي، تحولت الجائزة إلى قيد، وصارت الخشبة التي وقف عليها الكاتب بابا لمنعه. غير أن المنع لا يقتل الكتاب؛ يمنحه حياة سرية، ويجعل القراء يتساءلون عما أخاف الرقيب منه. لقد كانت فاطمة أكثر اخضرارا لأنها مُنعت، وصار غيابها عن الرفوف حضورا في المخيلة. فالسلطة تستطيع أن تصادر النسخة، لكنها لا تستطيع استرداد الصورة بعد أن تولد في ذهن الكاتب، ولا إطفاء السؤال بعد أن يجد طريقه إلى القارئ.
يا هذا، في حياة المبدع العراقي غرابة تكاد تصير قانونا؛ يكرمونه لأنه كتب، ثم يعاقبونه لأنه كتب حقا. يريدون من الكلمة أن تكون نافذة، شرط ألا تطل على شيء، وأن تكون مرآة، شرط ألا تعكس الوجوه كما هي. أما حيّاوي فقد أدرك أن الحرف الذي يطلب الإذن كي يقول الحقيقة يفقد جوهره قبل أن يصل إلى الورق. لذلك لم يكن منع (فاطمة الخضراء) واقعة عابرة في سيرته، بل درساً قاسيا في العلاقة بين الجمال والخوف، وبين النص والمؤسسة، وبين الكاتب والوطن حين يتحول الوطن من حضن إلى بوابة تفتيش. ربما عرف في تلك اللحظة أن الغربة لا تبدأ عند الحدود، بل تبدأ حين يشعر الإنسان أن لغته نفسها موضع شبهة، وأن الحكاية التي ولدها من قلبه مطالبة بتقديم أوراق تثبت براءتها. كان في وطنه، لكنه واجه أول ملامح المنفى؛ أن تجد مكانك الجغرافي ولا تجد حقك في الكلام. ثم ظهرت (غرفة مضاءة لفاطمة)، كأن الكاتب عاد يحمل مصباحا إلى الشخصية التي حاول المنع أن يدفعها إلى العتمة. لم تكن الغرفة مكانا محدودا بأربعة جدران، بل قلبا مفتوحا على حزن لا ينطفئ. الضوء فيها لا يمحو الفاجعة، بل يجعلها مرئية. وما أقسى الضوء حين يكشف الأشياء كلها ولا يستطيع تغييرها. لقد فهم حيّاوي أن مهمة الرواية ليست أن تمنح القارئ عزاء سهلا، بل أن تدخله إلى الغرفة وتتركه أمام الحقيقة بلا ستار. فاطمة التي ظهرت خضراء عادت محاطة بالضوء، وفي الانتقال من الخضرة إلى النور إصرار على إبقاء الحياة ظاهرة، وعلى إنقاذها من الطمس مرتين؛ مرة من يباس الواقع، ومرة من عتمة النسيان. الكاتب هنا لا يملك جيشا ولا منبرا، لكنه يملك غرفة يضيئها، وما دام الضوء قائما فإن ما جرى لا يستطيع أن يتنكر في هيئة البراءة. وجاءت (طواف متصل)، فبدا العنوان وصفا لمسيرة الكاتب نفسه؛ دوران حول جرح لا يغلق، واقتراب وابتعاد عن مركز يظل عصيا على القبض. الطواف ليس ضياعا خالصا، بل حركة بحث، وتكرار لا يعيد الشيء نفسه، لأن الطائف يعود إلى موضعه وقد تغيرت روحه. فاز العمل، غير أن الفوز لم يعد قادرا على خداع صاحبه. عرف حيّاوي أن الجائزة لا تسترد وقتا ضاع، ولا تعيد وجها غاب، ولا تبني وطنا تهدمت صورته في الداخل. إنها اعتراف كريم، لكنها تظل آتية من خارج النص، فيما المعركة الحقيقية تقع في أعماق الكاتب؛ بين قدرته على مواصلة الحكاية ورغبته أحيانا في الصمت، وبين ثقته باللغة وشكه في أنها تستطيع حمل كل هذا الخراب. ومع ذلك تابع الطواف، لأن التوقف كان يعني أن ينتصر الجرح، وأن تتحول الذاكرة إلى مقبرة مغلقة لا يسمع أحد من تحت ترابها أصوات الذين عاشوا.
وكتب للأطفال، كأنه عاد يبحث عن أول النبع قبل أن تلوثه الحروب، أو أراد أن يرمم في نفسه الطفل الذي رأى أكثر مما ينبغي. غير أن الكتابة للطفل ليست استراحة من الأسئلة الكبرى، بل عودة إلى أصلها. الطفل يطلب من الحكاية عدلا واضحا، ويتعجب من عالم يكافئ الشرير ويترك الطيب وحيدا. وهو لا يمتلك بعد تلك الحيل التي يبرر بها الكبار تناقضاتهم، لذلك تصبح مخاطبته امتحانا لصدق الكاتب. وجد حيّاوي في عالم الأطفال فرصة للعودة إلى الدهشة الأولى، إلى الطائر قبل أن يصبح رمزا، وإلى الشجرة قبل أن تتحول إلى استعارة، وإلى البيت قبل أن يصير ذكرى. لكنه عرف أيضا أن البراءة لا تلغي الخوف، وأن الطفل العراقي يحمل في نومه أصوات الانفجارات كما يحمل أقرانه في البلدان الهادئة أصوات الألعاب. كانت كتابته لهم محاولة لحراسة بقعة صغيرة من الضوء، لا بوهم أن الظلام غير موجود، بل بإيمان أن الحكاية تستطيع أن تمنع الظلام من امتلاك القلب كله.
الطائر الذي عبر الحدود ولم يفارق ماءه الأول
ثم جاءت الرحلة، ولم تكن رحلة بالمعنى الذي تعرضه الخرائط؛ خط يمتد من العراق إلى الأردن، ثم من الأردن إلى هولندا. كانت اقتلاعا بطيئا لجذر ظل يقاوم التراب الذي يتصدع تحته. غادر حيّاوي العراق في عام كانت البلاد تضيق بأبنائها، كأن الأرض نفسها أعيتها الحروب والحصارات والانتظارات، فلم تعد تتسع لأحلامهم. حمل ما يستطيع حمله، وترك ما لا تحمله الحقائب؛ رائحة البيت، وأصوات الأصدقاء، وخطواته في الشوارع، وطعم الماء، وظل نخلة ربما لم ينتبه إليها إلا ساعة الرحيل. لا يعرف المسافر قيمة التفاصيل إلا حين تصير بعيدة، ولا يدرك أن نافذة غرفته كانت جزءا من جسده إلا حين يستيقظ أمام نافذة أخرى لا تعرفه. خرج من العراق، لكن العراق لم يخرج منه. سار معه مثل ظل ثقيل، يدخل معه الغرف، ويجلس إلى جواره في القطارات، ويظهر فجأة في وجوه غرباء يشبهون أناسا تركهم وراءه. أقام في الأردن، وعمل وكتب، لكن الإقامة لم تكن استيطانا، والعمل لم يكن طمأنينة. كان في محطة بين عالمين، فلا البلاد التي غادرها قادرة على استعادته، ولا البلاد التي وصل إليها مطالبة بأن تصير وطنا كاملا. في تلك المسافة تعلم أن للانتظار جغرافيا خاصة؛ مقاه يجلس فيها المهاجرون طويلا، وهواتف يترقبون رنينها، ورسائل تحمل قرارات تستطيع بجملة واحدة أن تغير مصير عائلة. الأردن قريب من العراق بما يكفي لإيقاظ الحنين، وبعيد عنه بما يكفي لتأكيد الفقد. وكان الكاتب يطل من نافذته ناحية الشرق، لا ليرى الحدود، بل ليتخيل ما وراءها. يكتب كي يحفظ صلته بما انقطع، ويستعيد باللغة شوارع لم يعد قادرا على عبورها بالجسد. تحولت الجملة إلى تأشيرة لا يستطيع شرطي الحدود ختمها أو إبطالها، وصار النص طريق عودة سريا، كلما فتحه دخل إلى البلاد التي أغلقت أبوابها. ثم مضى إلى هولندا لا سائحا تجمعه بالمكان رغبة عابرة، ولا مختارا يملك ترف المقارنة بين الوجهات، بل لاجئا. واللاجئ، يا هذا، ليس غريبا وحسب؛ إنه الغريب الذي يضطر إلى شرح غربته، وتقديم الأدلة على ألمه، وترجمة خوفه إلى استمارات، وإعادة سرد حياته أمام موظف لا يعرف شيئا عن رائحة البارود أو صمت الأمهات بعد وصول خبر الموت. اللاجئ يحمل اسمه، لكن الآخرين يعيدون كتابته. يحمل ماضيه، لكن عليه أن يختصره في بضعة أسطر. يحمل وطنه في قلبه، لكن جوازه يقول إنه بلا حماية. وهكذا وجد حيّاوي نفسه في بلاد الشمال، حيث الماء كثير لكنه لا يشبه ماء الناصرية، والسماء منخفضة كأنها سقف رمادي ممتد، والدراجات تعبر شوارع أمستردام في نظام لا يعرف الفوضى التي تربى وسطها. رأى القنوات المائية تحيط بالمدينة، فربما خاطب ماء الجنوب ماء الشمال في داخله، لكن النهرين لم يتطابقا؛ أحدهما يحمل طين الأسلاف وحرارة الشمس، والآخر يعكس واجهات البيوت وضباب الصباح.
في أمستردام تعلم لغة ليست لغته، ورسم حروفا لم تتشكل بها ذاكرته الأولى. درس البنية المعمارية للحرف اللاتيني، كأنه أراد أن يفهم الهيكل الذي يقيم فيه العالم الجديد. لم يعد الحرف مجرد أداة للكتابة، بل صار جسما له توازن وانحناء ومساحة وفراغ. وربما وجد في دراسته محاولة خفية لإعادة بناء نفسه؛ فإذا فهم كيف يقف الحرف الغريب على الصفحة، استطاع أن يتعلم كيف يقف هو على أرض الغربة. لكن الإنسان لا يعاد بناؤه كما يعاد تصميم الأبجدية. يمكن تعديل الخطوط، وضبط المسافات، وتحقيق الانسجام بين الكتل، غير أن صدعا في الداخل يظل مفتوحا، لأنه لا ينتمي إلى الشكل بل إلى الذاكرة. كان يتقن حروف البلاد الجديدة، فيما حروف العربية تشتعل في دمه. يكتب من اليمين إلى اليسار، ويعيش في عالم يمضي من اليسار إلى اليمين، وبين الاتجاهين تشكلت عزلته الخلاقة. عمل في الصحافة والسينما والتصميم، كأنما كان يلاحق صورته في مرايا متعددة. الصحافة منحته تماس الحياة اليومية، والسينما علمته أن للصمت صورة وللزمن إيقاعا، والتصميم جعله يزن الفراغ كما يزن الكلمة. لم تكن هذه الحقول جزرا منفصلة، بل أنهارا تصب في سرده. صار يرى المشهد بعين الكاميرا، ويرتب الصفحة بحس المصمم، ويلتقط توتر اللحظة بيقظة الصحافي، ثم يذيب ذلك كله في لغة الروائي. شارك في لجان التحكيم، وترأس تحرير مجلة، وصار عضوا في اتحاد الكتاب الهولنديين. بدت مسيرته في ظاهرها صعودا راسخا داخل المؤسسة الثقافية الجديدة، غير أن المنصب لا يلغي الغربة، والاعتراف لا يعيد المفقود. يستطيع الغريب أن يجلس في صدر القاعة، لكنه قد يظل يبحث بين الوجوه عن شخص ينطق اسمه كما كانت أمه تنطقه. يستطيع أن يحكم نصوص الآخرين، لكنه يعود إلى بيته مثقلا بنص حياته الذي لم يصل إلى خاتمته. لقد دخل حيّاوي الثقافة الهولندية من أبوابها الواسعة، لكنه لم يخلع جنوبه عند العتبة. لم يتحول إلى كاتب يراقب العراق من مسافة باردة، بل ظل العراق يتحرك في نصوصه بوصفه جرحا حيا، ومخزونا من الصور والروائح والأصوات. المنفى عنده لم يمح الهوية، بل جعلها أكثر تعقيدا. صار ينتمي إلى مكانين من دون أن يستقر كاملا في أحدهما؛ يأخذ من أمستردام انتظامها وحرية فضائها وتعدد فنونها، ويحمل إليها فوضى بغداد وحرارة الناصرية وأطياف الذين تاهوا في الحروب. ومن هذا التوتر ولد عالمه؛ لا عراقي خالصا بالمعنى المغلق، ولا هولنديا ذائبا في المكان الجديد، بل فضاء ثالثا بناه السرد، يستطيع فيه أن يجمع ماءين لا يلتقيان على الخريطة، وأن يجعل نخلة جنوبية تلقي بظلها على قناة في أمستردام.
في (خان الشابندر) و(بيت السودان) عادت الأمكنة لا بوصفها جدرانا وشوارع، بل كائنات تتنفس وتشيخ وتتذكر. الخان ليس أثرا معماريا صامتا، بل صندوق أصوات؛ خطوات تجار عبروا، وأسرار غرف أغلقت، وروائح قهوة ودخان، وأحاديث أشخاص صاروا ترابا وبقي صداهم عالقا في السقوف. وبيت السودان ليس بيتا فقط، بل طبقات من الوجود العراقي، تتجاور فيه الهويات والحكايات والهزائم الصغيرة. عند حيّاوي يمشي المكان على قدمين، ويدخل النص بوصفه شخصية لها مزاجها وذاكرتها وندوبها. وربما كان هذا الاحتفاء بالمكان تعويضا عن المكان المفقود؛ فالمنفي الذي لا يستطيع العودة إلى البيوت يعيد بناءها بالكلمات، ويمنحها أبوابا لا تغلقها السياسة، ونوافذ لا تحجبها الحدود. كل رواية بيت بديل، وكل فصل غرفة، وكل شخصية قريبة أو جار أو عابر استعادته الذاكرة من زحام الغياب. أما (طائر يشبه السمكة)، فالعنوان وحده يكاد يختصر ملحمة الغريب كلها. طائر يحمل نداء السماء، لكنه يشبه كائنا خلق للماء. جناحاه يدعوانه إلى التحليق، وملامحه تشده إلى العمق. لا هو مستقر في الفضاء، ولا هو عائد تماما إلى النهر. إنه كائن بين حالين، كما صار حيّاوي بين وطن ومنفى، وبين عربية تسكن روحه ولغة جديدة تنظم يومه، وبين ذاكرة جنوبية وواقع أوروبي. غير أن هذا الكائن الهجين ليس ناقصا؛ إنه يملك إمكان الطائر وذاكرة السمكة، ويجمع ما حسب الناس أنه لا يجتمع. تلك هي قوة الخيال الخلاق عند حيّاوي؛ أن يأخذ التناقض الذي يؤلم الإنسان، ثم يحوله إلى صورة قادرة على الطيران. لم يعد الانقسام عيبا ينبغي إخفاؤه، بل صار مصدرا للرؤية. فالذي ينتمي إلى عالم واحد يرى الأشياء من زاوية واحدة، أما من يقف بين عالمين فيرى كل واحد منهما بعين الآخر، ويكتشف في كليهما ما لا يراه المقيمون المطمئنون. وجاءت (سيرة الفراشة)، والفراشة ليست كائنا رقيقا عابرا في حديقة اللغة، بل خلاصة وجود يعيش بالقرب من الضوء ويعرف أن الضوء نفسه قد يكون احتراقا. قصيرة حياتها، لكنها لا تقيسها بعدد الأيام؛ تقيسها بامتلاء التحليق. تهجر شرنقتها كما يهجر المنفي وطنه الأول، غير أن آثار الشرنقة تظل في تكوين جناحيها. تذهب إلى الضوء لا لأنها تجهل الخطر، بل لأن طبيعتها لا تسمح لها بمهادنة العتمة. أهي صورة الكاتب الذي يعرف أن الحرف قد يؤذيه، ومع ذلك يواصل الاقتراب؟ أهي صورة العراق الذي يحترق أبناؤه وهم يبحثون عن نافذة؟ أم هي سيرة الجمال نفسه، ذلك الهش الذي لا يملك سلاحا غير ألوانه، لكنه يترك في العين أثرا أبقى من صلابة الصخور؟ عند حيّاوي تتسع الفراشة حتى تحمل هذه المعاني كلها، من دون أن تفقد خفتها. وهذا هو سر السرد؛ أن يضع العالم على جناح كائن صغير، ثم يجعله يطير.
الحرف بوصفه وطنا
محمد حيّاوي ليس مجرد كاتب انتقل من جنوب العراق إلى شمال أوروبا، ولا مجرد روائي راكم كتبا وجوائز وترجمات. إنه مثال للمبدع العراقي الذي اضطر إلى حمل وطنه في اللغة بعدما تعذر عليه أن يحمله في الحقيبة. وحين يتحول الحرف إلى وطن، لا يعود الورق سطحا أبيض، بل أرضا ذات أنهار وطرقات ومقابر وبيوت. للكلمة حدودها، لكنها حدود لا يقف عندها الجنود. وللجملة سماؤها، لكنها سماء لا تمنع الطيور من العبور. هناك أقام حيّاوي جمهوريته السرية؛ جمهورية المنفيين والمهمشين والذين تأخر وصول رسائلهم، والنساء اللواتي ظلت حكاياتهن خلف الأبواب، والرجال الذين عادوا من الحروب بأجسادهم وتركوا أرواحهم في الخنادق. في هذا الوطن البديل لا يحتاج الإنسان إلى وثيقة تثبت انتماءه، يكفي أن يحمل جرحا ويعرف كيف يصغي. يا هذا، قيل إن الغريب من جفاه الحبيب، وأنا أقول إن الغريب من كثر أحباؤه ولم يجد بينهم مأواه. الغريب من صفقوا له في القاعات ثم تركوه وحيدا في الطريق، ومن ترجمت كلماته إلى لغات شتى وبقيت روحه بلا ترجمة. ومحمد حيّاوي عرف هذا النوع العميق من الغربة؛ أن تكون مرئيا بوصفك كاتبا، ومخفيا بوصفك إنسانا يحمل تاريخا لا تستطيع الجوائز قراءته. الناس يرون الغلاف، ولا يرون الليالي التي سبقت الكتاب. يقرؤون أسماء المدن في الرواية، ولا يسمعون صوت الباب الذي أغلقه الكاتب خلفه حين خرج من مدينته. يصفقون للنص بعد اكتماله، ولا يعرفون كم مرة وقف صاحبه على حافة الصمت قبل أن يكتب الجملة التالية. لذلك لا تكفي قراءة سيرته من الخارج. ظاهرها نجاح وتنقل واعتراف ثقافي، أما باطنها فطواف طويل حول الفقد، ومحاولة مستمرة لمنح الحنين شكلا لا يقتل صاحبه.
الحنين عند حيّاوي ليس بكاء ساذجا على ماض كامل؛ فهو يعرف أن الوطن الذي غادره لم يكن فردوسا، وأن في تربته قسوة ومنعا وخوفا. لكنه يعرف أيضا أن الإنسان لا يحن إلى الأنظمة، بل إلى تفاصيل حياته التي احتلتها السياسة من دون إذن. يحن إلى صوت بائع عرفه، وإلى منعطف شارع، وإلى صديق كان يستطيع زيارته بلا موعد، وإلى لهجة لا يحتاج داخلها إلى ترجمة نفسه. يحن إلى إمكان أن يكون عاديا، فالمنفى يجعل أبسط الأشياء مشحونة بسؤال الهوية. حين يشتري خبزا، وحين يذكر اسمه، وحين يشرح أصل كلمة، يجد نفسه مطالبا بأن يعبر المسافة بين عالمين. لهذا كانت الكتابة موضع استعادة للبساطة الضائعة؛ يستطيع داخل النص أن يدخل الخان من دون جواز، وأن يفتح بيت السودان، وأن يصغي إلى فاطمة، وأن يترك الطائر يحلق فوق الماء من غير أن تسأله السماء عن وجهته. ولعل أعظم ما صنعه المنفى في تجربته أنه نقل الحنين من الشكوى إلى الخلق. لم يقف حيّاوي عند رثاء ما فقد، بل بنى من الفقد عالما روائيا. أخذ المسافة فجعلها منظورا، وأخذ الانكسار فجعله معرفة، وأخذ الغربة فحولها إلى قدرة على رؤية الإنسان خارج الأقنعة القومية والثقافية الجاهزة. صار العراقي في نصه إنسانا يحمل محنته الخاصة، لكنه يلتقي مع غرباء العالم في الخوف والحب والبحث عن مأوى. وصارت أمستردام أكثر من مكان للجوء؛ مختبرا يرى منه وطنه الأول بوضوح آخر. فالقرب الشديد يحجب بعض التفاصيل، أما البعد فيعيد ترتيبها. هناك أدرك أن الناصرية لم تكن مدينة طفولته وحدها، بل أصل مخيلته، وأن ماءها ظل يجري في لغته حتى وهو يطل على قنوات الشمال. كان يمكن للغربة أن تدفعه إلى الصمت، لكنها زادته تمسكا بالعربية. اللغة عند المنفي ليست أداة تعبير فحسب؛ إنها آخر بيت لم تصادر مفاتيحه. حين ينطق كلماتها تعود إليه وجوه الذين علموه أسماء الأشياء، ويستعيد إيقاع الأزقة، ويشعر أن المسافة انكمشت قليلا. غير أن المحافظة على اللغة لا تعني إغلاقها. لقد دخلت إليها خبرته البصرية والسينمائية والصحافية، ودخل إليها الحرف اللاتيني الذي درس معماره، ودخلت إليها أمستردام بأمطارها ودراجاتها ومائها البارد. صارت عربية حيّاوي بيتا عراقيا فتح نوافذه على أوروبا، فلم يفقد رائحة الطين، ولم يرفض هواء العالم. هنا تتجلى أصالة المبدع؛ لا في أن يكرر ما ورثه، ولا في أن يمحو جذره كي يبدو حديثا، بل في أن يجعل الجذر قادرا على إنبات أغصان لم يعرفها من قبل.
إن كتبه، حين توضع إلى جوار بعضها، لا تبدو جزرًا منفصلة، بل فصولا في ملحمة واحدة؛ ملحمة البحث عن المكان الذي يستطيع الإنسان أن يكون فيه نفسه من غير خوف. (الكائن الغريب) أعلن قدره الأول. و(ثغور الماء) منحت الذاكرة أفواها. و(فاطمة الخضراء) رفعت راية الحياة في وجه المنع. و(غرفة مضاءة لفاطمة) حملت المصباح إلى قلب العتمة. و(طواف متصل) حولت الجرح إلى مسار لا ينقطع. ثم جاءت الأمكنة في (خان الشابندر) و(بيت السودان) لتعيد بناء العراق سرديا. وحلق (طائر يشبه السمكة) بين هويتين، قبل أن تذهب (سيرة الفراشة) إلى تخوم الضوء والاحتراق. ليست هذه مجرد عناوين في قائمة مؤلفات، بل محطات روح ظلت تغير هيئتها كي تنجو، من دون أن تتخلى عن سؤالها الأول. وإذا كان بعض الكتاب يروون ما حدث، فإن حيّاوي يروي ما تركه الحدث في الأعماق بعد أن غادر عناوين الصحف. الحرب عنده ليست دبابات وبيانات عسكرية فحسب، بل مائدة نقص منها شخص، وأم تحفظ ملابس غائب، وطفل يتعلم التمييز بين أصوات الانفجارات. والمنفى ليس طائرة وحدودا ومطارا، بل ارتباك الاسم على لسان الآخر، وخوف الذاكرة من أن تنسى، وفرح صغير حين يعثر المرء في مدينة بعيدة على رائحة تشبه مطبخ أمه. بهذه التفاصيل يحول التاريخ الكبير إلى تجربة بشرية، وينقذ الإنسان من أن يصير رقما في سجل الضحايا أو سطرا في تقرير عن اللاجئين. إنه يعيد لكل فرد حقه في الحكاية، لأن الموت الحقيقي لا يقع حين يغيب الجسد وحده، بل حين تضيع القصة التي تثبت أنه عاش. تبقى صورة محمد حيّاوي واقفا بين ماءين؛ ماء الناصرية الذي صنع طفولته، وماء أمستردام الذي احتضن منفاه. بينهما تمتد مسافة لا تقاس بالكيلومترات، بل بعدد الوجوه التي غابت، والبيوت التي تبدلت، والسنوات التي حملها القلب من دون أن يجد مكانا يضعها فيه. يقف هناك، وفي يده حرف عربي يشبه مجدافا قديما. لا يستطيع أن يعيد النهر إلى منبعه، لكنه يستطيع أن يشق بالكلمة طريقا بين الضفتين. كلما كتب اقترب الماءان، وكلما صمت عادت المسافة واتسعت. لذلك يكتب كما يتنفس الغريق في اللحظة التي يعلو فيها رأسه فوق الموج، ويكتب كما يرفع الحارس شعلة فوق سور مدينة نام أهلها ولم ينم أعداؤها.
يا هذا، إن أردت أن تفهم محمد حيّاوي، فلا تسأل عن عدد كتبه قبل أن تسأل عن الأبواب التي فتحها بها. لا تسأل عن الجوائز قبل أن ترى الندوب التي لم تستطع الجوائز مداواتها. لا تسأل عن المدن التي سكنها، بل عن المدينة التي سكنت فيه ورفضت أن تغادر. إنه ابن الناصرية حين يكتب عن أمستردام، وغريب أمستردام حين يستعيد العراق، وطائر يحمل في جناحيه ذاكرة سمكة لم تنس ماءها الأول. حضر في الصحافة والسينما والتصميم والتحكيم الثقافي، غير أن حضوره الأعمق ظل في تلك المساحة الخفية بين عين القارئ والكلمة، حين يتوقف الزمن لحظة، ويشعر الإنسان أن النص عرف عنه شيئا لم يستطع قوله. هذه ليست سيرة رجل وحده، بل مرآة جيل عراقي كامل حمل حقائبه ومضى. جيل خرج من الحروب إلى الحصار، ومن الحصار إلى المنافي، ثم اكتشف أن النجاة الجسدية لا تعني انتهاء المعركة. كان عليه أن ينقذ ذاكرته من التبدد، ولغته من الذبول، وأسماء موتاه من النسيان. بعضهم صمت، وبعضهم ذاب في البلاد الجديدة، وبعضهم ظل واقفا عند عتبة العودة. أما حيّاوي فاختار أن يبني من الحكاية جسرا، وأن يحمل الذين لم يستطيعوا العبور في شخصياته، وأن يجعل من الكتاب مأوى مؤقتا لأولئك الذين لم يجدوا في العالم مكانا آمنا. كتب ليبقى، ثم أدرك أن بقاءه نفسه صار رهنا بمواصلة الكتابة.
وهكذا يمضي محمد حيّاوي، لا إلى خاتمة تغلق المعنى، بل إلى مزيد من الأسئلة. يكتب كأنما ينجو، ويصمت كأنما ينزل إلى قاع الماء ليلتقط حكاية جديدة. يتأرجح بين الحرف والغياب كما تتأرجح الفراشة بين الضوء والاحتراق، لكنه لا يسلم جناحيه للنار. كل رواية يكتبها رفرفة أخرى، وكل شخصية يخلقها شاهد على أن المخيلة تستطيع أن تقاوم ما عجزت القوة عن مقاومته. لقد حاول المنع أن يطفئ فاطمة، فأعادها في غرفة مضاءة. وحاول المنفى أن يقطع صلته بالمكان، فبنى خانات وبيوتا من الكلمات. وحاولت اللغة الجديدة أن تجعله غريبا عن حرفه، فدرس معمارها ثم عاد إلى العربية أكثر وعيا بشكلها وسرها. وحاولت المسافة أن تفصل بين ماء الناصرية وظلال أمستردام، فمد بينهما نهرا من السرد لا يظهر على الخرائط، لكنه يجري في كل كتاب. تلك هي ملحمة محمد حيّاوي؛ مبدع عراقي خرج من ألواح الطين حاملا جمرة الرؤية، وعبر صحارى المنع ومياه المنفى من غير أن يترك الحكاية تسقط من يده. لم يهزم الغربة، فالغرابة جزء من بصيرته، لكنه منعها من أن تهزمه. جعل منها عينا ثانية يرى بها الوطن والعالم، وحولها من جرح شخصي إلى معرفة إنسانية. لم يعد الغريب عنده ذلك الذي لا يملك مكانا، بل ذلك الذي يصنع من اللغة مكانا أوسع من الحدود. ولم يعد الوطن رقعة تحرسها الخرائط، بل ذاكرة تحفظ أسماء الذين عبروا، وحكاية تمنح الغائبين حق العودة ولو على جناح استعارة.
فإذا لقيت محمد حيّاوي في نص، فلا تسأله من أين جاء؛ ستشم في كلماته طين الناصرية، وترى على سطوره مطر أمستردام. ولا تسأله أين يقيم؛ فهو يقيم في المسافة بين بيت فقده وكتاب بناه، وبين ماءين يتنادَيان من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال. اسأله ماذا أنقذ من الرحلة، وستجيبك كتبه: أنقذ وجوه الذين كادوا يُنسون، وأنقذ فاطمة من الغرفة المطفأة، وأنقذ الطائر من الاختيار القاسي بين السماء والماء، وأنقذ الفراشة من أن يكون احتراقها بلا شاهد. ثم أنقذ نفسه، لا نجاة كاملة مطمئنة، بل نجاة المبدع الذي يحول ألمه إلى جمال، وفقده إلى ذاكرة، وغربته إلى وطن من حروف. هناك، عند الضفة التي لا تظهر في الأطالس، يقف محمد حيّاوي. خلفه الناصرية بألواحها وطينها وأمهاتها المنتظرات، وأمامه أمستردام بقنواتها وضبابها ونوافذها العالية. لا يلتفت ليختار إحداهما، فقد صار الاثنان جزءا من قدره. يرفع الحرف مثل شعلة، فتظهر في الضوء وجوه كثيرة كانت العتمة قد ابتلعتها. ثم يمضي، ويتبعه الطائر والسمكة والفراشة وفاطمة والكائن الغريب، موكب كامل من مخلوقات خياله. يمضون جميعا فوق جسر صنعه من اللغة، فيما يجري تحته ماءان بعيدان. وحين يصل الموكب إلى منتصف الجسر، لا يعود المرء قادرا على معرفة أين ينتهي الوطن وأين يبدأ المنفى، لأن الحكاية وحدها تكون قد صارت البلاد.







