قرات هذا البرنامج بتأن، ولم اتعامل معه كقراءة عابرة، وانما حاولت ان اتابع تفاصيله وأفكاره الاساسية. واريد ان اقول بصراحة انني اعتبره وثيقة مهمة وتستحق التقدير. فهي من الوثائق السياسية القليلة في المشهد العراقي المعاصر التي تحاول ان تقدم رؤية شاملة لا تقف عند شعار او مطلب منفرد وإنما تغطي الاقتصاد والاجتماع والثقافة والسياسة الخارجية. كما ان توقيتها حساس، فهي تأتي بعد عقدين من المحاصصة والفساد، وبعد انتفاضة تشرين 2019، وهذا يمنحها معنى خاصا، لانها تحاول ترجمة الغضب الشعبي إلى برنامج واضح.

وأقدر فيها أيضا انها تقدم تشخيصا بنيويا للازمة، حين تتحدث عن التناقض بين الأغلبية الشعبية والتحالف الطبقي الحاكم المرتبط بمصالح خارجية، وهو تحليل يتجاوز الخطاب الطائفي السائد. ولا انكر ان مرجعيتها الفكرية واضحة اذ تنطلق من الماركسية مع محاولة المزج بين القضية الوطنية والديمقراطية والاجتماعية.

وفي الجانب العملي، وجدت نقاطا إيجابية كثيرة منها رفض المحاصصة والفصل بين السلطات وحصر السلاح بيد الدولة. وفي الاقتصاد، رفض الخصخصة والحفاظ على الملكية العامة للنفط والتحول من الاقتصاد الريعي. وفي الحقوق، الاهتمام بحقوق المرأة والطفل وحقوق القوميات والاديان وانصاف ضحايا تشرين. وفي الشفافية، مكافحة الفساد واسترداد الاموال المنهوبة واصلاح القضاء. كما ان الحديث عن الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والطاقة المتجددة يعطي البرنامج بعدا حداثيا، فضلا عن مواقفه الخارجية الداعمة لفلسطين والرافضة للتدخل الاجنبي والداعية لحل النزاعات سلميا. هذه كلها عناوين اراها في الاتجاه الصحيح، واعتبرها ايجابية.

وعلى مستوى الخطاب، أجد ان كثيرا من الصياغات تعيد انتاج لغة السبعينيات والثمانينيات دون تجديد يوازي التحولات الجيلية. ورغم وجود قسم خاص بالشباب، فان اللغة العامة لا تعكس ثقافتهم وأدواتهم. كما ان البعد البيئي، رغم ذكره، لا يأخذ موقعا موازيا لأزمات المياه والتصحر والتغير المناخي. وعلى مستوى الواقعية السياسية هناك عزلة في التحالفات، فالحديث عن جبهة وطنية ديمقراطية واسعة لا يحدد حلفاء محتملين او استراتيجية لبناء الثقة معهم، مع غياب التعامل البراغماتي مع القوى الإسلامية الشيعية والسنية والكردية رغم كونها جزءا من المشهد.

خلاصتي ان هذا البرنامج يمثل وثيقة نضالية طموحة ونظيفة أخلاقيا، تعبر عن تيار يساري ديمقراطي يرفض الفساد والتبعية. لكنه يبقى أقرب إلى بيان مبادئ من كونه برنامج عمل قابل للتنفيذ، اذ يغيب عنه التحليل الواقعي لميزان القوى وآليات التغيير المرحلية واستراتيجية التحالفات ولغة تجديدية تخاطب جيل ما بعد 2003. ويبقى السؤال المفتوح: هل يستطيع حزب عمره تسعون عاما ان يتحول من حزب الذاكرة إلى حزب البديل في عراق يبحث عن خلاص جديد؟