مفهوم الكلاسيكيات الماركسية يعني لي مجمل اعمال ماركس و انجلز  و لينين و التي مثلت  مرحلة هامة من  بزوغ و نمو وتطور الفكر الماركسي منهجا و عقيدة وممارسة.  وسنحاول في هذا المقال المكثف تغطية المرحلة التي أعقبنها و التي اهم  ما حدث هو احتدام  الصراع  الفكري حول قدرة    الشروط الاقتصادية  على  تحديد مراحل   التطور الاقتصادي الاجتماعي  و الوصول الى عتبة  الاشتراكية  الامر الذي دحضه لينن في تأكيده على اهمية العوامل  الذاتية المعتمدة على الممارسة الثورية و مستوى الوعي الطبقي للفئات ذات المصلحة في التحول الثوري الديمقراطي خاصة وان ثورة اكتوبر حدثت في بلد متخلف اقتصاديا .

وقد ا شهدت سنوات ما بعد ثورة اكتوبر توسعا في اعداد الاحزاب التي تبنت الفكر الشيوعي و الاشتراكي ليس في اوروبا وحسب بل وفي بلاد الشرق ايضا ولكن في كل بلد تطورت الاتجاهات الفكرية و السياسية و التنظيمية بما يعكس الخصوصيات السائدة فيها   والتي بالنتيجة أدت الى تعدد التيارات الماركسية و اليسارية .

و كان رأي  عدد  من المفكرين الاوروبيين المهتمين بالفكر الماركسي  الى ان ماركس و انجلز  قدما ادوات عامة لتحليل  المجتمعات  بهدفين اساسين الفهم النظري  و متطلبات  التغيير العملية  استنادا الى  الفكر المادي الجدلي ولكن على شكل موشور واسع من حيث محتوى التحليل , فبعض منها مثلا  الغى الدور  التغييري في الفكر الماركسي الكلاسيكي  و أخرين ركزوا على  جزئيات من  المادية التاريخية و بانتقائية   في تناول المنظومة النظرية عن   الفهم المادي للتاريخ و خاصة  حول  تطور قوى الانتاج  او طابع الملكية  او طبيعة التناقضات الاجتماعية  او في دور مكونات البناء الفوقي ( على سبيل المثال الدولة و الدين )  و بما ينسجم مع  المشروع الفكري او السياسي  الذي يعتمده الكاتب  او لتبرير  صياغة  مفاهيم ما كسية جديدة  كبديل عن  الكلاسيكيات.  فاللينينية ، مثلا اصبحت لديهم  ظاهرة روسية خالصة و ليست ذات اهمية تاريخية او  شان في  فهم و دراسة المجتمعات غير الروسية    أو ان الواقع الاقتصادي الاجتماعي السائد في  اوروبا في عهد ماركس و انجلز او  في روسيا عام ١٩١٧    لا يفيد  في  فهم و سبر اغوار  المجتمعات غير الأوروبية  وان التنميط الخماسي( المشاعة البدائية و العبودية و الاقطاع و الرأسمالية و الاشتراكية )   هي توصيف اوروبي نظري بحت  و ان  محاولة فرضها بشكل قسري على ظروف بلدان اخرى مثل البلدان النامية ما هو الا كولونيالية  ثقافية فكرية من نوع اخر.  كما ندد اخرون بما اطلقوا عليه مفهوم الحتمية الماركسية  كتوصيف لكتابات ماركس و انجلز من  ان مسار التاريخ هو عملية ارتقائية تسير الى الامام و تقود في المطاف الاخير الى الاشتراكية كضرورة حتمية و   استند بعظهم الى تراجع بلدان  الاشتراكية القائمة بعد انهيار نظامها الاقتصادي السائد الموسوم آنذاك بالاشتراكي و العودة  الى خلق نظام رأسمالي بديل شرس على النمط النيو ليبرالي و  رفض العنف الثوري كأحد اشكال النضال  و الالتزام بأسلوب واحد هو التعددية الحزبية و تداول السلطة في سياق نظام برلماني  ليبرالي يعتمد الانتخابات وان الهدف النهائي هو من اجل  تحقيق العدالة الاجتماعية.    ووصل الحد لدي البعض في الدعوة الى نبذ الماركسية كاملة وان مكانها الطبيعي هو متحف الافكار الأيديولوجية.

عراقيا  قدم  الفقيد  عالم الاجتماع  البارز  فالح عبد الجبار1946-2018    للمكتبة العربية افضل ترجمة لكتاب ماركس راس المال  و اخر حول  ما بعد الماركسية  حيث  يرى ان الطريق امام الماركسية هو ان تجدد ذاتها بدءاً من  رفض التقسيم الثلاثي الذي طرحة لينين  عن الماركسية الذي حولها  الى عقيدة و اقترح  تقسيما سباعيا   وان دور الماركسيين اليوم  هو مواصلة عمل ماركس و انجلز في تشريح و نقد النظام الرأسمالي و متطلبات تجاوزه كتشكيلة كونية  تعتمد على أربعة  مرتكزات  راس المال و  ، الدولة ، التجارة الدولية ، السوق العالمي  ( فالح عبد الجبار ما بعد ماركس دار الفارابي ٢٠١٠  ) و ايضا الى ان   تباين طرق و اشكال الانتقال   من نمط إنتاج  إلى آخر يخضع لظروف وشروط سائدة في بلد معين  و الذي  يجعل من المستحيل  وضع وصفة واحدة لمسار  للتاريخ.

وكان راي الماركسي الفرنسي لوي التوسير ( ١٩١٨-١٩٩٠)  ان. ماركس قد فتح القارة المعرفية الثالثة و هي التاريخ اما الاولى فهي قارة الرياضيات التي فتحها فيثاغورس اليوناني و قارة الفيزياء التي افتتحها  غاليليو , بينما يرى هنري لوفايفر  (١٩٠٢-)١٩٩١ومن مؤلفاته ماهي الماركسية ، فكر لينين و المادية الجدلية . ان المنهج الماركسي اساس لكل العلوم الانسانية

 و يبدوا هناك شبة اجماع ان المسار الفكري الذي ساد التجربة السوفيتية  في المرحلة الستالينية و ما بعدها  قد  اثر سلبا عبر  تكريس جمود الفكر الماركسي   و تشويهه في تحويله الى عقيدة جامدة و اقانيم مقدسة غير قابلة للنقاش و التعديل  وان الاصرار عليها هو احد اشكال التفكير السلفي  بينما يرى اخرون ان  سقوط الاتحاد السوفيتي هو في حقيقته اعلان انتصار الماركسية  و فتحت  مستقبلا رحبا لها حيث  هناك اتفاق على انها افضل ما كتبته البشرية حول النظام الرأسمالي   و تناقضاته و قدرته  الكبيرة على التكيف بما  يمر بها  من ازمات دورية و يتغلب عليها ايضا  خاصة في قدرته على الاستفادة من الثورة العلمية و التكنولوجية و ظاهرة العولمة لتوسيع نشاطاته التجارية و المالية. ويعكس التاريخ الماركسي ان اية ازمة يمر بها النظام الرأسمالي تنعكس ايجابيا   على المشاريع النظرية الماركسية   و على النشاطات العملية من اجل التغيير.

و شهد مسار الفكر الماركسي ظهور مدارس فكرية  مختلفة  تتبنى الماركسية لكنها افتقدت الى النظرة الشمولية التي قدمها الفكر الماركسي الكلاسيكي  لان كل منها يركز على جوانب معينة ولكن رافضا الاخرى  و الذي يقود احيانا الى استنتاجات متضاربة  ولذا  يتوجب على المثقف الثوري ان يتخذ موقفا نقديا منها و عدم تقبلها بشكل  أرادوي  .ومن هذه المدارس على سبيل المثال  الماركسية البنيوية و التحليلية و الانسانية و النسوية  و النقدية الشهيرة باسم مدرسة فرانكفورت و الذي تأسس في ١٩٢٣ كأول معهد  الدراسات و البحوث الاجتماعية  في جامعة جوته فرانكفورت  في المانيا و معظم اتجاهاتها الفلسفية  تتبنى موقفا سلبيا من المفهوم الماركسي كوحدة النظرية و الممارسة و بالتحديد الموقف من العنف و   الثورة و تقديم بديل راديكالي للنظام الرأسمالي .

و اطلق على التيارات التي ظهرت في اوروبا اسم الماركسية الغربية ومن ابرز شخوصها جورج لوكاس في المجر ( ١٨٨٥-١٩٧١ و اشهر كتبه التاريخ و الوعي الطبقي  ) و كارل كورش في المانيا ( ١٨٨٦-١٩٦٩ ومن اشهر كتبة الماركسية و الفلسفة التي عارض فيها طروحات  لينين و كاوتسكي) و أنطونيو غرامشي في ايطاليا (١٨٩١-١٩٣٧ وهو صاحب نظرية الهيمنة الشهيرة و المثقف العضوي و من اشهر كتبه كراسات السجن. يوكد فيها على دور البراكسيس كنظرية و ممارسة) .

أن التحدي الأكبر الذي يواجه الشيوعيين و الماركسيين  هو البرهنة على  قدرة  الماركسية على التحديث   في  ظروف القرن الحادي و العشرين بما يشهده من ظروف  عالمية جديدة تميزت بصعود النيو ليبرالية  المتوحشة و تفكك البلدان التي شهدت نشاطا تاريخيا لحركات التحرر الوطني وفي بعضها تغولت تيارات اسلاموية  كما حدث في الشرق الأوسط و هو انعكاس لمسار تاريخي جديد   للرأسمالية العالمية في البلدان النامية و الأطراف  يطرح  الحاجة الى تطوير صياغات و مفاهيم نظرية جديدة عبر قراءة نقدية ثورية لتاريخ الماركسية  تتضمن  اشكالا نوعية جديدة  لوحدة النظرية  و التطبيق حيث  لم يستطع الاتحاد السوفيتي على الرغم من انتاجيته و قدراته العسكرية المواصلة و العيش في بيئة  اقتصادية عالمية جديدة بما يطور  نظاما اقتصاديا اجتماعيا بديلا الامر الذي يحاول الحزب الشيوعي الصيني مواجهته بالتحول  الى قوة اقتصادية مالية عابرة للقارات . و الامر الذي مازال غير واضحا وشديد التعقيد هو اية اتجاه  ستسير فيه العملية الثورية في العالم  تقديم نموذج نظري و عملي جديد لفترة الانتقال الى الاشتراكية ام تكيف مع القواعد الاساسية للنظام الرأسمالي على شكل عملية استحالة تدريجية يتم خلالها الابتعاد عن المفهوم التبشيري  العقائدي بنشر النظرية الماركسية في مواجهة نشاط شبابي متعاظم ضد الاستغلال المتزايد لنظام الرأسمالية النيوليبرالية  و من اجل العدالة الاجتماعية و التي لم يكن العراق بعيدا عنها.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل