/
/

هدأت عاصفة الانتخابات وبزغت ملامح ما طرحته الصناديق تعبيرا عن ارادة العراقيين الذين ابدوا حراكا ونشاطا خلال السنوات المنصرمة من اجل زحزحة الاوضاع التي جثمت على صدر الشعب واوصلتنا الى مانحن فيه  , ومع ان المقترعين لم يكونوا بالنسبة المطلوبة , الا ان النتائج كانت ذات خطاب واضح وصارم في الوقت نفسه, لدرجة انه بز الانتخابات البلدية في تونس وكذلك الانتخابات التشريعية في لبنان في نوعية الخطاب.

العمل القادم ليس بالسهل بل انه صعب وصعب حقا, وتتجلى صعوبته في التعامل مع المعطيات التي افرزت لنا الطبقة السياسية تلك وجعلتها تتعملق وتفرض سطوتها وسلطانها وترسخ اقدامها في مستنقع الفساد والمحاصصة والطائفية, بحيث تصعّب على الآتين مهمة الاصلاح والبناء والتغيير فوضعية الجدد مهمة وصعبة جدا , نتوقف عند بعضها :

اولا – تشريعات الاقتراع السياسي  : - تمكن الماسكون بالسلطة من ايجاد نظام تشريعي يمكنهم من البقاء والاستمرار في السلطة  والتمدد الى مساحات واسعة شملت الاهل والاقارب والمريدين , ومتصدين لكل محاولة لتغيير تلك النظم  او تحويلها خلافا لما رسم لها, وهذا يعني انه من الصعب جدا تغيير الخارطة السياسية مع نفاذ تلك التشريعات سواء كانت نظم التصويت ام نظم الانتخاب او نظم توزيع المقاعد التمثيلية،   اضافة الى قانون المفوضية العليا المستقلة للانتخابات وكل التعديلات الملحقة به والتعليمات والبيانات والاوامر الصادرة عنها، والتي فرضت عليها عدم الاستقلال ورسخت فيها مبدأ المحاصصة المقيت الذي اوصل البلد الى مانحن فيه. فالمطلوب والحالة هذه ايجاد تشريعات تنظم الاقتراع السياسي بما يلبي الهدف الذي رسمه الدستور  القائل: (للمواطنين رجالا ونساء حق المشاركة في الشؤون العامة, والتمتع بالحقوق السياسية, بما في ذلك حق التصويت والانتخاب والترشيح) المادة 20 من الدستور , وان نظم التصويت ونظم الانتخاب ونظم توزيع المقاعد وقانون المفوضية تحول دون تطبيق المادة 20 من الدستور وتحرم الكثير من العراقيين من تلك الحقوق, لذا فنحن بأمس الحاجة الى تشريعات  حديثة في هذا الموضوع تلبي الاحكام المطلوبة دستوريا .

ثانيا – العدالة الاجتماعية : تعرف العدالة الاجتماعية عادة بانها تمتع كل فرد في المجتمع بالمساواة للحصول على الفرص المتاحة للفئات المميزة , وفي ضوء هذا التعريف يكون الفقر والبطالة والامية من معوقات العدالة الاجتماعية, لذا يكون من الضروري تفعيل المبادئ الدستورية  بالمساواة وتكافؤ الفرص وحق المواطنين للمشاركة في الشأن العام، وحرية التعبير عن الرأي وحرية الاجتماع والتظاهر السلمي والوصول الى المعلومة  وحرية الفكر والعقيدة  وقبول التعدد وايجاد التشريعات المناسبة لإدارة التنوع، وتمكين المرأة من الحصول على كافة حقوقها الدستورية وايجاد التشريعات اللازمة لحمايتها من العنف المؤسس على اساس الجنس، سواء وقع ذلك العنف داخل الاسرة او خارجها، والتصدي لكافة التشريعات السارية التي تشرعن للتمييز ضدها, ومعلوم ان هناك العديد من مشاريع القوانين تنظم هذا النشاط تركها مجلس النواب في دورته المنصرمة على رفوفه العالية، كمشروع قانون  ادارة التنوع ومشروع قانون التظاهر السلمي وقانون مناهضة العنف الاسري . لذا فان المرحلة القادمة توجب ايجاد النظام التشريعي للعدالة الاجتماعية.

ثالثا – سريان تشريعات النظام السابق: اذ ان العديد من التشريعات السارية حاليا وضعها النظام السابق باعتبارها تعبيرا عن فلسفته في الحكم المبني على مفهومه للاشتراكية، وقد تجلى ذلك في القانون الذي اصدره برقم 35 لسنة 1977 قانون اصلاح النظام القانوني  المستند في افكاره على مبادئ المؤتمر القطري الثامن  لحزب البعث  حسبما مثبت في اسبابه الموجبة والذي بموجبه صدرت قوانين عدة اعتمدت مبدأ تغليب العلاقة القانونية على العلاقة العقدية, لذا فان العديد من احكام تلك القوانين تعد طاردة للاستثمار الاجنبي وحتى الاستثمار الوطني, فضلا عن كونها مخالفة لأحكام الدستور . ومن تلك القوانين الصادرة تنفيذا لإصلاح النظام القانوني قانون التجارة رقم 30 لسنة 1984 وقانون ضريبة الدخل رقم113 لسنة 1983 وقانون الاستثمار الصناعي للقطاعين الخاص والمختلط رقم 20 لسنة 1998 والذي اعطى الولاية للدولة للإشراف على هذا النشاط  وسواها من القوانين الاخرى, وهذه القوانين لا تنسجم ورؤية دستور 2005 للاقتصاد الذي عزز كفالة الدولة لإصلاح الاقتصاد وفق اسس اقتصادية حديثة, يضمن استثمار كامل موارده وتنويع مصادره وتشجيع القطاع الخاص وتنميته المادة 25 من الدستور.

رابعا – سيادة القانون: تتجلى سيادة القانون في خضوع كافة الاشخاص الطبيعية والمعنوية بما فيها الدولة وسلطاتها لأحكام القانون ولا يمكن لأي شخص او رمز سياسي او تشكيل سياسي  وسواه ان يقفز على مؤسسات الدولة ويتجاوزها, ومن غير المقبول ان تسود المجتمع احكام غير احكام القانون كأحكام العشيرة والقبيلة وسلطة رجال الدين لان ذلك ينتهك مبادئ سيادة القانون وله اثار ضارة على المجتمع، وواحدة من تلك الاثار السيئة انتشار السلاح خارج مؤسسات الدولة فضلا عن ان انتهاك سيادة القانون يعيد البلد الى مرحلة ما قبل الدولة. لذا يصبح من الامور الملحة لزوم تفعيل احكام سيادة القانون, وهو ليس بالأمر الهين لان الخصوم في هذا الموضوع اكثر شراسة وقسوة, ولكن لا مناص من اعطاء هذا الموضوع حقه لكي نباشر في ايجاد مستلزمات بناء الدولة الحديثة وتنميتها.

تنزیل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل