
خلال تاريخه لم يؤدِ الأدب والفن العراقي وظيفة جمالية محضة حسب، وإنما، أيضا، وظيفة اجتماعية، ووطنية، وأخلاقية، وفلسفية. فالشيوعيون، وسائر التنويريين، بل وعموم الناس، يرون في الأدباء والفنانين وعموم المبدعين الممثلين الرئيسيين في مجال الثقافة. وهذه من السمات الأساسية التي جسدتها مواقف حزبنا الشيوعي العراقي في الميدان الثقافي، المستندة إلى المنهجية الماركسية والتحليل النقدي لدور المثقفين في الحركة الاجتماعية.
ومن المؤكد أن دراسة تاريخ الحركة الثقافية غير ممكنة من دون دراسة تأثير الأفكار الماركسية والحزب الشيوعي على المثقفين. وهو ما سنحاول إضاءته، على نحو وجيز، في مقالنا هذا عبر العودة الى مواقف الحزب وتراثه وتحليلاته، وكذلك تجربة عمله مع المثقفين بإشكالياتها وأسئلتها الملحة وآفاقها.
وابتداء يمكننا القول إننا أمام تجسيد ملموس لذلك عبر أبرز المهمات التي تضمنتها مسودة برنامج حزبنا المقدمة إلى المؤتمر الـ 12 للحزب. فقد ورد فيها:
"- تبني مشروع ثقافي وطني، إنساني النزعة وديمقراطي المحتوى، يساهم في بلورة هوية وطنية واحدة، ويضمن احترام التعددية الثقافية والفكرية والتفاعل مع روافد الفكر العالمي.
- تأسيس مجلس أعلى للثقافة، يشرف على رعاية كافة ميادينها، وحماية استقلاليتها، وعلى إعمار البنى التحتية الثقافية وتطويرها، وتمويل أنشطتها من خلال صناديق خاصة، ودعم النشاط الإبداعي والثقافي والفكري مادياً، ومعنوياً وسن التشريعات التي تكفل حرية الفكر والإبداع، وتحمي حقوق الملكية الفكرية، وتمكـّن المنظمات الثقافية غير الحكومية من ممارسة دور مؤثر في الحياة الثقافية.
- إدامة وتعزيز الوشائج مع المثقفين العراقيين في المهجر، والإفادة من منجزهم المعرفي، وإشراكهم المباشر في بناء البلد وتنميته، وتحفيز تواصلهم مع الوطن وتشجيعهم على العودة إليه وتيسيرها."
مرحلة جديدة في العمل الثقافي
لقد اغتنت الثقافة التقدمية العراقية بروافد عديدة ابتداء من التراث الرافديني، مرورا بالنزعات المادية في الفلسفة العربية الاسلامية، وسائر الثقافات التنويرية الإنسانية، وصولا إلى العصر الحديث، وتأسيس حزبنا وممارسته دوره في الثقافة.
بدأت في عشرينيات القرن الماضي بذور ثقافة تقدمية تنويرية مع تبلور أولى الملامح الجنينية للطبقة الوسطى في العراق. وفي بداية العشرينيات نشطت (جماعة حسيين الرحال)، التي يعدها المؤرخون أول مجموعة ماركسية في العراق، وتمثَّل نشاطها في تبني الفكر العلمي والاشتراكي، ومفاهيم التطور والحرية، والدفاع عن حقوق المرأة.
وعندما انبثق الحزب الشيوعي العراقي عام 1934 كان ذلك إيذانا ببدء مرحلة جديدة في النشاط السياسي، وكذلك في النشاط الفكري والثقافي. وتعكس الوصايا التي صاغها لأعضائه جانبا أساسيا من موقفه في ميدان الثقافة: "كن تقدميا في نظرتك نحو العلم والفن والأدب والثقافة بصورة عامة، ودافع عنها باعتبارها ملك شعبنا وملك الإنسانية التقدمية، واحترم العلماء والأدباء والفنانين دون التفات لقومياتهم وأديانهم".
لقد عاصر مؤسس حزبنا الرفيق يوسف سلمان يوسف (فهد)، الذي كان كاتبا وصحفيا، أجيالا من المثقفين الماركسيين الأوائل، غير أنه تميز عنهم بربط الفكر النظري بالواقع العملي. ولعل من بين الأمثلة التي تذكر عن علاقة فهد بالمثقفين لقاءه بالفنان يحيى فائق وتأثيره عليه وإضاءته لدور المسرح السياسي والطبقي. وعندما اشتكى الرسام رشاد حاتم من أن جدران السجن حرمته من الرسم قال له فهد: "ادفع عنك جدران السجن، وصوّر الناس والطبيعة". وفي رسالة من السجن أوصى فهد بالجواهري قائلا: "وثّقوا صلتكم بالجواهري". وعندما علق أحد الرفاق بأن الجواهري لم يكتب جديدا للحركة الوطنية، قال فهد: "اصنع له حدثا، فتراه بلبلا مغردا".
وفي السجن اهتم فهد بالمناضلين، وحوّل السجن إلى مدرسة ثورية وتثقيفية. ويمكن القول إن ما اتسم به موقف فهد يتجلى، بإيجاز، في نظرته إلى الثقافة كأداة للتحرر وإشاعة الوعي، وتجاوز النخبوية في الثقافة، ومكافحة التخلف الفكري والثقافي، وتجسيد تقدمية الأدب والفن. إن رؤية فهد للثقافة ليست منفصلة عن مشروعه الفكري والسياسي، ويمكن القول إن مأثرة فهد الكبرى تتمثل في ربطه الفكر الماركسي بالواقع العراقي.
أما دور عضو المكتب السياسي حسين محمد الشبيبي، الذي كان شاعرا وأديبا وناقدا، فيقدم مثالا للجدل والتفاعل بين المثقف والسياسي. وكانت مساهماته واعدة في مجال النقد الأدبي من منظور ماركسي. وكان من المؤمل أن يكون ناقدا أدبيا مرموقا لولا انغماره في العمل السياسي الذي حدّ من نشاطه في ميدان جماليات الأدب. غير أن كتاباته السياسية اللاحقة لا تمثل قطيعة مع كتاباته في النقد الأدبي. ومن طريف ما يروى أن الشهيد الشبيبي أعطى الشهيد حسين مروة، يوم كان يدرس في الأربعينيات في حوزة النجف، نسخة من (البيان الشيوعي)، وهذا هو الذي جعل مروة يشير في مذكراته الموسومة (وُلِدت شيخا وأموت طفلا) قائلا: التقيت ماركس في النجف!
ويُذكر أن الشبيبي نشر العديد من كتاباته في مجلة (المجلة) التي كان ذو النون أيوب يرأس تحريرها، وكان الشبيبي يشارك في تحرير موادها والإشراف على بعض مواضيعها. وعند تلبية دعوة من (المجلة) التقى الشبيبي في بغداد بالرفيق فهد (ربيع عام 1941) الذي أبدى إعجابه بمقالاته وتحليلاته التي تركزت منذ عام 1939 وما تلاه في جماليات الأدب، ودراسة التراث وربطه بالمعاصرة.
ومعلوم أن الحزب أصدر مجلة (الثقافة الجديدة) عام 1953 التي أسهمت في تشكيل ملامح الثقافة التقدمية العراقية. ولا ريب أن إصدار مجلة بهذا المستوى، واستمرار صدورها لمدة تزيد على 70 عاما، رغم كل الصعاب، هو، بحد ذاته، مأثرة في الثقافة العراقية.
وكانت فترة الأربعينيات والخمسينيات فترة مميزة، أسست لمشروع ثقافي فكري وأدبي وفني، وتبنت قضايا الحداثة في الشعر والأدب والفن. وفي هذه الفترة تبلورت أسس الموقف الماركسي من الثقافة، وهي الأسس التي ظل الحزب يسترشد بها ويغنيها في العقود اللاحقة، وحتى الآن، كما يشهد على ذلك الدور المتميز الذي تقوم به وسائل إعلام الحزب ومؤسساته الثقافية.
أسئلة ملحة
عندما يحلل الشيوعيون الموقف من الثقافة يجدون أمامهم أسئلة ملحة تتعلق بالكثير من الموضوعات، ومن بينها: العلاقة بين الثقافة والديمقراطية (بما في ذلك موضوعات: الثقافة والهوية الوطنية، والثقافة والتبعية، والثقافة والعولمة)، والعلاقة بين المثقف والسلطة، وسمات الأزمة الثقافية الراهنة، ودور المثقفين في الحركة الاجتماعية، والمهمات المطروحة أمام الحركة الثقافية التقدمية.
ومن بين الأسئلة التي واجهها الشيوعيون: لماذا شهدت العلاقة بين الثقافة والسياسة نوعا من "ازدهار"، خصوصا في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي (وهو ما تجلى، أيضا، في سنوات أواسط السبعينيات)؟ ولماذا بدا أن هذه العلاقة "اختلت" في فترات معينة؟ ربما تقودنا الإجابة على هذا السؤال إلى تشخيص جوانب من الأزمة الثقافية التي بدأت، خصوصا، بعد العام الأول لثورة 14 تموز 1958، واستمرت بعد ذلك، بانقطاعات مختلفة، ولكنها ما تزال، في الجوهر، مستمرة، حتى الآن، بتجليات متنوعة.
في سنوات "الازدهار" لم تكن الدولة، على العموم، تمتلك أجهزة آيديولوجية تتيح لها الهيمنة الفكرية على المجتمع (تغيّر الحال في سنوات تسلط الدكتاتورية الفاشية أواخر سبعينيات القرن الماضي حتى سقوط نظامها عام 2003)، فيما كانت الحركة السياسية التقدمية حركة شعبية وجدت في المثقفين التنويريين مناصرين جدّيين لها، واستطاعت، باستيعابها المزاج الديمقراطي للمثقف (على الرغم من الالتباسات المنهجية والسياسية التي لا تسمح مساحة هذا المقال بالدخول في تفاصيلها)، استثمار مناصرته للحرية والديمقراطية.
وفي هذا السياق يمكن القول إنه على الرغم من عدم وضوح الحدود الطبقية في العراق، فقد لعبت الطبقة الوسطى دورا مؤثرا في الثقافة منذ العشرينيات حتى ما بعد ثورة 14 تموز. غير أن وجهة التطور الاجتماعي في العقود التالية تركت آثارها السلبية على بنية هذه الطبقة ودورها الاجتماعي والثقافي.
قضايا إشكالية
ومن ناحية أخرى واجهت الحركة السياسية التقدمية (وكان حزبنا قوتها المؤثرة الأعظم) إشكالات في عكس التغيرات الاجتماعية العميقة ونتائجها الفكرية في سياساتها الثقافية، التي كانت، في جوانب معينة منها، متشبثة بالمواقف التقليدية من الثقافة، والنظرة الأحادية التبسيطية للإبداع، والاستلقاء على أرائك المرجعيات السياسية والآيديولوجية، والمناهج "الفكرية" السائدة عالميا. وكانت لهذا الواقع أسبابه الموضوعية متمثلة، بشكل أساسي، في سيادة الفكر الماركسي التقليدي، وأدوات تحليله القاصرة، خصوصا في ما يتعلق بجماليات الأدب والفن. وفي هذا السياق كان هناك نوع من اختلال في العلاقة مع المثقفين تمحور بشأن العديد من المفاهيم بينها: التوصيف الاجتماعي للمثقفين، وعلاقة الفن بالآيديولوجيا، والاستقلالية النسبية للإبداع، وفهم وظيفة الفن، والموقف التبسيطي من حرية الابداع. ومن الطبيعي أن من بين مهامنا تحليل هذه القضايا الإشكالية وفقا لمنهجية ماركسية منفتحة. ويمكننا القول إنه في سياق هذه الإشكاليات وطريقة الفهم الدوغماتية لمشكلة الحرية، وعدم القدرة على فهم الخاص وراء العام، واكتشاف الطبيعة الخاصة للمقولة وراء المعالجة الفلسفية العام للمشكلة، ونسيان الديالكتيك عبر عزل الخاص عن العام، وتحويل الملموس المحدد إلى مجرد مطلق، هذه كلها تشكل عائقا أمام التحليل. وكما قال ماركس فإن على المرء أن لا يتجاهل التنوع من أجل الوحدة. وقد حدد غرامشي إطارا سليما لفهم الإبداع بقوله إن "ممارسة الانسان السياسي للضغط باتجاه أن يعبر الفن في زمنه عن عالم ثقافي معين يعتبر نشاطا سياسيا وليس نقدا فنيا".
المثقف والحركة الاجتماعية
نحن الآن، وربما في كل حين، أمام مسألة علاقة المثقف بالحركة الاجتماعية.
دعونا نحدد، أولا، بعض السمات الأساسية للأزمة الثقافية (وهي، في الجوهر، تجلٍ للأزمة الاجتماعية)، فنشير إلى غياب (أو تغييب) دور المثقفين من جانب النخب المتنفذة، ومنهجية المحاصصة، وغياب الدعم الحقيقي من جانب الدولة الريعية ومؤسساتها للنتاج الابداعي، وتخليها عن مسؤوليتها في إنشاء البنى التحتية للثقافة.
فماذا بشأن سؤال: هل المثقف غائب عن الحركة الاجتماعية؟
لابد من الاعتراف، بداية، بوجود تباين في الآراء بشأن انخراط النخب الثقافية في الحركة الاجتماعية. فهناك من يسعى إلى اختزال هذا الدور، حيث يتم الفصل التعسفي بين المثقف ونشاطه الإبداعي، وبين مشاركته في الحراك المجتمعي. فقد كان غرامشي يرى المثقف من خلال وجوده الاجتماعي، ويؤكد أن عالم الصراع الاجتماعي هو الذي يعيد صياغة المثقف.
وفي سياق هذا التباين في الرأي بشأن موقف المثقفين من التغيير الاجتماعي ودورهم فيه يجري تأويل "يأس" المثقف ودلالاته على نحو تبسيطي وفي إطار نظرة أحادية. فهناك من يعتقد بلا جدوى مشاركة المثقفين في الحراك الاجتماعي. ويرى البعض أن قوة المتنفذين المتحكمة في كل شيء تمنع المثقفين، بسبب عدم التكافؤ، من أداء دورهم (متى كان التكافؤ هذا شرطا لممارسة المثقفين دورهم!؟). ويقول هؤلاء إن الظرف التاريخي الذي خلقه التطور العراقي، المعقد والملتبس، هو خارج سيطرة المثقف الذي يقف أمامه أعزلا ويائسا. ويشيرون إلى أن ما يبتغيه المثقف لا يتجاوز رغبته في الخلاص من كراهية السياسيين للثقافة والمثقفين. وهذه نظرة قد تبدو "صحيحة" في ظاهرها، لكنها خاطئة في الجوهر، ذلك أن التعارض بين السياسي والثقافي تعارض مفتعل، ومقصود منه إبعاد المثقف عن ممارسة النشاط السياسي، لا بالمعنى اليومي المبتذل، وإنما بالمعنى الرفيع، وهي الممارسة التي تجعل المثقف جزءا من التغيير وفاعلا فيه. أما عزله عن السياسة فهو ما تبتغيه قوى الثقافة المهيمنة لشلّه عن أداء دوره، واستثمار هذا الشلل في خلق المناخ الذي يديم لسدنة القافة السائدة فرص الاستمرار في امتيازاتهم.
ويجري الحديث من جانب البعض، على نحو ملتبس وغير منصف، عن غياب دور المثقفين. ونحن نعلم أنه كلما انحازت الثقافة إلى جديد ضد قديم، وإلى حلم ونور ضد خنوع وظلام، واجه المثقفون، الساعون إلى التغيير الاجتماعي، استبداد السلطة الساعية إلى تأبيد الراهن. إن مقاومة الاستبداد، والكفاح من أجل الحرية والعدالة يقترنان بدور المثقفين التنويري، ومشاركتهم في أحداث عصرهم، وتعبيرهم عن معاناة شعوبهم وأشواقها. ويجسد تاريخ المثقفين العراقيين هذه الحقيقة الساطعة. فدورهم الريادي في التحول والتجديد معروف قديما وحديثا. ولو استعاد المرء صفحات من تاريخ مثقفي بلادنا – اتركوا الصفحات المشرقة في التاريخ القديم للبلد الذي ظهرت فيه أولى الحروف، وأولى القصائد والملاحم، وأولى الشرائع – لعرف حقيقة الدور الذي مارسوه. وليست معارك عشرينيات القرن الماضي، ومعارك العقود التي تلتها، وصولا إلى انتفاضة تشرين المجيدة، سوى جزء من حقيقة الدور التنويري والريادي للمثقفين.
وفي سياق الحراك الاجتماعي المعاصر بوسعنا أن نميز مشاركة واضحة ومتسعة للمثقفين. وقد "ذاب" بعض جليد ما يدعى "تعارض السياسي والثقافي" إلى حد ما.
ونجد في الحركة الاحتجاجية (في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين)، المتواصلة بأشكال مختلفة، ملامح إجابات على بعض الأسئلة الملحة. ولا ريب أن من بين أهم سمات الحركة الاحتجاجية تبرز سمة مشاركة النخب الثقافية في هذه الحركة، وسعيها الحثيث لترشيد الظاهرة الاحتجاجية والمشاركة النشيطة في بلورة شعاراتها وتدقيق مطالبها، وإشاعة الوعي الاجتماعي بأهمية التغيير وضرورته.
مخاض عسير
إن التحول العاصف في الإطار الثقافي، رغم كل التباساته وانعطافاته، يعكس آفاق نهضة ثقافية يمكن، إذا ما توفرت لها الشروط الصحية، أن تعيد الاعتبار للعقلانية والتنوير، وتخلق فضاء ازدهار الثقافة الإبداعية.
وإن بلادنا تشهد حاليا، وسط استعصاءات وعقبات كأداء، مخاضا عسيرا، يكشف، من بين حقائق أخرى، أن وجهة التطور الاجتماعي والثقافي لم تحسم، بل لم تتحدد ملامحها الواضحة بعد. ويسهم هذا الالتباس في إعاقة خلق الفضاءات التي يحتاجها الإبداع الأدبي والفني ومنتجوه. ولا ريب أن الديمقراطية الحقيقية هي الفضاء الأرحب والشرط الأساس لازدهار الثقافة الابداعية. وبهذا المعنى فإن التساهل في وضع المثل الديمقراطية موضع التطبيق يمكن أن يكون مقدمة لنمط من الاستبداد يحول الثقافة إلى أداة لتبرير نهج السلطة السياسية، وهو نهج لا يُستبعد أن يجد، كما في كل الأزمنة، مثقفين "بارعين" في "بزنس الأفكار" القابض على كل الحقائق المطلقة. ويتعين علينا أن ندرك حقيقة أن بؤس الفكر السلطوي يمهد لنتائج سلبية في العمل السياسي قد تكون مدمرة. ويمكن القول، بشكل عام، إن سياسة خاطئة في حقل الثقافة تعكس خطأ في مفهوم السياسة ككل، ذلك أنه لا يمكن، من وجهة نظر واقعية، فصل الفعل السياسي عن الفعل الثقافي.
ويستدعي النهوض الثقافي المنشود، قبل كل شيء، التوجه إلى المثقفين أنفسهم، فهم وحدهم القادرون، وبأدواتهم الثقافية، على تشخيص تعقيدات الواقع وآفاق المستقبل. ومن أجل حصول ذلك لابد من تغيير ذهنية النظر إلى الثقافة، وإيلائها حقها من الاهتمام باعتبارها إحدى الوسائل الأساسية لمعالجة الأزمة الروحية العميقة التي يعاني منها مجتمعنا، ووضع الأسس السليمة للتوجه إلى خلق نمط جديد من التفكير، يتعين أن يرتبط بإجراءات عملية تجسد الدور الحاسم الذي ينبغي أن تلعبه الدولة ومؤسساتها في خلق الأسس المادية والروحية لنهضة ثقافية حقيقية.
ومن المؤكد أن التغيير الثقافي يعني، من بين أمور أخرى، إعادة إعمار البنى التحتية للثقافة، وتأمين شروط نهوض ثقافي وفق خطة ستراتيجية تعتمد الكفاءات والآليات السليمة، وتعزيز دور الدولة في هذه العملية، وتنمية الوعي الثقافي، وضمان حرية التعبير، والتنسيق بين منظمات المجتمع المدني الثقافية ومؤسسات الدولة المعنية، بما يضمن ازدهار الثقافة الوطنية وثمار الابداع وحقوق منتجيه.
إن المثقف العراقي اليوم يتصدر مشهد الصراع الاجتماعي، ولا يقف معزولا على هامشه رغم كل محاولات إبعاده عن المشهد من جانب القوى المتنفذة التي سعت، وتسعى على الدوام، إلى فرض آيديولوجية النظام السائد، وإشاعة القوى المهيمنة علاقات الامتثال والخنوع وتأبيد الراهن عبر محاصرة وإقصاء العقل النقدي والتجديدي.
ووسط هذه المأساة الطاحنة يواصل المثقف التحدي ليثبت أنه قادر على تعريف دوره، وتجسيد هذا الدور في خلق إنجازات إبداعية، ومساعٍ إلى تعميم ثمار الثقافة الجمالية، ومواقف سياسية مضيئة تقاوم الظلام والتخلف وغسيل الأدمغة، وتنشر روح التنوير.
* * *
يمضي المثقفون الشيوعيون، حَمَلة مشاعل التنوير والتغيير، في طليعة السائرين صوب ضفاف الحرية.. يرودون الدروب كي تسير كتائب المكافحات والمكافحين إلى غد للعراق وضّاء..
أياديهم تحمل أغصان الجمال ورايات النور.. ومن عيونهم يتطاير شرر السخط.. ومن عقولهم يضيء الوعي، منشدا الأمل، والتوق إلى الإطاحة بعالم الظلام.
رسائل التنوير التي يبثونها في الشوارع المنتفضة هي رسائل احتجاج ضد ثقافة القطيع، واستعراضات الكرنفال التي ترضي غرور "سياسيين" منتشين وسط زيف وصخب ومديح متصدّرات ومتصدّري المجالس المأجورة..
أصوات المثقفين التي تتعالى في ثمار الإبداع ومواكب الاقتحام هي بداية الرد الحقيقي على من يدّعون "غيابهم".. وهي الرسالة البليغة على أنهم أولئك الذين يمنحوننا الأيادي والينابيع والآفاق..







