تتضمن السلطة السياسية لطبقة ما، والتي هي نتاج وشرط لسيادتها الإقتصادية، سلطة فعلية لممثلي هذه الطبقة على جهاز الدولة. ولأن هؤلاء الممثلين هم أنفسهم دوماً أعضاء في “شريحة” محددة من الطبقة المسيطرة فإنه يمكن للسلطة السياسية أن تكون رهاناً للصراع في ما بين هذه الشرائح. ومنعاً لأي التباس منهجي يجب عدم خلط السلطة الفعلية الخاصة بالماسكين بآلة الدولة مع سلطة الدولة المنظمة قانونياً على المجتمع، ذلك لأن هذه الأخيرة هي التي تؤول الى تحقيق السلطة الفعلية. ان هذه السلطة المنظمة قانونيا هي التي تؤول الى تحقيق السلطة الفعلية. ولا تظهر السلطة السياسية للدولة دائما، في شكل علاقة مباشرة بين طبقة واخرى. كما انه لصحيح من جهة، ان العلاقة الطبقية تحفظ ويعاد انتاجها على مستوى السلطة السياسية للدولة، ومن جهة ثالثة، فان وجود الدولة كأداة، يحقق في شكل معدل، الهيمنة السياسية للطبقة المسيطرة.

إن التجليات المختلفة التي تتخذها الدولة وأشكالها ترتبط بتبديل مراكز القوة بين فئات وشرائح الطبقة المسيطرة. غير أنه يتعين التأكيد على أن السيطرة الإقتصادية والهيمنة السياسية لا تكونان متماثلتين بشكل ميكانيكي، إذ يمكن لإحدى فئات الطبقة المسيطرة أن تلعب الدور المسيطر في الإقتصاد ولكن من دون أن تحظى بالهيمنة السياسية، والتاريخ شاهد لا يجامل. هكذا كان الحكم الملكي المطلق في القرنين السابع والثامن عشر، إذ كان يحافظ على التوازن بين النبلاء والبرجوازية في الصراع القائم بينهما، وهكذا كانت البونابرتية في الإمبراطورية الأولى ولاسيما في الإمبراطورية الثانية في فرنسا، إذ كانت تحرض البروليتاريا على البرجوازية والبرجوازية على البروليتاريا. وهو ما اشار إليه ماركس في عمله الهام (الثامن عشر من برومير “لويس بونابرت”).

في كل مرحلة من مراحل التطور يصبح نمط من علاقات الانتاج هو النمط السائد في المجتمع، وتحتل الطبقة التي تتوافق معه المكان السائد في الانتاج الاجتماعي، وهي لا تستطيع ان تكتسب هذا المكان وتحتفظ به إلا بقدر ما تستطيع ان تكسب السيطرة على جهاز الدولة وتحتفظ بها. ومن هنا ففي كل عصر – وطالما ظل المجتمع منقسما الى طبقات متنافرة – تستولي طبقة معينة على سلطة الدولة وبذلك تقيم من نفسها طبقة حاكمة.

 

لماذا تجد السلطة السياسية تعبيرها

في الدولة؟

ان السلطة العامة كما هو معلوم تعود الى الطبقة السائدة اقتصاديا، ومن جراء ذلك تصبح هذه الطبقة، الطبقة السائدة سياسيا. تتحقق هذه السلطة على الصعيد التنظيمي بصورة “فصيلة خاصة” من الناس تتركز في يدها مقابض ادارة المجتمع. وبهذا الصدد كتب ماركس يقول “ان وجود سلطة الدولة يجد تعبيرا عنه على وجه الدقة في موظفيها، وجيشها، وادارتها، وقضائها، واذا تجردت من صورتها المجسدة هذه، فانها لن تكون سوى ظل، سوى خيال، مجرد اسم”.

على ان من الضروري الاشارة طبعا الى ان التحليل اعلاه لا يعني القول بعدم وجود أي “تفاوت” بين مصالح الطبقة المسيطرة وقرارات الدولة، إذ ان هذه الاخيرة ليست مجرد اداة طيعة وعملية: فهي تبذل مقاومات تبقي عليها التناقضات الداخلية بين “شرائح” الطبقة المسيطرة. وبما ان الدولة ليست آلة تحكمها بعض الفئات المهيمنة، انها اكثر تعقيدا في تمثيل المصالح التي تحققها وفي عملها الملموس، يجب اذن ان يترافق تحليل البنية الطبقية بتحليل ملموس للاشكال التي تتخذها هذه السيطرة. ولهذا فان الماركسية تنطلق من تعريف طراز الدولة، من طابعها المميز للتطور الفكري كصراع آيديولوجي، وان يظهر هذا الصراع الاجتماعي. كما ان السمة المميزة للعلم الماركسي حول طراز الدولة، هو انه يركز انتباهه لا على التمظهرات الثانوية والمشتقة، في الحياة السياسية، بل على قوانينها الداخلية الجوهرية، على استجلاء القوانين الموضوعية للتطور التاريخي لهذه الظاهرة الاجتماعية المعقدة. اذن ليس من قبيل الصدفة ان لا تستخدم النظرية الماركسية في منظومتتها المفاهيمية المقولة المجردة “طراز الدولة”، بل تستخدم مقولة “طراز الدولة التاريخي”، هذه المقولة التي تعكس العمليات الاجتماعية الفعلية والتي ترتبط بمفهوم التشكيلة الاجتماعية – الاقتصادية في وضع تاريخي محدد.

ولما كانت التشكيلة الاقتصادية – الاجتماعية التي هي البناء الذي يشمل اسلوب الانتاج والبناء الفوقي في وحدتهما العضوية، وهي تعبر عن مرحلة محددة للتطور الاجتماعي في خطوطها العريضة بكل تناقضاتها، فان ترجمة تلك التناقضات لا تفسر عندما نقول ان الدولة هي “اداة “ للطبقة المسيطرة، فهي “تمثل” بالفعل اكثر من الطبقة المسيطرة، أي “تمثل” كافة الطبقات المتصارعة في فترة تاريخية محددة. ولا يجب ان تغطى وتضيع الخطوط الفاصلة للطبقات والصراعات في ما بينها داخل التشكيلة، فالدولة ليس بذلك محايدة وحكما بين قوى متصارعة، في الواقع يجب ان ننظر الى سلطة الدولة بكونها وحدة متناقضة. هذه الوحدة ممكنة، اذ ان المؤسسات في الدولة الطبقية تمتلك تماسكا داخليا خاصا بها ومستقلا تجاه البنى الاقتصادية ولكن ايضا تجاه الطبقات او فئات الطبقات المسيطرة. هذه الملاحظة مهمة اذ انها تتحاشى جعل الدولة مجرد شيء وأداة في ايدي الطبقة المسيطرة.

ومن الضروري في هذا المجال التذكير بأنه وعندما يجري الحديث عن ستقلالية أجهزة الدولة فان ذلك لا يعني استقلالها عن الطبقات المتصارعة، بل عن الفئات الطبقية المسيطرة. فاستقلال أجهزة الدولة لا يكون إلا في تبعيتها المباشرة للطبقة المسيطرة ككل. معنى هذا أن استقلالها النسبي يتيح لها ضبط تطور التناقضات الثانوية بين فئات الطبقة المسيطرة ومنعها من أن تنفجر بشكل يهدد علاقة السيطرة الطبقية نفسها حين تعجز فئة أو شريحة عن فرض هيمنتها الطبقية داخل الطبقة المسيطرة ( أو الائتلاف الطبقي). إن التدخل المباشر لأجهزة الدولة هو، إذن، لإنقاذ الوجود المسيطر للطبقة السائدة، بتحقيق الهيمنة الطبقية للفئة المهيمنة فيها، والتي تعجز، في ظروف تاريخية محددة، عن فرض هيمنتها.

تعني الملاحظات السابقة ان الدولة تقوم على تحقيق تماسك التكوين الاجتماعي عن طريق ثلاث وظائف اساسية:

  1. الوظيفة الاقتصادية، حيث تقوم في ظل التكوينات الرأسمالية بدور مزدوج مماثل لدور الرأسمالي: دور الاستغلال، ودور تنظيم عملية العمل، والاشراف عليها، وكذلك وضعها لمجموعة من التشريعات القانونية المنظمة للمبادلات الرأسمالية.
  2. الوظيفة السياسية، والتي تستهدف المحافظة على وحدة التكوين الاجتماعي، ببسط سيطرة الدولة السياسية الطبقية عن طريق جهازها البيرقراطي واجهزتها القمعية.
  3. الوظيفة الآيديولوجية، ممثلة بدور الدولة في التربية والتعليم، وهو ما عبر عنه غرامشي في سياق تعريفه للمجتمع المدني، ومفهوم الهيمنة.

تتيح الملاحظات السابقة بلورة الخلاصات التالية:

- أن الدولة ليست فوق المجتمع بل هي نتاج له؛

- أن الدولة هي أداة بيد الطبقة المستغِلة لإضطهاد الطبقة المستغَلة؛

- وهذا يؤكد أن طبيعة الدولة وجوهرها إجتماعي محض لا تجريد يفصلها عن قاعدتها الطبقية؛

- انها أداة للهيمنة الطبقية والقمع الطبقي، أداة لضمان ملكية ومصالح مالكي وسائل الانتاج ضد بائعي قوة العمل، لجنة تسيير شؤون البرجوازية، العنف المنظم للرأسمال من اجل اخضاع العمل؛

- وفي التشكيلة الرأسمالية، الدولة نتاج التناحرات الطبقية لهذه التشكيلة والقوة الناظمة لها؛

- إن للدولة بداية ومن الطبيعي، لذلك، أن تكون لها نهاية. وطالما أن بدايتها هي ظهور التناقضات المستعصية على الحل، فإن نهايتها لابد أن تواكب حل هذه التناقضات. ولهذا حددت الماركسية بداية الدولة وظهورها بظهور التناقضات، وحتمت إضمحلالها وزوالها في المجتمع اللاطبقي.

ان الملاحظات اعلاه تعني ان الكلاسيك الماركسي أماط، لاول مرة في تاريخ البشرية، اللثام ونزع كل الحجب عن الدولة “المؤلهة” المقدسة، الموضوعة فوق الطبقات. لقد أنزلت الماركسية الدولة من سماء الحياد المجلل بالضباب الى حيث هي في الواقع، الى معمعان الصراع الطبقي الذي تمثل فيه قيادة اركان الفئة أو الطبقة (أو التحالف الطبقي)، السائدة في مرحلة تاريخية معينة.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل