ربما لا يعرف الكثيرون من مواليد العقود الاخيرة شيئاً عن حياة الشخصية البارزة المناضلة الدكتورة نزيهة الدليمي، إحدى رائدات الحركة النسوية العراقية، مناضلة سياسية واكبت النضال الوطني التحرري والديمقراطي على مدى أكثر من نصف قرن.

ولدت العام 1923 في بغداد، وهي الإبنة الكبرى مع ستة أولاد، في عائلة ذات دخل متوسط، حيث كان والدها موظفاً بسيطاً في دائرة إسالة ماء بغداد.

أكلمت دراستها الابتدائية والمتوسطة في تطبيقات دار المعلمات والثانوية في المدرسة المركزية للبنات، ثم دخلت كلية الطب عام 1941، وعن طريق صديقتها نزيهة رؤوف مخلص شقيقة عفيفة رؤوف مخلص تعرفت على نشاطات جمعية مكافحة الفاشية والنازية، وأتيح لها أن تختلط مع مختلف فئات المجتمع وتعرفت على الأفكار الشيوعية عن طريق الدكتور فاروق برتو أحد العناصر الطلابية في تنظيم الحزب الشيوعي العراقي في كلية الطب.

تم ترشيحها للحزب الشيوعي عام 1947 وفي عام 1948 تسلمت العضوية وتخرجت في كلية الطب وعينت في المستشفى الملكي في بغداد وتنقلت في الكثير من المحافظات “الألوية” منها كربلاء والسليمانية والعمارة.. وغيرها.

تعرفت من خلال عملها في العيادة على الكثير من معاناة المجتمع وبالأخص أوضاع المرأة ومشاكلها الاجتماعية والصحية، وكانت حريصة على إيجاد الحلول لمشاكل المرأة وأسرتها في ظل العادات والتقاليد البالية.

أثناء الحرب العالمية الثانية نشطت في تحويل جمعية مكافحة الفاشية والنازية الى “رابطة النساء العراقيات” العام 1945 مع السيدة عفيفة رؤوف والدكتورة رفد خدوري وعفيفة اسماعيل البستاني وأمينة الرحال وسعدية الرحال وفيكتوريا نعمان وآمال الزهاوي وسانحة امين زكي، اللواتي كن يتمتعن بوعي وطني وثقافي واجتماعي. كان هدفهن النضال ضد الاستعمار والصهيونية بالتزامن مع المطالبة بحقوق المرأة وهذه من اهداف الجمعية المذكورة.

تميزت الدكتورة نزيهة الدليمي من ضمن عشرات النساء بالوعي والروح الوطنية. ويسجل لها التاريخ باعتزاز مساهمتها في كثير من المواقف المشرفة والعمل بين النساء العاملات والفقيرات في تأسيس مراكز لمحو الامية من خلال حملة شملت عشرين مركزاً في المدارس الابتدائية، واصدار مجلة باسم “تحرير المرأة” التي ضمت بين دفتيها الكثير من الموضوعات التي تتناول أوضاع المرأة وتدعو إلى إدراك حقوقهن وحريتهن.

وذات مرة نشرت د. نزيهة موضوعات منها: “صحة المرأة العراقية” عرضت فيه أوضاع المرأة الريفية وما تعانيه من فقر وعدم تعلم.. وأثناء وثبة كانون الثاني العام 1948 ضد معاهدة بورتسموث كانت الدكتورة نزيهة في مقدمة المتظاهرات أيام 17-19 كانون الثاني اللواتي قمن بتوزيع المنشورات حتى الغيت الاتفاقية بعد سقوط شهداء ومنهم جعفر الجواهري حيث نظم الجواهري قصيدته المعروفة:

أتَعْلَمُ أمْ أنتَ لا تَعْلَمُ                بأنَّ جِراحَ الضحايا فمُ

فَمٌّ ليس كالمَدعي قولةً              وليس كآخَرَ يَسترحِمُ

وبرزت الدكتورة نزيهة وتميزت بحيويتها وفاعليتها بين الجماهير ومعها مجموعة من الوجوه النسوية المعروفة مثل: بشرى برتو وخانم زهدي وثمينة ناجي يوسف ونظيمة رشيد وهبي ومبجل بابان.

وبمبادرة شخصية منها قدمت مجموعة كبيرة من النساء في العراق بطلب الى وزارة الداخلية لتأسيس جمعية وطنية نسوية باسم “جمعية تحرير المرأة” ومن أهدافها: النضال من اجل السيادة الوطنية والعمل من أجل حقوق المرأة ومن اجل حماية الطفولة. وبعد مرور شهر على تقديم الطلب جاءها الرد بالرفض لكون الدكتورة تعمل في صفوف الحزب الشيوعي العراقي وتروج له. وفي 10/3/ 1952 أعلن عن تأسيس رابطة المرأة العراقية وتم انتخاب د. نزيهة الدليمي أول رئيسة لرابطة الدفاع عن حقوق المرأة ومما جاء في الاهداف:

1- النضال من اجل السيادة الوطنية.

2- العمل من اجل السلم والتحرر الوطنية الديمقراطي.

3- الدفاع عن حقوق المرأة العراقية وحماية الطفولة وسعادتها.

ساهمت الدكتورة نزيهة في الكتابة عن المرأة في مجلة “تحرير المرأة” والصحف الصادرة آنذاك. ومثلت النساء العراقيات في الكثير من المؤتمرات العالمية منها:

1- مؤتمر باكستان في 25 آذار 1952.

2- مؤتمر فينا من 12- 20 كانون الاول 1952.

كما شاركت د. نزيهة بالإضافة الى المؤتمرين السابقين في مؤتمر كوبنهاغن النسوي العام 1953، وذلك لشهرتها في مجال الطب بين النساء الكادحات والفقيرات من أجل تغيير واقعهن الصعب. وفي اليوم السادس والاخير ألقت الدكتورة نزيهة الدليمي خطاباً، استعرضت فيه اوضاع المرأة العراقية عامة وبالأخص الواقع الاقتصادي وعملها لساعات طويلة تتراوح بين 12 – 16 ساعة يومياً، وهي ساعات عمل تخالف قانون العمل وقد نال استحسان وتضامن الحضور، وصدر بيان جاء فيه: “ان مؤتمر النساء يدعو جميع النساء من جميع القوميات والمنظمات العالمية المختلفة لمضاعفة عملهن للضغط على حكوماتهن لأطلاق سراح اخواتنا واخواننا المدانين لدفاعهم عن السلم واستقلال شعوبهم”.

في العام 1954 عقدت الرابطة كونفرنسها الأول بحضور مندوبات يمثلن النساء من مختلف ارجاء العراق في (جديدة الشط) وهي منطقة بساتين ولغرض التمويه أقيمت حفلة زفاف ومن خلال الزفة الشعبية لإحدى الفتيات والتصفيق والغناء وبالأخص عند اقتراب السيارات من سيطرة الشرطة.

كان المؤتمر برئاسة الدكتورة نزيهة واتخذت في ختامه مجموعة من القرارات، أهمها توسيع اللجان المتوفرة في الرابطة، وسبق ذلك تشكيل لجنة تحضيرية لأنصار السلام برئاسة محمد مهدي الجواهري واصدرت بياناً الى الشعب العراقي للتوقيع عليه وتأييد النداء الصادر عن اجتماع أنصار السلام العالمي الذي عقد في ستوكهولم آذار 1950. وتشكلت لجنة تحضيرية في بغداد لعقد مؤتمر تأسيس أنصار السلام كانت الدكتورة نزيهة احدى العضوات فيها.

كما ساهمت الدكتورة في دعم ثورة الرابع عشر من تموز 1958، حيث سارعت الى اصدار بيان وفتح مقر للرابطة (رابطة الدفاع عن حقوق المرأة) في مبنى الاتحاد النسائي العراقي وجذب الشابات للانضمام الى الرابطة كونهن الجيل القادم وعملت على تشكيل فرق من العضوات للتوجه الى المناطق الريفية والصرائف من أجل توعية النساء صحيا واجتماعيا وفتح مراكز لمحو الامية، بالإضافة الى توفير الأدوية، كما تم فتح مراكز في بغداد وباقي المدن مثل: النجف وكربلاء والعمارة والبصرة والسليمانية وكركوك.

تميزت الدكتورة بنشاطها النسوي والوطني على حد سواء باعتبار ان القضية النسائية هي جزء من قضية الشعب سياسيا واقتصاديا، ولن ننسى دورها في المطالبة بسن قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959، إن لم تكن قد ساهمت بوضعه من قبل لجنة مختصة قانونية كانت تضم الدكتور الخالد صفاء الحافظ.

ونظرا لجهودها مع النساء والجماهير الكادحة، رشحها الزعيم عبد الكريم قاسم لتولي وزارة البلديات فكانت أول وزيرة في العراق والوطن العربي، وإثر انقلاب شباط عام 1963 تعرضت الى الكثير من الملاحقات، ووصفتها التقارير الأمنية بأنها فوضوية ورابطية ومن أنصار السلام، وعضوة في المجلس الوطني لحركة أنصار السلام في العراق وكان لها الدور الكبير في التصدي لهذا الانقلاب. وشهد ضدها وكيل وزارة البلديات المدعو عباس البلداوي حيث ذكر أنه كان يراجعها في الوزارة الشيوعي عبد القادر إسماعيل والنقابيون المرتبطون بالوزارة. وأصدرت المحكمة على الدكتورة نزيهة حكما غيابيا بالإعدام، ولوجود ظروف وأسباب تستدعي الرأفة وكونها امرأة وأن جريمتها سياسية استبدلت العقوبة من الإعدام الى الاشغال الشاقة المؤبدة. مما اضطرها إلى مغادرة العراق ولكنها عادت للوطن عام 1967 وبصورة سرية وبقيت فترة في بيت الدكتورة بثينة شريف، وبعد 17 تموز عام 1968 عاد حزب البعث الى السلطة، ومن أجل كسب ود القوى الوطنية والديمقراطية اصدر قوانين منها العفو عن السجناء السياسيين بتاريخ 5/ 9/ 1968 وإعادة المفصولين السياسيين الى وظائفهم، كانت هذه القوانين سببا في عودة الدكتورة نزيهة الى العمل العلني بعد إعلان العفو العام عن الاحكام الصادرة عليها، والمشاركة في المؤتمر الذي عقده الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي تحت شعار “دورة المرأة في عالمنا المعاصر” وكانت الرابطة مدعوة للحضور بشخص سكرتيرتها.

بعد عودتها من المؤتمر طلبت العودة الى الوظيفة كطبيبة وأعيدت بقرار (1682) الى الخدمة بوظيفة طبيبة في مفتشية الصحة العامة.

عام 1987 ترأست وفد رابطة المرأة العراقية للمشاركة في حضور مؤتمر اتحاد النساء الديمقراطي العالمي في موسكو حيث كانت على رأس لجنة السلم والتضامن والمشاركة في ورش المؤتمر بموضوع النزاعات الدولية والحروب.

كان عام 1999 متميزاً حيث كنت احدى المندوبات لحضور الكونفرنس الخامس للحزب الشيوعي العراقي ولقائي بالدكتورة نزيهة الدليمي على إثر دعوة للغداء عند الرفيق الخالد “سعدون”/ وضاح، في بيته مع زوجته دنيا وابنه كفاح الجميل، وتفاجأت بوجودها هناك رغم معرفتي بدعوتها لحضور الكونفرنس في شقلاوة. وتحولنا الى شقة هناك، ثم عدنا الى دمشق بعد عدة أيام بعد انتهاء من بعض الزيارات. قدمت الينا الدكتورة للبقاء معنا في البيت ولقائها في اجتماعين الأول مع سكرتارية الرابطة في الخارج، وكان في الطابق الثاني من العمارة وفيه تمت مناقشة مستجدات الوضع في العراق والتوجه لإصدار كراس بعنوان “ المرأة العراقية الواقع والتحديات عام 2000” وصدر عنه كراس بنفس العنوان وكان له تأثير إيجابي كبير واستنهاض لهمة الرابطيات في بلدان اللجوء.

والاجتماع الثاني كان لفرع رابطة المرأة العراقية / سوريا وبحضور حشد من النساء العراقيات القادمات من داخل العراق، وكانت الدكتورة تتحدث مع الحضور بكل عفوية وتلقائية وتدخل في صميم الموضوعات عبر سؤالها المباشر عن أحوال النساء ومعاناتهن من ألم الغربة والحنين الى الوطن، مع تخفيف آلامهن من قبلها بالحديث المنطقي والموضوعي وما يتحتم عليهن فعله.

استمرت الدكتورة المناضلة في مواصلة التوجيهات لزميلاتها وانا بالذات أتذكر اتصالاتها الهاتفية من برلين رغم مرضها تعطينا الارشادات حول التهيئة للوثائق من نظام داخلي وانشطة الرابطة في كافة الفروع، لعقد المؤتمر الخامس بعد عقد اجتماع الرابطة عام 1998 “سيمنر” في كولن بألمانيا، وفي عام 1999 تحت عنوان “نحو عام 2000 الواقع والتحديات” وعلى إثر ذلك تمت مشاركة وتفاعل فروع الرابطة مع المسيرة العالمية في نيويورك وبروكسيل عام 2000 ثم المشاركة في مؤتمر بكين + 5 من قبل الزميلة مبجل بابان في سويسرا.

وأخيرا تم عقد اجتماعات بممثلات الفروع مثل بشرى الحكيم وخانم زهدي وأم فرح وتقرر عمل لجنة تحضيرية وكانت تعاني من تدهور صحتها في مدينة بوتسدام بألمانيا واصيبت بجلطة في آذار 2002 وتوفيت يوم الثلاثاء 9/ 10/ 2007.

كانت صدمة قاسية على جميع المناضلات والناشطات في داخل العراق وخارجه لفقدان رمز من رموز الحركة النسائية العراقية.

عرض مقالات:

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل