نشأت الماركسية في القرن التاسع عشر كإطار نقدي لفهم التناقضات البنيوية للرأسمالية الصناعية، مركزة على استغلال العمل المأجور وإنتاج فائض القيمة داخل مصانع وورش مادية. ومع الانتقال إلى الاقتصاد الرقمي، حيث تصبح البيانات والخوارزميات والنشاطات المعرفية اليومية عناصر الإنتاج الأساسية، برزت الحاجة إلى إعادة قراءة ماركس في سياق جديد يعكس التحول من الرأسمالية الصناعية إلى ما يسميه بعض المفكرين الرأسمالية الرقمية أو المعرفية. في هذا الإطار ظهرت الماركسية الرقمية كفلسفة نقدية تعيد صياغة أدوات التحليل الماركسي لفهم اقتصاد تقوم بنيته على تحويل الزمن الإنساني والانتباه والعمل غير المأجور إلى مصادر للقيمة.

تعود الجذور الأكاديمية للماركسية الرقمية إلى أعمال مثل كتاب نك داير-ويذرفورد Cyber-Marx: Cycles and Circuits of Struggle in High-Technology Capitalism  الصادر عام 1999، الذي قدم قراءة ماركسية معمقة لعالم الشبكات الناشئ، موضحا كيف انتقلت ديناميات الصراع الطبقي إلى الفضاء الرقمي، حيث يعاد إنتاج علاقات رأس المال عبر بنية الإنترنت والشركات التكنولوجية العملاقة. تبعت ذلك أعمال كريستيان فوكش، خاصة كتابه Digital Labour and Karl Marx  عام 2014، الذي أعاد تعريف مفهوم العمل في السياق الرقمي، مسلطا الضوء على الكيفية التي تتحول بها تفاعلات المستخدمين على الشبكات الاجتماعية، من منشورات وتعليقات إلى إعجابات وتصفح، إلى شكل من أشكال العمل المجاني الذي يولد فائض قيمة تحتكره المنصات الرقمية. كما ساهمت تيزيانا تيرانوفا بمقالتها (العنل الحر)  Free Laborعام 2000 في صياغة مفهوم العمل غير المأجور في الاقتصاد الرقمي، كاشفة كيف أن النشاطات التي تبدو ترفيهية أو تطوعية ترفد البنية الرأسمالية الجديدة بمادة خام معرفية وثقافية. وأكد كتاب Marx in the Age of Digital Capitalism لفوكش وفينسنت موسكو (2016) على مفهوم التطويق الرقمي (Digital Enclosure) الذي يعيد إنتاج الاستيلاء على المشاعات بصيغة معاصرة، حيث تتحول المعرفة والمحتوى والبيانات إلى ملكية خاصة ضمن منصات مغلقة.

وتتجلى أهمية هذا التحليل النقدي عند النظر في بنية ما يعرف اليوم بـ اقتصاد المنصات (Platform Economy)، والذي يضم شركات مثل Amazon وUber  وFacebook  وGoogle فهذه الشركات لا تملك المنتج بالمعنى التقليدي، بل تملك البنية التحتية التي يتم من خلالها تنظيم العلاقات بين المنتج والمستهلك، وبين العامل والمستفيد. المنصة هنا ليست مجرد وسيلة بل هي البنية الحاكمة التي تحدد شروط التفاعل، وأسعار الخدمات، وطرق العمل. ومن منظور ماركسي، فإن اقتصاد المنصات يمثل شكلا جديدا من الاحتكار، حيث تجرد الطبقات العاملة من أدوات الإنتاج الرقمية، ويتحول المستخدم والعامل معاً إلى مصادر بيانات، بينما يعاد إنتاج رأس المال من خلال السيطرة على واجهات التفاعل والبيئة الرقمية ذاتها.

الماركسية الرقمية تكشف أن الاستغلال لم يعد محصورا في الجسد داخل المصنع، بل انتقل إلى العقل والانتباه والزمن المعرفي للإنسان. كل تفاعل على الإنترنت هو ذرة في اقتصاد خوارزمي يعيد تحويل التجربة الإنسانية إلى بيانات قابلة للتسييل. وهنا يتقاطع هذا النقد مع ما يسميه منظرو الرأسمالية المعرفية، مثل يانيك موليه وكارلو فيفري، الذين يرون أن المعرفة أصبحت العنصر الحاسم في تراكم رأس المال. إلا أن الماركسية الرقمية تذهب أبعد، فهي لا تكتفي بوصف التحول، بل تفككه عبر مفاهيم ماركسية كلاسيكية مثل القيمة وفائض القيمة والاغتراب، مؤكدة أن ما يحدث اليوم هو إعادة تدوير لتلك البنى في بيئة غير مادية تبدو أقل عنفا، لكنها أشد شمولا.

ويبرز في هذا السياق أيضًا مفهوم (التشيؤ) Reification الذي طرحه ماركس، إذ أن التحكم الخفي في الانتباه والسلوك عبر تصميم الواجهات وتدفق الخوارزميات لا يستهدف تسويق المنتجات فحسب، بل يعيد تشكيل الرغبات نفسها، ويجعل من الذات الإنسانية موضوعا للبرمجة والرصد والتوجيه. وهكذا يفقد الإنسان حريته دون أن يشعر، بينما يبدو وكأنه يختار ويقرر.

وفي مواجهة هذه الهيمنة الرقمية، تطرح الماركسية الرقمية مفاهيم مثل المشاعات الرقمية  (Digital Commons) التي تدعو إلى استعادة البيانات والمعرفة كموارد عامة تدار ديمقراطيا. ويتصل بذلك مفهوم الحق في الاتصال (Right to Connectivity)  الذي لا يعني مجرد النفاذ التقني إلى الإنترنت، بل يضمن القدرة على المشاركة الفاعلة في إنتاج المعرفة وتداولها. وقد شهدت السنوات الأخيرة بروز مشاريع تعزز هذا التوجه، مثل مشروع (Solid) الذي أطلقه تيم برنرز-لي، ويهدف إلى إعادة السيطرة على البيانات الفردية بعيدا عن قبضة الشركات. وكذلك مبادرات الإنترنت المجتمعي (Community Networks) التي تنظم محليا وتتيح اتصالا لامركزيا وحقوقيا. هذه التجارب تشير إلى إمكانيات بناء اقتصاد رقمي بديل، يتجاوز مركزية المنصات الكبرى.

ويمتد الأفق الماركسي الرقمي نحو تصور أكثر جذرية للعقلانية الرقمية، حيث يلتقي النقد الاقتصادي بالخيال السياسي عبر مفهوم الذكاء الجمعي (Collective Intelligence)  الذي طرحه بيير ليفي. فبدلا من ترك الذكاء الصناعي حكرا على الشركات الكبرى، تدعو الماركسية الرقمية إلى بناء ذكاء جمعي أفقي، موزع، تشاركي، يعبر عن التعدد والاختلاف، ويخدم الصالح العام بدل منطق الربح. وهذا التصور لا يكتفي بتقنين استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يعيد التفكير في بنيته المعرفية والاجتماعية، بوصفه أداة للتعاون والتعلم والمشاركة، لا للهيمنة والتجريد.

في ضوء ذلك، لم تعد الماركسية الرقمية مجرد تحليل نظري لنمط جديد من الإنتاج، بل أصبحت دعوة الى إعادة تشكيل الحياة الرقمية على أسس عادلة. هي فلسفة نقدية تدرك أن التقنية ليست قدرا محايدا، بل هي ساحة للصراع، وأن المستقبل لا ينتظر بل يصاغ، لا عبر الشكوى من تحكم المنصات، بل عبر بناء بدائل معرفية، قانونية، وتكنولوجية، تعيد للمستخدم والعامل والباحث والناشط دورهم في صنع الفضاء العام الرقمي.

في هذا السياق، تتقاطع الماركسية الرقمية مع ما أسميته في مقالاتي السابقة (مقامات التقدم العظيم)، حيث يصبح نقد الرأسمالية الرقمية جزءا من مشروع أوسع لولادة عصر نهضة جديد. إن التحديات التي تكشفها الماركسية الرقمية، من Digital Enclosure إلى اغتراب الإنسان أمام اقتصاد البيانات، تؤكد حاجتنا إلى تنوير رقمي لا يكتفي بفضح آليات الاستغلال، بل يسعى الى تأسيس أفق فلسفي جديد يعيد تعريف علاقتنا بالمعرفة، والعمل، والقيم. فكما كان عصر التنوير الكلاسيكي ردا على قيود القرون الوسطى، فإن عصر التنوير الرقمي الذي ندعو إليه اليوم هو رد على الهيمنة الخوارزمية والتشيؤ الذي يحول الإنسان إلى كيان بياناتي. هنا، يصبح استيعاب مفاهيم مثل المشاعات الرقمية (Digital  Commons) والحق في الاتصال (Right to Connectivity) ليس فقط مطلبا تقنيا أو اقتصاديا، بل ركيزة لفلسفة جديدة للحرية والمعرفة، تتجاوز الخوف من التقنية نحو استثمارها في بناء حضارة رقمية عادلة، إنسانية، ومستنيرة.

ان ما تدعونا إليه الماركسية الرقمية ليس العودة إلى ماضٍ صناعي، ولا مجرد التكيف مع تحولات التكنولوجيا، بل هو تجاوز للرأسمالية الرقمية عبر نقدها الجذري وبناء نماذج تشاركية تنتصر للحق، والمعرفة، والتعاون البشري. إنها الفلسفة التي تفتح الباب أمام مشروع تحرري جديد، يجعل من المشاعات الرقمية بنية للمستقبل، ومن الاتصال حقا كونيا، ومن الذكاء الجمعي أفقا لبشرية لم تكتمل بعد.

الماركسية الرقمية ليست ترفا فكريا في زمن تهيمن عليه القصص السائدة عن التقدم التكنولوجي، بل هي محاولة لفهم كيف تغيرت علاقات القوة والملكية والوقت والمعنى في العصر الرقمي. إنها فلسفة تدعو إلى إعادة بناء العلاقة مع البيانات، وتحويلها من أدوات استغلال إلى موارد مشتركة ومنطق تأثير جماعي واعٍ، لكي لا تصبح التقنية سلاحا منفلتا، بل مشروعا إنسانيا جديدا للحرية والعدالة والتحرر.