/
/
/

"من النص إلى الخطاب" ممارسة نقدية تدخل في مجال التفكير الثقافي، وفي مجال الكتابة، وفي مجال تداول المفاهيم والمصطلحات، مثلما هي فاعلية اشتغل عليها عديد من الباحثين العرب مثل نصر حامد ابو زيد، وعمر مهيبل وغيرهم..
النقاش حول هذه الممارسة يمثل عتبة إجرائية لوعي فاعلية التحوّل، ولتوصيف فاعلية النقد الثقافي، الذي يصعب تداوله واستهلاكه في ظل بروز مركزيات جديدة عملت على تكريس قوة العقل النصوصي العربي، نصوص العقائد، نصوص التحريم والتكفير، نصوص السلطة، وهذا يفترض توصيفا مضادا للنقد ولوظائفه، في التعاطي مع الإشكاليات والعقد والصراعات التي نواجه تحدياتها، على مستوى الجماعة والفرد والدولة والهوية والأمة.
وإذا كان النقد الأدبي هو الممارسة القديمة والقرينة بالنصوص وبلاغتها وجملها النحوية والأدبية، فإن النقد الثقافي هو الممارسة المتحركة والمتمردة على التاريخ القسري لتلك النصوص، والباحثة في فاعلية النسقيات المؤسِسة، بما فيها نسقيات القبح والجمال والعصاب والمضمر والمسكوت عنه.
النقد الثقافي ليس منهجا بالمعنى الأكاديمي للمنهج، بل هو الأقرب إلى طريقة، أو وسيلة للقراءة والكشف، وللاهتمام بالأنظمة العميقة للخطاب، إذ هو يدفع بالنصوص خارج القراءات الموجهَة التي تصطنعها الأيديولوجيات والسرديات الحاكمة، بما فيها حاكميات الجماعة والسلطة والتاريخ، واستحضار وسائل قرائية تؤنسن القراءة الثقافية وتدرس النص بوصفه، حادثة ثقافية كغيرها من الحوادث الثقافية التي تستأثر باهتمام الدراسات الثقافية التي تحاول الكشف عن أدوات التمركز والهيمنة، ومن ثمّ التعامل مع الهامش الشعبي وما كان يعدّ متنا. "سمير الخليل/ فضاءات النقد الثقافي من النص إلى الخطاب.
ممارسة هذا النقد تعدّ أول عملية خروج عن النص بوصفه القوة الصيانية التي تتحصن بها السلطة، والجماعة، وتخضعها بالتالي إلى ذهنية الحكم والتحريم، وهذا ما يجعل محنة النص هي المقابل الرمزي لمحنة السلطة وفروضها، ومحنة المؤلف الأيديولوجي، والفقيه الديني، اللذين يسهمان إلى حدّ كبير في قمع أي فهم مفارق لمفهومي الأمة والدولة، اللتين اختصرهما البعض في تسمية "الملة" بوصفها الجماعة العصابية التي تتحصن بالفكرة المتعالية للفرقة الناجية أو الفرقة النقية.
وإذا كان عبد الله الغذامي قد دأب على إعطاء جرعات إجرائية للنقد الثقافي، فإنه قد أخضع هذا النقد إلى مرجعيات إيديولوجية وحساسيات أفقدت الممارسة قوتها الفاعلة في مواجهة محنة النص، ومحنة السلطة، ومحنة الديكتاتور/ الفحل، لاسيما في قراءاته لظواهر صدام حسين وأدونيس ونزار قباني، مثلما هو قراءاته "الثقافية" للنسقيات المضمرة التي تتعالق بموضوع اللغة والجندر والمرأة والخطاب الديني والمؤسسة السياسية.

النقد الثقافي وسلطة الذكورة

وظيفة النقد الثقافي تنطلق من المهمة التي حددها فينست ليتش، والتي يراها تنحصر في "تحليل الجذور الاجتماعية والإيديولوجية للأحداث المجتمعية والمؤسسات ومهاويها ومهادها وتفرعاتها الأيديولوجية".. "النظرية والنقد الثقافي/ محسن جاسم الموسوي/
وهذا يتماهى مع فرضية تحليل السلطة ومرجعياتها وأنساقها، إذ هي مؤسسة القوة الشرسة والطاغية، والمحتكرة للثروة والعنف، التي تحولت في العديد من البلاد العربية إلى سلطة مُتشظية تقود بعضها جماعات متطرفة وتكفيرية وميليشيات معسكرة ومؤدلجة تموّلها دول بالمال والقوة العسكرية والدعم اللوجستي، وهذا المعطى وضع هذه السلطة غير الدولتية أمام مرجعيات أكثر خطورة لتداول النصوص، بما فيها نصوص الفقه، ونصوص التحريم والتكفير.
المجال النصوصي لسلطة الجماعة تحوّل إلى إطار لتكريس نوع من الفحولة الثقافية، والفحولة النصوصية، تلك التي يمارسها ويفرضها "رجال" عقائديون، بمواصفات معينة، وبأشكال وأزياء لها شيفرات محددة، وحتى الصورة الإعلامية التي يتم تسويقها عن هؤلاء الرجال/ الفحول تحمل بعدا نصوصيا فائقا، الغاية منه إيصال خطاب/رسالة لنمط الفحولة الجديدة، ولنمط القوة الجديدة، ولهوية الجماعة التي تعبّر عن خطابها بتكفير الآخر عبر جهاز نصوصي معين، وعبر ممارسة أقسى درجات العنف، وبما يضع الحياة التي يحكمونها أمام سياقات معينة تحكمها نصوص قارّة، وليس خطابات يمكن تداولها والخضوع لها، أي أن الخطاب يدخل في سياق السيطرة وإبراز وظيفة التحريم ووظيفة القوة.

النقد الثقافي والمؤسسة

بما أن النقد الثقافي ممارسة في نقد الأنساق، فإن خطورته تكمن في نقد من شرعن وجود هذه الأنساق، تلك التي تحتفي بقبحيات السلطة واللذة والتماهي مع الهيمنة والاستعمار والمركزة، وهو ما يدعو إلى ضرورة التعاطي الفاعل و"اللابنيوي" مع مضمرات تلك النسقيات، بما فيها نسقيات السلطة/ المؤسسة، والسلطة/ الجماعة، تلك المحشوة بالكثير من العصاب والعنف.. وكذلك التعاطي مع تفكيك الصورة – صورة الإرهابي، صورة الفقيه، صورة السياسي، صورة المحلل السياسي، صور طرائق تنفيذ الإعدامات، بوصفها صورا تفرض نمطا رهابيا من المشاهدة، ورسالة سايكوباثية لإثارة الخوف والرعب في الجمهور المستهدف.
هذه الصور ليست بريئة، وليست تعبيرا عن موقف سياسي أو ديني أو أيديولوجي حسب، بل هي تعبير عن منظومة مؤسسية، تلك التي تسهم في إيجاد الأطر لتوظيف النصوص، ولصناعة الخطاب، ولتأمين الوسائل والإمكانات التي تسوّق الأفكار والرسائل، ولفرض بعض القناعات على رأي عام معين يستهلك هذا الخطاب، ويقبل به، بوصفه خطابا تعويضيا يبرر "فقه المقاصد" في كراهية الآخر وتأثيمه، فضلا عن وظيفته في كشف أنساق التفكير التي يمارسها الجمهور العمومي، الذي كثيرا ما يتبدى على شكل حشود غاضبة، أو مريدين يجدون في وسائل التواصل الاجتماعي- الفيس بوك، تويتر- مجالا للتنفيس عن أفكارهم المؤيدة والرافضة. والأخطر ما في هذه التماهيات أنها تستند إلى نصوص، وإلى مرجعيات تاريخية تقوم على تضخم النظرة الخلافية الطائفية والدينية..
عدم تحول النقد الثقافي إلى منهج وإلى منظومة فاعلة في تداول الأفكار والمفاهيم أسهم إلى حد كبير في الإبقاء على القوة المؤسسية القديمة، القوة التي تستند إلى البلاغة والشعرية والمجاز والتوصيف النحوي والأدبي، الذي يتكئ في مشاغله على نصوص في المؤسسة الأكاديمية، وفي المؤسسة الشرعية، وحتى في المؤسسة الإعلامية، لاسيما مع الفكرة التي تحدث عنها عبدالله الغذامي في كتابه عن النقد الثقافي حول "الفقيه الفضائي" إذ يقوم هذا الفقيه بوظيفة المؤسسة الحامية للنصوص وللجماعة، التي تمارس عبر سلطة "العولمة" و"وسائل الاتصال التكنولوجي" تصنيع خطابها المؤوَل إلى الجمهور، وفرضه كـ"صورة تلفزيونية" مصممة، وتُبث ضمن ما يسمى بـ"الوقت الذهبي" للإرسال التلفزيوني، أي تسويق النص كخطاب ورسالة وفكرة إلى جمهور يحتشد أمام الشاشة

خلال هذه المدة الزمنية…

نقد الخطاب.. نقد المؤسسة

الكشف عن خطورة اللحظة العربية الفاجعة يمثل مجالا مفتوحا لإمكانية مأسسة هذا الممارسة "النقد ثقافية"، وبما يعطي أفقا لنقد المؤسسة التي تقف وراء خطاب الإرهاب والعنف والتكفير، وتعرية أنساق قبحياته المضمرة، قبحيات الإيديولوجيا، وقبحيات الاستبداد، قبحيات السرديات الكبرى، قبحيات العصاب، وتطوير وسائل هذا النقد على مستوى المؤسسة الأكاديمية، وعلى مستوى المؤسسة الإعلامية، وعلى مستوى الممارسات المنهجيات، لاسيما تلك التي تتعلق مع قيم الحداثة والتنوير والإصلاح، ومع القيم الضدية للاستعمار والاستلاب والتكفير، التي تتحصن تاريخيا وسلطويا بنصوص ومؤسسات قامعة وقهرية.. وأحسب أن حديث بناء "النظرية العربية" التي تحدث عنها الناقد الغذامي يحتاج إلى مقاربة مسؤولة، وإلى رؤية واضحة تتجاوز الزاوية الضيقة التي اشتغل فيها، وتجاوز عقدة نصوص السلطة باتجاه صناعة خطاب الذات الواعية، التي يمكنها وضع الخطاب في سياق استعمالي، وفي سياق تأمين الشروط الفاعلة ثقافيا ومهنيا ومؤسسيا، لمواجهة أنساق الرعب التي تتكرس اليوم في حياتنا العربية، بدءا من نسق الجماعة، ونسق النص المركزي، وانتهاء بنسق التاريخ، نسق الحشد، نسق الدكتاتور الفقهي.

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل