
منذ فترة، باتت التجاوزات الاستبدادية واضحة: في تركيا وروسيا والمجر والولايات المتحدة، ومع صعود أحزاب اليمين الاستبدادي في النمسا وإيطاليا وفرنسا وهولندا وألمانيا. وقد أثارت هذه التجاوزات نقاشًا حادًا حول طبيعة ما نواجه. تُوصف روسيا في عهد بوتين بالفاشية، وفي وسائل الإعلام الأمريكية البديلة، تُوصف إدارة ترامب ببساطة بالفاشية. والامر هنا منطقي، إذ أن ستيف بانون، أحد مستشاري ترامب السابقين، يصف نفسه بالفاشي. بل إن ترامب نفسه سمح لممداني، عمدة نيويورك المنتخب حديثًا، بوصفه داخل البيت الأبيض بالفاشي.
تقترح العديد من الإصدارات الحديثة تعريف الوضع بأنه فاشي: الفاشية الرقمية، الفاشية المتأخرة، الفاشية الجديدة، الفاشية الديمقراطية. ويُثار أحيانًا ترددٌ حول مدى ملاءمة مصطلح الفاشية، ويُطرح التساؤل حول المعنى المقصود من المقارنة مع ذلك الشكل المتطرف من عنف الدولة وسياسة الإبادة. ولا شك في وجود عناصر عامة للفاشية: معاداة السامية والعنصرية الجديدة، ورفض المهاجرين، وتآكل سيادة القانون، وعسكرة وعنف الشرطة، قمع العلم، فرض الرقابة على اللغة، واضطهاد الإعلاميين النقاد، وجماعات النازيين الجدد المسلحة، والإرهاب اليومي. ولطالما افتخرت الديمقراطيات الغربية، من بين أمور أخرى، بالانتقال السلمي والمنظم للسلطة، لكنه أصبح موضع تساؤل في تركيا والولايات المتحدة. ويجري التلاعب بالأنظمة الانتخابية في دول أخرى أيضا.
لتجنب التسرع واعتبار العملية مكتملة، يجري الحديث مصطلح Faschisierung „التحول التدريجي الى الفاشية". ويشير التمييز بينه وبين مصطلح الفاشية إلى مرحلتين: مرحلة الحركة والاستيلاء على السلطة، ومرحلة الفاشية كشكل للحكم. هل من المتوقع أن تتحد عناصر الفاشية، كما هي موجودة في المجتمع البرجوازي، لتشكل شكلاً جديداً من دولة فاشية استثنائية؟ ربما نتعامل مع أشكال هجينة جديدة، وهذه ليست المرة الأولى. لقد وصف هربرت ماركوز، على سبيل المثال، حكومة الولايات المتحدة في عهد ريتشارد نيكسون بأنها فاشية ديمقراطية.
تضليل السلطة
القى عالم الاجتماع يان فيليب ريمتسما، مؤسس ومدير معهد هامبورغ للأبحاث الاجتماعية لفترة طويلة، محاضرة نقدية حول هذه القضايا في مؤتمر حول الفاشية في مدينة "كونستانس"، نُشرت في صحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ" المحافظة في 6 أيار 2026. أثار النص جدلاً واسعاً وأشعل نقاشاً في صحيفة "دي تسايت" الليبرالية، حيث أصرّ كلٌّ من راحيل ياغي (فيلسوفة سويسرية معاصرة) وروبن سيليكاتس (فيلسوف وعالم اجتماع الماني معاصر) على ضرورة الحديث عن الفاشية. وكان ريمتسما قد حذّر من استخدام مصطلح الفاشية، وقدّم حجّة ماركسية متينة في هذا الشأن: فمفهوم الفاشية مرجعية خاطئة، تماماً كما افتقر الثوار الفرنسيون والأمريكيون إلى فهم حداثة أفعالهم، واستمدّوا فهمهم لأنفسهم من مفردات وعمارة روما القديمة.
لذا، يستند استخدام هذا المصطلح إلى تراكم متعدد من الأساطير، خصوصا وأن الفاشية التاريخية نفسها استحضرت روما القديمة، وأساطير الخلاص المسيحية، والتراث الجرماني. لقد نظر اليسار في ثلاثينيات القرن العشرين إلى هذا الشكل الجديد آنذاك من الحكم نظرة أسطورية، مستندًا إلى تحليل ماركس لديكتاتورية لويس بونابرت: زعيم واحد جمع، لمصلحة مجموعة من المضاربين الماليين، حشودًا من الفلاحين غير المنظمين أو البرجوازيين الصغار كأتباع له. وهكذا، تم تجاهل التطور الجديد والمثير للحكم البرجوازي - حالة الاستثناء الفاشية، وإرادة شن حرب غزو، وهدف القضاء على أوساط واسعة من السكان.
ولعل من المفيد التذكير بأن النظرية النقدية القديمة نادراً ما تناولت الفاشية، بل وصفت التطور المجتمعي الأوسع نطاقاً بالاستبداد والدولة الاستبدادية. وعندما ذُكرت الفاشية، كان ذلك بوصفها سمةً من سمات الموقف، تماماً كما نوقشت القومية أو المحافظة. وقد مكّن هذا النظرية من تتبع خطوط تاريخية طويلة تعود إلى القرن التاسع عشر، بل وحتى إلى العصور القديمة. لكنها، واجهت صعوبة في تحديد الطبيعة الخاصة للوضع الراهن. لماذا وُجدت النازية وسياساتها العنصرية في الإبادة في ألمانيا، في حين كانت النزعات الفاشية والمعادية للسامية والاستبداد منتشرة بنفس القدر، أو حتى أكثر وضوحاً، في دول استعمارية مثل فرنسا وبريطانيا العظمى، أو في دولة ما بعد استعمارية مثل الولايات المتحدة الأمريكية؟
في سبيل كفاءة واقعية
يرى ريمتسما أن الإشارة إلى الفاشية تشبيه مضلل، وموقفه في هذا الشأن ينتمي الى الفلسفة الاسمية. فالفاشية، كما يرى، مجرد اسم بلا دلالة. وهذه أداة كلاسيكية من أدوات عصر التنوير: فالمطلوب ليس التسمية المناسبة، بل التحليل بالأمثلة. ويربط ريمتسما هذا بفكرة مثيرة للاهتمام حول العلاقة بين البنية العميقة للمجتمع وظاهره، وهي فكرة سبق أن طرحها آخرون: فكل ما نمر به اليوم موجود بالفعل على السطح. وينقل ريمتسما عن ليون فويشتفانغر (1884 – 1958 روائي الماني) قوله: "إنها بدائية لدرجة تجعل المرء يعتبرها مستحيلة". لذا، لا حاجة للنظر إلى ما وراء الكواليس.
نعم، لكن ريمتسما مخطئ في نقطة واحدة: فهو يرفض تقييم المستشار آنذاك فرانز فون بابن (1932) بأن هتلر كان موظفًا لدى البرجوازية الألمانية. لكن في ذلك الوقت، كان السؤال هو: أي قطاعات رأس المال دعمت النازيين ونهبهم. أما اليوم فالأمر واضح: ترامب نفسه ملياردير ويرتبط ارتباطًا وثيقًا بفاحشي الثراء. كل شيء مكشوف: "تفوق" عائلة ترامب، والفساد، والاحتيال، والاستغلال الرخيص. إنه لأمر غير مسبوق تاريخيًا، أن السياسيين المحترفين لم يعودوا يمثلون مصالح البرجوازية، بل أن البرجوازية نفسها هي التي تحكم. هذا يخلق مشهدًا جديدًا: أي كتل رأس المال تتسامح مع هذا ولماذا؟
يساعدنا مصطلح مثل الفاشية على فهم الأحداث، لكنه قد يضللنا أيضاً. في سبعينيات القرن العشرين، سارعنا نحن اليساريين إلى عقد مقارنات: الولايات المتحدة الأمريكية - قوات العاصفة النازية، او مع الجناح العسكري للحزب النازي „ قوات الأمن الخاصة"، وسياسات حكومتي المستشارين الديمقراطيين الاجتماعين وفلي برانت وهيلموت شميت - بسبب مرسوم "المتطرفون"، وتوسيع مكتب الشرطة الجنائية الفيدرالية وأساليبه التحقيقية، والطريقة التي تم بها محاربة "منظمة الجيش الأحمر" فُسِّرت جميعها على أنها فاشية جديدة. رأى جزء كبير من اليسار أن الديمقراطية الفتية في ألمانيا تنزلق بالفعل نحو دولة استبدادية. وبدا الحق في المقاومة أمراً حتمياً.
ينطلق نقد ريمتسما من أعلى الهرم، ويتخذ نبرة محافظة واضحة حين يستشهد بنيكلاس لومان (1927 -1998 عالم اجتماع الماني)، مؤكدًا أن من يتحدثون عن الفاشية هم من يشعرون بالراحة في إطار الجماعة ويرغبون في البقاء معًا. فهو يرى في متعة مناقشة الفاشية تجربة مشتركة، وتراجعًا. ولكن لماذا لا تفهم هذه المناقشة، كممارسة للمقاومة ضد العنف القومي، وضد العداء الأعمى للعلم، وضد معاداة السامية السلطوية، وضد الفساد وشبكات التمييز؟ في المقابل، يريد ريمتسما معالجة الحقائق المُرّة للوضع بمنهج واقعي.
يأس
يبدو أن منافسة غريبة تدور هنا: أليس أولئك الذين يدبنون قتل المهاجرين ومعاداة السامية، والذين يدافعون عن الديمقراطية، والذين ينتقدون الحرب العدوانية غير الشرعية ضد إيران، واقعيين أيضاً، بل أكثر واقعية من السياسيين العنصريين والكاذبين وناشرين الدعاية؟
لكن ريمتسما لديه فكرة أخرى. فهو أيضاً يستخدم أسلوب القياس؛ لا يشير إلى نظريات العلوم الاجتماعية، بل إلى الأدب، بما في ذلك رواية "مارش راديتسكي". ووفقاً لريمتسما، تمثل هذه الرواية لجوزيف روث نهاية عالم تاريخي. فالشخصيات التي يقدمها لنا روث تدرك أنها أموات أحياء، وأن وقتها قد نفد، وأن عالمها ينهار. وهذا قياس واقعنا اليوم: بوتين يريد إنشاء روسيا الكبرى ويفشل، ترامب يريد إعادة عظمة الولايات المتحدة ويفشل، والمستشار الألماني ميرتس، الذي يظن، على طريقة الألمان وكبار السن، أنه أعلم بكل شيء، فينفخ خديه، ويطلق تصريحات رنانة، فيحرج نفسه. جميعهم يعيشون ويتصرفون وكأنهم خارج لعصر.
وبدلاً من العمل معاً لمكافحة الفقر، وتراجع التعليم، وكارثة المناخ، يتجاهل بوتين ذوبان طبقات الصقيع ويُقامر بمستقبل الشعب الروسي. يُهدد ترامب، ليس فقط، بفناء حضارة، بل بفناء البشرية جمعاء، إذا تجاهل التطورات البيئية وفكّر في استخدام الأسلحة النووية. حتى الآن، عارض الجيش الأمريكي هذا، ولكن إلى متى ستستمر هذه المعارضة؟ قد يكون مصطلح الفاشية مُخففاً لوصف الفظائع التي يحملها المستقبل. يُلمّح ريمتسما إلى هذا، لكنه لا يجرؤ على التصريح به مباشرة؟ أليس من الأفضل التصريح به علناً والمساهمة في تعزيز قدرة اليسار على العمل؟ يُشير ريمتسما مرة أخرى إلى ماركس: إلى الأطروحة السادسة حول فيورباخ، والتي تُفيد بأن الإنسان هو نتاج العلاقات الاجتماعية. ما الذي يدفع الناس إلى تعليق هذا الجدل بين العام والخاص والخضوع لقيادة قلة مختارة، بدلاً من أن يحكموا أنفسهم بأنفسهم وينقذوا أنفسهم والعالم؟
ــــــــــ
"نويز دويجلاند" الألمانية - 19 أيار 2026







