
1
حالما أضيئت الأنوار، بعد ساعتين وثلاث وخمسين دقيقة من المشاهدة الممتعة في قاعة IMAX بمجمع سينمات شرق هلسنكي، دوّى التصفيق في القاعة. وصفّقنا مع شادمان ـ شريكة حياتي ـ بحرارة، في ختام فيلم "الأوديسة" للمخرج كريستوفر نولان (مواليد 1970). خرجنا من القاعة بإعجاب حقيقي بالفيلم، وبالطريقة التي استطاع بها نولان أن يعيد قراءة هذه الملحمة الخالدة، لا بوصفها مجرد حكاية من الماضي، وإنما تجربة سينمائية ضخمة، نابضة بالصراع والدهشة والجمال. لكن ما يميز "الأوديسة" عند نولان ليس حجم الإنتاج وحده، ولا المعارك، ولا الوحوش والآلهة والبحار الهائجة، وإنما الطريقة التي ينظر بها إلى الأسطورة نفسها. فهو لا يتعامل مع أوديسيوس بوصفه تمثالًا بطوليًا مكتملًا، وإنما يحاول أن ينزل به من مرتبة الأسطورة إلى مرتبة الإنسان؛ إنسان أخطأ، قتل، خسر، اشتاق، ندم، ثم حاول العودة إلى البيت. ولعل السؤال الذي يرافق الفيلم من بدايته إلى نهايته هو: ماذا يبقى من البطل بعد أن تنتهي الحرب؟
حشد نولان للفيلم كوكبة باهرة من النجوم، في أدوار رئيسية وأخرى صغيرة، مؤكدًا من جديد تلك القاعدة الجميلة: لا يوجد ممثل ثانوي في فيلم كبير؛ فكل شخصية، مهما قصرت مساحتها، تبدو جزءًا من نسيج واحد يخدم الحكاية ويمنحها عمقًا ووهجًا خاصًا. يتصدر هذا الحشد مات ديمون (مواليد 1970)، صاحب الجاذبية الذكية والطبيعية، الذي جسّد شخصية أوديسيوس بموفقية لافتة. فقد نجح في تقديمه إنسانًا قبل أن يكون بطلًا أسطوريًا؛ رجلًا متعبًا وذكيًا، لكنه ليس خارقًا، يحاول العودة إلى عائلته بعد سنوات طويلة من الحرب والمحن. لم يعتمد ديمون في ذلك على الاستعراض أو الوسامة البطولية، وإنما على تعابير الوجه، ونبرة الصوت، والأداء الهادئ الذي ينقل ثقل التجربة وما تركته الرحلة الطويلة من إرهاق نفسي وجسدي.
ويبدو أن نولان كان متعمدًا في اختيار مات ديمون لهذه الشخصية. فهو لا يمتلك تلك الكاريزما الشكلية الطاغية التي نراها، مثلًا، لدى هنري كافيل (1983) أو براد بيت (1963) أو جورج كلوني (1961)؛ ولذلك بدا أوديسيوس معه أقرب إلى الإنسان العادي منه إلى الصورة التقليدية للبطل الوسيم ذي الحضور الأسطوري. أراد نولان منذ البداية القول: قبل أن يكون أوديسيوس أسطورة، كان رجلًا. ويبدو ساعدت تجارب نولان السابقة مع مات ديمون على بناء هذه العلاقة الفنية، فكان اختياره موفقًا في حمل شخصية بهذا الحجم، في تجربة وصفها ديمون نفسه بأنها من أفضل تجارب مسيرته، رغم ظروف التصوير القاسية والصعبة، ومن هنا يمكن فهم اختلاف أوديسيوس نولان عن الصور السينمائية السابقة للشخصية.فهو ليس المغامر القوي والجذاب كما جسّده كيرك دوغلاس (1916–2020) في فيلم Ulysses عام 1954، من إخراج ماريو كاميريني (1895–1981)، ولا هو أوديسيوس الدبلوماسي البارع والمراوغ الذي قدّمه شون بين (مواليد 1959) في فيلم Troy عام 2004، من إخراج وولفغانغ بيترسن (1941–2022(. في فيلم Troy، كان شون بين أقرب إلى أوديسيوس الذي ينتصر بالعقل والحنكة، ويعرف كيف يقرأ الآخرين ويستفيد من نقاط ضعفهم. أما كيرك دوغلاس فقدم صورة أكثر تقليدية لبطل المغامرة القوي والجذاب. أما نولان، فيبدو أنه اختار طريقًا ثالثًا: أوديسيوس بوصفه مزيجًا من الرجل العادي والبطل الاستثنائي؛ رجلًا ذكيًا، قادرًا على المناورة، لكنه يحمل أخطاءه وذنوبه وثقل قراراته معه أينما ذهب. وهنا تكمن إحدى نقاط قوة الفيلم: نولان لا ينظر إلى أوديسيوس بوصفه بطلًا معصومًا، وإنما كشخصية تتشكل بطولتها من خلال الصراع والخطأ والندم والقدرة على الاستمرار. وتكتسب هذه الفكرة معناها الأعمق من خلال علاقة أوديسيوس بابنه تيليماخوس، الذي يؤدي دوره توم هولاند (1996). فتيليماخوس لم ينشأ مع أبيه، وإنما نشأ مع صورة الأب الغائب؛ صورة صنعتها الحكايات والأغاني والأخبار القادمة من الحرب. لقد عرف أوديسيوس بوصفه بطلًا قبل أن يعرفه بوصفه أبًا. وهنا يطرح نولان سؤالًا شديد الأهمية: هل يستطيع الابن أن يحب الأسطورة، ثم يتقبل الإنسان الذي يقف خلفها؟ فأوديسيوس الذي يعود إلى إيثاكا ليس الرجل نفسه الذي غادرها. لقد عاد محملًا بآثار الحرب، ذاكرة الموت، وأثقال الأسرار والندم، بينما ظل ابنه طوال تلك السنوات ينتظر صورة مثالية لأب لم يعرفه إلا من خلال ما قيل عنه. وهكذا يصبح لقاء الأب بابنه مواجهة بين حقيقتين: أوديسيوس الذي صنعته الأغاني، وأوديسيوس الذي صنعته الحرب.
وما دمنا تحدثنا عن التمثيل، فإن أداء آن هاثاواي (مواليد 1982) في دور بينيلوبي كان اختيارًا موفقًا آخر من نولان. فقد قدمت الشخصية بسلطة هادئة لا تحتاج إلى الصراخ لتؤكد أنها ملكة. وفي مشاهدها مع ابنها تيليماخوس ومع الخاطبين، تعتمد هاثاواي كثيرًا على النظرات والصمت وتفاصيل الوجه، لتقدم لنا امرأة لا تكتفي بالصبر والانتظار، بل تخفي وراء هدوئها غضبًا متراكمًا؛ غضب امرأة أمضت سنوات طويلة وهي لا تعرف إن كان زوجها حيًا أم ميتًا، أو إن كان سيعود إليها أصلًا. وهذا ما يجعل بينيلوبي أكثر من مجرد زوجة تنتظر عودة البطل. إنها امرأة دفعت ثمن غيابه، ووجدت نفسها مضطرة إلى إدارة بيت وعرش ومصير ابنها في غياب الرجل الذي اختارته شريكًا لحياتها. وقد وصفت هاثاواي الشخصية بأنها أشبه بـ(بركان يغلي باستمرار قبل أن ينفجر)، وهو وصف يختصر الكثير من التوتر الداخلي الذي منحته للشخصية. لكن أهمية بينيلوبي لا تكمن فقط في وفائها، وإنما في أنها تمثل البيت الذي يحاول أوديسيوس العودة إليه. فالرحلة كلها تصبح بلا معنى إذا لم يكن هناك شيء يستحق العودة.
نشر في المدى البغدادية عدد يوم 27 آب 2026
2
ومن أكثر المشاهد التي تكشف عن رؤية كريستوفر نولان مواجهة أوديسيوس بالساحرة سيرسي، التي تؤدي دورها سامانثا مورتن (مواليد 1977). فقد أخذت هذه المواجهة بُعدًا نفسيًا وفلسفيًا عميقًا، يختلف عن الصورة التقليدية لسيرسي في الأساطير والاقتباسات السينمائية السابقة. في هذا المشهد لا يعتمد أوديسيوس على القوة، وإنما على ذكائه وحنكته وقدرته على قراءة الطرف الآخر. يحاول تفكيك دوافع عزلتها، والاقتراب من عقدة عائلتها، ومواجهة ماضيها؛ فيتحدث معها عن عائلتها الإلهية وأختها، ويُظهر فهمًا للأسباب التي دفعتها إلى النبذ والعزلة في تلك الجزيرة الموحشة. والأهم أنه لا ينظر إليها بوصفها شرًا مطلقًا. فهو يدرك أنها امرأة عانت من بطش الآلهة وقسوة عائلتها، ومن الرجال الذين حاولوا استغلالها. ومن هذا المنطلق، يفهم أن سحرها وتحويلها الرجال إلى خنازير يمكن قراءته أيضًا بوصفه وسيلة دفاعية، لا مجرد فعل شرير صادر عن ساحرة شريرة. وهنا يكتب نولان الحوار بدقة لافتة حول قسوة الرجال، وإساءة استخدام السلطة، والحرب، والعنف الذي يمكن أن تبرره القوة. والأهم أن أوديسيوس لا يقف أمام سيرسي بوصفه رجلًا بريئًا يحاكمها، بل يعترف هو أيضًا بذنوبه وأخطائه الأخلاقية، وهو الرجل القادم من دمار طروادة وما خلّفته الحرب من موت وخراب. في تلك اللحظة يحدث نوع من التماهي بين الشخصيتين: سيرسي ترى أمامها رجلًا لا ينكر خطاياه، وأوديسيوس يرى خلف الساحرة امرأة صنعت قسوتها سنوات من الألم والعزلة. وهكذا تتحول المواجهة من صراع بين "بطل" و"ساحرة" إلى مواجهة بين شخصين جريحين، لكل منهما ماضٍ يطارده، وكل منهما يحمل طريقته الخاصة في التعامل مع العنف والخوف والخسارة. وحين تستجيب سيرسي لأوديسيوس، وتعيد رجاله إلى هيئتهم البشرية، لا يبدو الأمر مجرد انتصار للبطل على الساحرة؛ بل نتيجة لحوار استطاع فيه أوديسيوس أن يصل إلى المنطقة الإنسانية المختبئة خلف قسوتها. ثم ترشده إلى الطريق الذي ينبغي أن يسلكه للوصول إلى العالم السفلي، حيث يمكنه لقاء العراف تيريسياس ومواصلة رحلته نحو إيثاكا وعائلته. حتى عبارتها الشهيرة في الفيلم، (عودوا إلى أقنعتكم)، تحمل دلالة تتجاوز سحر التحول نفسه؛ فالهيئة البشرية التي يعود إليها الرجال يمكن قراءتها بوصفها القناع الذي يخفي ما في داخل الإنسان من جشع ووحشية.
ولا تكتفي رؤية نولان بإعادة تفسير الأسطورة على المستوى الدرامي، وإنما تمتد إلى الشكل السينمائي نفسه. فمشهد تحول الرجال إلى خنازير يكتسب قوته من الطريقة التي يجعل بها نولان المستحيل يبدو ماديًا أمام أعيننا. بدل أن يبدو التحول مجرد مؤثر رقمي منفصل عن العالم، يشعر المشاهد بأن الجسد نفسه يخضع لقوة غريبة ومرعبة. وهذه الطريقة تنسجم مع فلسفة نولان في التعامل مع المؤثرات العملية؛ إذ لا يريد أن يكون الخيال شيئًا منفصلًا عن الواقع، وإنما يريد للمشاهد أن يشعر بأن العالم الأسطوري موجود أمام الكاميرا بالفعل. ولهذا تصبح الخنازير أكثر من مجرد مخلوقات أسطورية؛ إنها صورة بصرية لفكرة الفيلم نفسها: هل تكشف سيرسي طبيعة الرجال، أم أنها هي التي تحولهم إلى ما لم يكونوا عليه؟
أما الطبيعة والآلهة، فلا تبدو في الفيلم مجرد خلفية ضخمة لرحلة أوديسيوس، بل قوة مستمرة في مواجهته.
البحر، في "الأوديسة" كما في الفيلم، ليس طريقًا يصل بين مكانين؛ إنه امتحان. وكلما اقترب أوديسيوس من إيثاكا، بدا أن الرحلة لا تختبر قدرته على البقاء فحسب، وإنما تختبر حدود إرادته أيضًا. والآلهة من جانبها تضع الإنسان أمام سؤال قديم: أين تنتهي إرادة الإنسان ويبدأ القدر؟ أوديسيوس يريد أن يتحكم في مصيره، لكن كل خطوة في رحلته تذكره بأن الذكاء وحده لا يكفي دائمًا. يستطيع أن يخدع البشر، وأن يناور، وأن يخطط، لكنه لا يستطيع التحكم في البحر، ولا في الموت، ولا في الزمن. ومن هنا تصبح الرحلة الخارجية انعكاسًا لرحلة داخلية: كلما اقترب أوديسيوس من إيثاكا، اقترب أيضًا من مواجهة نفسه.
ومن العناصر التي تستحق التوقف عندها أيضًا حضور الأغنية والحكاية والذاكرة في الفيلم. فالناس يتناقلون أخبار أوديسيوس بوصفه بطلًا، وتتحول مغامراته إلى حكايات وأغانٍ. لكن أوديسيوس نفسه يحمل ذاكرة مختلفة تمامًا: ذاكرة الموتى، السنوات الضائعة، والأشخاص الذين لم يعودوا معه. وهنا يضع نولان مسافة بين الأسطورة التي يرويها الناس والتجربة التي عاشها صاحبها. العالم يرى المجد، أما أوديسيوس فيرى الثمن. العالم يغني عن الحرب، أما هو فيتذكر من مات فيها. العالم يتحدث عن البطل، أما هو فيحمل داخله آثار الرجل الذي كان قبل الحرب وبعدها. وعندما يصل أوديسيوس أخيرًا إلى إيثاكا، لا يعود بطلًا منتصرًا يعلن نفسه أمام الجميع، بل يعود متخفيًا في هيئة متسول، وكأن الرجل الذي عاد من الحرب يحتاج إلى أن يخفي حتى صورته عن العالم. ويلتقي بينيلوبي دون أن يكشف لها هويته في البداية، فيختبر وفاءها وصبرها بعد سنوات الغياب. وفي أحد أكثر مشاهد الفيلم تأثيرًا، تسأله بينيلوبي إن كان يعرف أوديسيوس من خلال الأغاني التي كُتبت عن بطولاته. فيخبرها بأنه كان هناك، وأنه يعرف تلك الحكايات من واقع التجربة. ثم يقول ما يلخص ربما جوهر الفيلم كله: إن تلك الأغاني تبكيه. وحين تسأله: (على الأرواح؟)، يجيب بما هو أوسع وأشد إيلامًا: (السنوات. كل شيء.) هنا تنكشف المسافة الهائلة بين أوديسيوس الذي تعرفه إيثاكا، وأوديسيوس الذي عاد إليها. فالناس يتذكرون انتصاره في طروادة، بينما هو يتذكر الموتى. والناس يغنون عن مغامرته، بينما هو يبكي السنوات التي لن تعود. والناس يرون البطل، بينما بينيلوبي تريد الرجل. وهنا تحديدًا تتجاوز "الأوديسة" عند نولان كونها حكاية عن رحلة بطل إلى وطنه، لتصبح تأملًا في الإنسان نفسه: في الحرب والسلطة والحب والذنب والذاكرة والرغبة في العودة. وربما يكون السؤال الأعمق الذي يتركه الفيلم وراءه ليس: هل عاد أوديسيوس إلى إيثاكا؟ بل: هل يستطيع الإنسان أن يعود إلى بيته، من دون أن يحمل معه كل ما فعله في الطريق؟
نشر في ثقافية المدى البغدادية عدد يوم 3أيلول 2026







