/
/
/
/

تبدو كل صفحة في هذا الكتاب وكأنها رسالة شخصية من الكاتبة الى القاريء، لا شفرات لغوية، لا تعقيدات أسلوبية، ولا لهاث نحو التقييم النقدي. لم تكن معنية إذا ما تم تصنيف كتابها ضمن أدب السيرة أو السرد الروائي، إنها محض رسائل شخصية تكتبها خشية ان ((يداهمها النسيان وينخرها العدم... إذ يصبح التذكر بلسما حين تحل النكبات وتتربع الرزايا)). استرجاع لمحطات غابرة وغور في مناطق عصية على الأستذكار أقل أشتراطات تحققها شجاعة مفرطة لتجنب الأنهيار. قد تكون كتابة السيرة هدفا بذاته لتدوين ما لم نتمكن من فهمه حينها لفرط الصدمة أو رعبها أو لأنشغالنا بالحفاظ على بقائنا البايولوجي، لكنها أيضا عودة الى الذات لمصالحتها ومصارحتها. لا تخلو هذه السيرة من رومانسية مفرطة لكنها تنتقل سريعا الى مسار مأساوي. تتكرر تلك الثنائيات العجائبية المتناقضة في الكثير من الأحداث الدرامية التي تبدو مقدماتها معاكسة تماما لنتائجها، تأخذنا الى حافة الحياة التي تنقلب فيها المأساة من فرط قسوتها الى ملهاة مفجعة. تفيض نصوصها القصيرة والمكثفة بالبوح الشخصي ولا تخلو من رسائل خفية أعتنت بها كثيرا لتكون ملمحما بارزا لأسلوبها في التدوين والسرد من دون تضخيم أو تهويل ومن دون مفاخرة أو تباهي وكأنها مؤمنة بأن القاريء مثلها يعتبر تلك الوقائع تاريخا عائليا مشتركا لا حاجة لنا للتعقيب عليها.
يشكل لقاء منى سعيد لأول مرة بالمصمم (سامي حسن العتابي) مشهدا كوميديا يدفعهما لاحقا الى قصة حب مجنونة تمتد الى أقصى مدياتها لتنقلب لاحقا الى مأساة مثل معظم الفصول الأخرى في حياتها، قصة مهولة من العذاب والقسوة سيكون على أمرأة وحيدة وطفلتها الصغيرة كل مقاومتها. فكيف أستطاعت ذلك ؟ لاشك أن غريزة البقاء هي الأقوى بين غرائز البشر لكنها بحاجة الى دافع وحافز، هذا ما ترويه لنا بهدوء وروية من دون ان تقع في مطب تعظيم الذات والتغني بالضحية أو رثائها، وهذا بعض ما جعل ذلك الكتاب حميميا مثل رسائل شخصية لأمرأة عاشت حياتها في ((عالم مضطرب وعراق مستقر)) وهو عنوان مقابلة في مجلة “ألف باء” مع مدير المخابرات العراقية في منتصف الثمانينات، يرد في أحد نصوص الكتاب ليعبر بشكل مكثف وساخر عن زمن تكون فيه للمأساة والمهزلة جسد واحد.
في أسفار منى سعيد، لا ننشغل بالتساؤل عن ما إذا كانت الكارثة ستقع أم لا، بل متى تقع.هذا ماتنقله لنا تعبيرات غرائبية صادمة مثل ((أمسكت سماعة الهاتف وأنا أرتجف حينها شعرت كما لو أن نداء جاءني من القبر))
ليست البلاغة هي التي تدفع الكاتبة الى أختيار تعبيراتها اللغوية بل قوة الفاجعة. ومثل المأساة المندفعة الى أقصى مدياتها لاتجد صاحبة السيرة بعد ذلك الأ أن تتهافت الى قاع الملهاة وتواجهها بالضحك، سواء كان ذلك بدافع الأحساس بالعبث واللاجدوى أو بسبب عجز المنطق والوعي عن أستيعاب الصدمة، وهو أسلوب يحفظ لها وللقاريء بعض التوازن النفسي ويدفعنا الى احتضان النص من جديد بوصفه رسالة شخصية تأسرنا بوجدانيتها الصادقة وننتظر لمحات السخرية اللاذعة التي تنسكب مثل قطرة ندى فوق الجمر.
ليست الثنائيات العجائبية المتضادة أسلوبا تقنيا للكتابة انه نمط حياتها وقدرها الذي لم تجد منه مفرا، وكأنها اللعبة القدرية التي أختارتها لها الحياة. ولهذا نجد لديها استعارات وتوصيفات لا معقولة توردها كما هي على لسان شخصيات تشاركها تلك الرحلة، كما هو عنوان أحد تلك الوقائع (تصادم توابيت).
عندما نفقد شيئا ما في مسارنا الطويل نعود للبحث عنه في رحلة عكسية في المسار ذاته، نتأمل خطواتنا بمنظور عكسي في الزمان والمكان لتفحص الأثر وفهمه. وحين تكتظ الحياة بوقائع درامية مفرطة وتقلبات سريعة وعنيفة يضطرب ذهننا فنضل الطريق ونتيه أو ننحاز عنه بقصد أو غير قصد، وتتضاعف حاجتنا للعثور على نقطة استقرار أينما تكون لاستعادة توازننا النفسي، فنضطر حينها الى العودة الى الوراء لعلنا نعثر من جديد على ما فقدناه. قد يكون هذا هو ما فعلته منى سعيد وهي تخوض تجوالا عكسيا في سنوات الجمر والندى، هذا الكتاب ليس سيرة حياة فحسب أنه تجسيد أدبي للعبة (الحية والدرج) مثلها في تركيب نصوصه القصيرة المتعاقبة في متوالية لا تقود وحداتها الى مسار يمكن تخمينه،، تتعالى أحيانا بقوة ثم تنهار بسرعة الى قاع هاوية تراجيدية سحيقة تقودك فيها للتأرجح بين الفاجعة والمهزلة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*
مخرج مسرحي وكاتب عراقي مقيم في السويد.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل