/
/
/
/

رحل المبدع الكبير “علي الشباني” يوم 2/10/2011، وفي ثقافة شعارها “الطاح راح” لا يستذكر هؤلاء المبدعين العراقيين المعذبين غير أصدقاء المحن والشدائد النجب الصادقين. وجد الشاعر نفسه، وكأنه ألقي في اليم وحيداً في تالي العمر. حيث تنكر له الأهل والأبناء والمعارف والأصدقاء والمحيط. أصبح ثقيلا عليهم حينما أصابه مرض الكآبة، ذلك المرض الحضاري المنتشر في أوربا بسبب اغتراب الإنسان النفسي من جفاف المحيط، والمصاب هنا يلقى الرعاية الصحية الكاملة من قبل المؤسسات الصحية والاجتماعية. فينزل في مصحات توفر له سبل العودة إلى حافة الأمل والحياة. ما أصاب – علي الشباني – هو خيبة من الحياة برمتها. فقد قضى كل عمره في مدينته – الديوانية – لم يغادرها أبدا وهو ما يصح أطلاق صفة – المواطن الأبدي – عليه. كان لا يطيق الابتعاد عنها يوما حتى في شدة مرضه وتنكرها له. ففي زيارتي الأخيرة تشرين الاو 2010 دُعيت لإقامة أمسية في نادي الكتاب في كربلاء فسافر معي، وفي صباح اليوم التالي أستيقظ باكرا وحثني على العودة. وعندما رفضت، فقد كنت أريد رؤية كربلاء التي لم أزرها منذ عام 1979، خرج من البيت الذي كنا فيه وعاد إلى الديوانية للدوران بين مقاهيها وشوارعها وحيدا.

أصابته خيبة الأمل واليأس من أفق أيامه المتبقية وهو يعبر الستين،  فقد قضى جلّ عمره زمن الدكتاتورية والحصار، سجنا طوال فترة ستينات القرن المنصرم، وتكرار اعتقال في سبعينياته، وسيق لجبهة الحرب في ثمانينياته، وهو المرهف والمثقف ثقافة موسوعية والشاعر المجدد. كان يظن أن التغيير سيصنع عراق حلمه، هكذا وجدته في زيارتي الأولى عام 2004 بعد الاحتلال، لكن في زياراتي اللاحقة كل عام تقريبا ولمدد جاوزت النصف سنة بدأت تسّود الصورة والأفق في عينيه ويخيب رويدا.. رويدا.. حتى سقط في مساحة اليأس والعتمة. والأفق أعتم . فوقع في الكآبة فاقدا القدرة على القراءة والكلام. فعاد شاردا، من أين للعراقيين أن يفهموا مصاب بكآبة؟!.. من أين؟!. فواجه الصد والهجر من أقرب الناس إليه، عائلته طردته، فأستأجر شقة بائسة وسط المدينة من صديق مقاول وكنت معه في فترة تواجدي في العراق، أحاول وأحاول، وحينما أسافر أكلف أحداً للعناية به. السفرة قبل الأخيرة 2009 كلفت جارنا المغني الجميل – علي الحمرة – فلازمه لكن سوء الحظ جعلهم يتعرضون لحادث سيارة على طريق النجف مما أقعد المغنى شهوراً في الفراش، فعاد علي الشباني مرة أخرى إلى وحدته وهو يضرب شوارع وأسواق المدينة رائحا غاديا وكأنه يبحث عن المستحيل في ثناياها وأزقتها ومقاهيها. في سفرتي الأخيرة لازمته وعند سفري كلفت – جمهور – فلازمه، لكن طاقة الناس محدودة وهو المريض يحتاج إلى من يلازمه كل الوقت ليسري عنه ويلهيه ويتحدث معه. الشيء الذي خفف من قلقي في أيامه الأخيرة ملازمة شاب صغير السن من عائلة يسارية معروفة في المدينة له، عامله بحنو، يسمع شكواه، ويصبره ويحفظ أشعاره، هذا الشاب العراقي الصغير الذي بأمثاله سيكون ثمة نقاط ضوء في أفق العراق المظلم. أتصل بي في الفيس بوك وطلب صداقتي، فتتبعت أخباره قبل وبعد سقوطه في مقهى وسط المدينة كمدا ووفاته في 2 – 10 – 2011. وكانت حياته تجسيدا حياً لصراخ المتنبي في بيتيه الشعريين: أنا في أمة تداركها الله……   غريب كصالح في ثمود.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل