
يؤكد صندوق النقد الدولي في أحدث تقاريره عن آفاق الاقتصاد العالمي أن "عدم اليقين هو الوضع الطبيعي الجديد". وتسعى الولايات المتحدة والصين وأوروبا إلى فك ارتباطاتها الاقتصادية، في حين يتفكك السوق العالمي الموحد. ونتيجة لذلك، يعرب الاقتصاديون عن أسفهم لأن التوترات الجيوسياسية والعقوبات والتعريفات الجمركية والحروب القائمة، والتهديدات بحروب جديدة تلقي بظلالها على التوقعات الاقتصادية وتعيق الاستثمار. ويصورون الاقتصاد العالمي كضحية للتفاعلات العدائية المتزايدة بين القوى العالمية، ويدعون إلى نظام عالمي قائم على أسس. إلا أن هذا النظام تحديداً هو الذي يحوّل التعاون في كثير من الأحيان إلى مواجهات عنيفة.
رؤية الاقتصاديين
من وجهة نظر الاقتصاديين، يعاني الاقتصاد من تصاعد التوترات الدولية. ويوضح غوليان هينز، من معهد كيل للاقتصاد العالميً: "بعزلها نفسها عن السوق العالمية، تجعل الولايات نفسها اول المتضررين، لأنها تفقد مزايا تقسيم العمل الدولي". ويدرج صندوق النقد الدولي "تفاقم التوترات الجيوسياسية وتصاعد النزاعات التجارية، مما يقوّض الثقة والاستثمار والتجارة" في سياق المخاطر الحالية التي تُهدد الاقتصاد الألماني. ويقول مارسيل فراتزشر، رئيس المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية، في نهاية المطاف: "لا تنتج النزاعات التجارية إلا خاسرين". وتحذر كريستين لاغارد، رئيسة البنك المركزي الأوروبي: "إذا كنا جادين في الحفاظ على ازدهارنا، فعلينا السعي جاهدين لإيجاد حلول تعاونية، حتى في ظل الخلافات الجيوسياسية".
تبقى أسباب هذه "الاختلافات" غامضة إلى حد كبير. أحيانا تُعزى إلى سياسات "الحكام المستبدين"، وأحيانا أخرى إلى الاقتصاد العالمي نفسه، ولكن بقدر ما تنتهج الحكومات سياسات "غير عادلة" أو "مشوِّهة" تخلّ بالكفاءة والتوازن الاقتصاديين. وتكمن وراء هذا البحث عن الأسباب نظرة إلى السوق العالمية حيث توجد منافسة، ولكن هذه المنافسة، تستلزم أولا التعاون، الذي، ثانيا - مع السياسات الصحيحة - يمكن أن يؤدي إلى ازدهار شامل. لا يحدد الاقتصاديون سببا منهجيا للنزاعات المسلحة، فهي ليست سوى أخطاء وهفوات، وغباء وقصر نظر من قبل الحاكمين. اما الاقتصاد فبريء.
مع ذلك، يمكن القول إنه في النظام الاقتصادي السائد، يُعدّ استخدام القوة العسكرية أو الحفاظ عليها، والذي يتطلب موارد ضخمة، وسيلة ضرورية للنجاح الاقتصادي، أو بعبارة أخرى: إن الطريقة التي يتم بها الإنتاج والتوزيع عالميا اليوم تستلزم التسلح والحرب. فلماذا هكذا هو الحال؟
توحي الصراعات الدائرة حول أوكرانيا وتايوان، أو حتى مطالبة دونالد ترامب بغرينلاند، بأن القوى الاقتصادية العالمية الثلاث مهتمة بالأراضي وإعادة رسم الحدود الوطنية. إلا أن الغزو العسكري واحتلال أجزاء أخرى من العالم، بما في ذلك أسواقها ومواردها الخام، ليس مطروحا حاليا على أجندة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين. فما تسعى إليه هذه القوى في مجال الجغرافيا السياسية ليس استعمارا بالمعنى التقليدي، ولا هو تأمين أراضٍ حصرية يمكن الانسحاب خلف حدودها. بل إن اللاعبين الرئيسيين مهتمون بالصورة الأوسع. فكل منهم يحتاج إلى بقية العالم لتحقيق نموه، كسوق للمبيعات ومجال للاستثمار، وكمورد للسلع الوسيطة والمواد الخام ورأس المال الاستثماري والعمالة. وبالتالي، فإن الهدف ليس فصل سوقهم ومجال نفوذهم عن منافسيهم، بل توظيفهم اقتصاديا كوسيلة لنموهم. وهنا يكمن ترابطهم.
يستمر هذا الاستخدام المتبادل سلمياً لفترة طويلة ، إذا كانت جميع الأطراف المعنية راضية عن العوائد الوطنية من السوق العالمية، أو إذا تمكن الفائزون النسبيون في المنافسة من إبقاء غير الراضين تحت السيطرة ، عبر جعل أي مقاومة للنظام السائد تبدو ميؤوساً منها.
لكن ذلك السلام قد ولّى. فلم تعد المناطق المهمشة أو المستغلة في العالم وحدها هي الساخطة، بل إن الولايات المتحدة الأمريكية، المستفيد الأقوى من هذا النظام، باتت ساخطة أيضاً. لم يبدأ هذا السخط السياسي مع ترامب، بل يعد بمعالجته بالقوة: "أمريكا أولاً".
لا تكمن شكوى الولايات المتحدة في أزمة اقتصادية، أو انهيار سوق الأسهم، أو ارتفاع التضخم أو البطالة؛ بل العكس هو الصحيح، يُعجب الاقتصاديون بالنمو الاقتصادي القوي الذي شهدته السنوات الأخيرة، بما في ذلك أسعار الأسهم القياسية، باعتباره "استثنائية أمريكية". ولا تشعر الحكومة الأمريكية بالاستياء من النمو بحد ذاته، بل من حالة النظام العالمي من منظور جوهري: فقد أدى هذا النظام إلى بروز الصين كمنافس قوي للولايات المتحدة. ومع التآكل النسبي لهيمنتها، ترى الولايات المتحدة أن قيادتها العالمية، وبالتالي أمنها القومي، مهددة، ولهذا السبب يشعر الرئيس الأمريكي بأنه محق في تفكيك النظام القائم عن طريق مراسيم الطوارئ: "لقد خُدعنا".
إن تشخيص ترامب لوجود تهديد لمكانة الولايات المتحدة ليس مجرد وهم، بل يستند إلى منطق اقتصادي سليم. فالهيمنة السياسية هي القوة الإنتاجية الحاسمة في النظام الاقتصادي السائد. ورغم أن السلطة المهيمنة لا تضمن النجاح تلقائيا في المنافسة على الأرباح والمبيعات وحصة السوق، إلا أنها تتحكم في شروط هذه المنافسة: القواعد التي تحكمها، وما هو محظور على الشركات ومواقع الانتاج، وما هو مسموح به، وتحت أي شروط. وتشمل القدرة على تحديد شروط الوصول إلى سلع العالم وحرية تصحيح نتائج السوق غير المرغوب فيها لصالحها، مما يضعف المنافسين ويعزز سلطتها.
في هذا الدور -كمنظم عالمي وواضع للقواعد -ترى الحكومة الأمريكية نفسها في مواجهة تحدٍّ. فهي ترفع الصين رسميا من مرتبة منافس إلى "خصم". ويوافق الاتحاد الأوروبي على ذلك، لأن نجاحه الاقتصادي، وبالتالي مكانته السياسية العالمية، يعتمدان على نظام تضمنه الولايات المتحدة ولا تستطيع الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ضمانه بمفردها - ليس بدون الولايات المتحدة، وبالتأكيد ليس في مواجهة الولايات المتحدة.
يُضاف إلى المنافسة "الطبيعية" في السوق العالمية على التكاليف والإيرادات والعوائد، منافسة أشدّ بين الدول على السوق نفسها، أي على هيكيتلها وقواعدها. وفي هذه المنافسة، لا يُعتدّ إلا بالسلطة، أي القدرة على إجبار الطرف الآخر عند الضرورة. ويؤكد تقرير أعدّه الاقتصاديون فيليب هيلدبراند وهيلين ري وموريتز شولاريك: "تحتاج أوروبا بشكلٍ عاجل إلى تعزيز قدراتها الدفاعية لضمان استقلالها الاستراتيجي. ولا يمكن المبالغة في أهمية هذه الحاجة الملحة. فالعدوان الروسي، وتغيّر التزامات الولايات المتحدة، والمنافسة العالمية على التجارة والتكنولوجيا والمعادن الحيوية والمواهب والملكية الفكرية، كلها عوامل تجعل إعادة التسلح ضرورية".
لكن السلاح الحاسم في هذه المنافسة الشاملة هو القوة الاقتصادية المحلية نفسها. أولًا، لأن نموها يولّد الموارد اللازمة للتوسع العسكري. ثانيًا، لأنها تتيح تبعية اقتصادية، وبالتالي نفوذا يمكن استخدامه ضد المنافس. يقول بنك آي إن جي: "من المسلّم به أن الحروب التجارية لا تنتج إلا خاسرين، لكن بعضهم يخسر أكثر من غيرهم". لذا، فإن اقتصاديات الحرب التجارية الحالية تقوم على إلحاق الضرر بالخصم، حتى لو كان ذلك على حساب خسائر الدولة نفسها، والتي يجب أن تكون أقل من خسائر خصمها.
هذا هو منطق الحرب، القائم على إعادة تعريف الوضع: فقد تحوّل الشركاء التجاريون السابقون إلى خصوم لم تعد مصالحهم تُراعى من خلال الاتفاقيات التجارية، بل تُقمع عبر العقوبات. وتتحول العلاقات التجارية الراسخة إلى "تبعية استراتيجية" يجب تقليصها لتحقيق "الاستقلال الاستراتيجي". ويعني هدف "الاستقلال الاستراتيجي" تقليل تبعية الدولة وزيادة تبعية الآخرين. وتُعدّ "إعادة التصنيع" و"الريادة التكنولوجية" و"تأمين سلاسل التوريد" العناوين الرئيسية لهذا، أي تركيز السلطة الاقتصادية ضمن نطاق نفوذ الدولة. في الصين، تسمى هذه الاستراتيجية "التداول المزدوج"، والتي يراد من خلالها تحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي. ومع ذلك، لا يعني هذا في الصين، ولا في الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، التراجع إلى داخل حدود الدولة؛ بل يعني خلق مناعة لتمكينها من خوض معركة السوق العالمية بحرية أكبر. وبالتالي، فإن كل إجراء لتعزيز الأمن الذاتي يؤدي إلى زيادة انعدام الأمن لدى الخصم. لأن القدرة على الدفاع عن النفس هي القدرة على شن الحرب.
في هذا الصراع الكبير، يضطلع عامة الناس بدور محوري: فهم المورد الأساسي لتوليد القوة الاقتصادية. قال المستشار الالماني فريدريش ميرز: "علينا أن نعمل بجد أكبر، وقبل كل شيء، بكفاءة أعلى في هذا البلد". وبعبارة أخرى، لا ينبغي فقط زيادة ساعات العمل، بل يجب زيادة الناتج الاقتصادي في الساعة الواحدة. لأنه، كما قال غاريد كوهين، من مصرف غولدمان ساكس: "أولئك الذين لا ينمون يواجهون خطر الانقراض الجيوسياسي".
قدرة تنافسية واستعداد للحرب
من جهة، صحيحٌ ما يشير إليه الاقتصاديون من أن التوترات الجيوسياسية والصراعات الشبيهة بالحروب تعيق نمو الازدهار، وأن التعاون سيكون أكثر فعالية بشكل عام. مع ذلك، فإن هذا الازدهار الرأسمالي لا يمثل منفعة عالمية مشتركة ناتجة عن التعاون الدولي. بل إن الناتج الاقتصادي العالمي هو ببساطة مجموع أرقام تُحسب كدخل قومي أو ناتج محلي إجمالي -مؤشرات اقتصادية لدول تتنافس فيما بينها على حصة من النمو. ويعتمد نجاحها في نهاية المطاف على قدرتها على السيطرة على الآخرين، أي على فرض شروط التعاون. وهذا تحديدا هو هدف "النهج التبادلي" الذي يتبناه ترامب، وميله إلى التفاوض على "صفقات" مع شركاء أضعف.
إلى جانب التنافس الاقتصادي بين الشركات ومراكز رؤوس الأموال، ثمة تنافس دائم على السلطة السياسية، يجد هذا التنافس سلاحه الأمثل في القوة العسكرية والقدرات الحربية، ويتغير وضعه باستمرار بناءً على اختبارات جيوسياسية، من تايوان إلى أوكرانيا، التي تدعم الصين غزو روسيا لها. ولا يُترك مصير هذا التنافس لقوى السوق.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*شتيفان كاوفمان: صحفي اقتصادي، ومقالته نشرت في جريدة نيوز دويجلاند في 1 كانون الأول 2025







