/
/
/
/

كواحد من عشرات الألوف الذين تعرضوا للإضطهاد والضرب والإعتقال في مقرات الشرطة والحرس القومي والملاعب الرياضية والبيوت السرية والعلنية على يد قطعان المنفلتة، اجد من حقي ان ( احكي) أهوال العذاب الذي استمر خمسة أشهر في مقرات الحرس القومي الفاشي، لقد سحقت هذه الأيادي القذرة آدميتنا وآمالنا وحلمنا، هذه الذكريات الحزينة لا زالت طرية و الآلام في حر الصيف وبرد الشتاء، تذكرني بإستمرار ما عمل هؤلاء الأوباش ، وأكون جازما أن هناك الآلاف من الذين تعرضوا للتعذيب يحملون الجروح و الآلام أكثر مني.

نعرف أسماء شهدائنا و نعرف أسماء الأيادي القذرة المجرمة التي اقترفت هذه الجرائم .. لا نعرف أسماء الذين اعتقلوا بعد انقلاب 8 شباط الأسود وهم بمئات الألوف ونعرف معذبينا ولكن!!

1- مدينة الناصرية:

لم اكن من سكنة هذه المدينة المناضلة الطيبة، جئنا لها بعد اطلاق سراح أخي المدرس مهدي الريحاني وسراحي من معتقل مدينة بعقوبة ( قضايا) التنظيم الشيوعي في معسكر سعد بي بعقوبة حيث كان اخي مهدي المسؤول الحزبي لهذا المعسكر ، وقد اعتقلنا عام 1960، وبعد اطلاق سراح أخي أبعد الى مدينة سوق الشيوخ مدرسا في ثانويتها لمادة اللغة العربية، وسكن في مدينة الناصرية.

أعتقلت في الأسبوع الثاني من الانقلاب في بيت العمال التابع الى المهندس الشيوعي حكمت محمد الفرحان، وبعد يومين من المظاهرات التي عمت المدينة ضد الإنقلاب، ومحاولة فاشلة للإستيلاء على سلاح الحرس القومي.

صاح الطباخ : شرطة وحرس قومي يحملون السلاح قرب باب البيت .. هربت الى السطح وقفزت الى سطح الجيران ولكن سطح البيت انخسف حيث كان من الحصير. و القي القبض علي.

في مقر الحرس القومي بدأ التحقيق  والمحقق كان المهندس فهمي روفا وهو اخ منير الضابط الذي هرب بطائرة ( الميك) الى إسرائيل ، وكان في غرفة التحقيق نعيم حداد والذين قاموا بالتعذيب عباس حمادي و المجرم غازي سيف وهو الذي قتله ثوار انتفاضة عام 1990.

كبلت يداي في الشباك والوجه والرأس والجسم يتلقون الضربات  بالعصي وقضبان الحديد .. كانت عيناي متورمة و وجهي مدمى وملابسي ممزقة ، ولا ادري كيف تذكرت السيد المسيح عندما ربطت ودقت يديه على الصليب.

استمرت ( حفلات التعذيب) ليال طوال، اعود الى الموقف وانا مغطى بالدماء، ممزق الجسم والملابس، المدرس والشاعر فائز الزبيدي اعطاني مرات عديدة ملابس داخلية ورفاق آخرون بيجامة وقميص.

كان معنا في المعتقل داود سلمان أخ مؤسس حزبنا الخالد فهد ، حيث كان يشتم البعثيين عند عودتي من التحقيق وأنا لا أستطيع المشي.

في الموقف ( المعتقل) كان كثير من المعتقلين ومنهم المهندس حكمت الفرحان وقد تعرض للضرب و الشتم هو وسائقه والطباخ بعد القاء القبض علي في بيت العمال التابع للمهندس حكمت.. بالمناسبة وبعد خمسين عاما استلمت رسالة من حكمت الفرحان بعد ان سمع بأني حي، اوصلها الرفيق هادي بزون حيث كان يعمل معه في الري. يقول حكمت ( كنت جازما بأنك قد صفيت جسديا بعد ان تم تسفيري الى بغداد).

ودعت رفاقي بعد أن جاء آمر المعتقل وقال سوف نسفرك الى بغداد لطلب القيادة العامة للحرس القومي.

 انتابني القلق والحيرة عما يكون مصيري بهذا الجسم الناحل المدمى الذي في انتظاره السياط والمروحة والعصي ؟. سألني رفاقي هل نراك مرة أخرى وأنت في هذا الطريق المجهول؟.

في القطار الصاعد الى المدينة العزيزة بغداد أجلسوني بين شرطي وآخر بملابس مدنية – حرس قومي- ويدي مع يد الشرطي في ( كلبجه) واحدة ، وركاب عربة القطار يشاهدون وجها وعيونا متورمة مدماة ولفافة تشد الرأس  وشاربي الذي نتفوه  من الجهة اليمنى.

توقف القطار في جانب الكرخ ومن هناك الى التسفيرات، قال الحرس القومي في البداية علينا ايصاله الى ( القصر).

عرفت البناية التي توقفت عندها السيارة ، كان دارنا الذي انتقلنا اليه بعد ثورة 14 تموز وعودة اخي المدرس من المنفى في سوريا . وهناك أيضا مقر الشبيبة الديمقراطية في الجهة المقابلة للقصر في منطقة الحارثية.

وكم زارت القصور الملكية وفود عديدة وكنا في رفقتهم ومنهم القائد الجزائري بن يوسف بن خدة. وفي صبيحة 14 تموز كنت هناك مع الناس والجنود وهم يدكون قصور الخيانة والتآمر.

لم يكن في خلدي أن أكون نزيل هذا القصر اللعين ريما قد تكون لعنة ( الملك).

2- قصر النهاية

سلومني الى حرس القصر، هناك ودت رائحة الموت والدم مملوءًا بالخوف والصراخ و البكاء ، سياط الجلادين تمزق الاجسام الطاهرة والمراوح تدور بنا  والذبح نصيب قادة الحزب الأماجد سلام عادل والحيدري وأبو العيس وحسن عوينة وعشرات غيرهم. والقتلة منتشين بروح الحقد والكراهية والشتائم والكلام البذيء.

ساعات و أنا أرتجف من الخوف والبرد والآلام بعد ان فقأوا جروح الرأس والرجلين وزادوها جروحا ونزيفا.

قال صاحب البدلة و ريطة العنق : سيكون مصيرك مثل قائدكم. وطلب من الجلادين ايصالي الى القيادة العامة للحرس القومي.

3- القيادة العامة للحرس القومي في الأعظمية

أخذوني في سيارة من قصر النهاية الى الاعظمية الى بناية تحرسها دبابة من اليمين وأخرى من اليسار وهم غارقون بالضحك على وجهي المتورم والشارب المنتوف والملابس الممزقة. من باب البناية وهم مستمرون بالضرب حتى داخل القاعة حيث كان هناك قادة الحرس القومي؛ الونداوي و أبو طالب وهو ليس عسكريا ولكن أعطيت له رتبة ملازم وهو الذي نقلني من قصر النهاية الى قيادة الحرس القومي ..أخذتهم نوبة من الضحك وهم يسألون والحرس القومي يحيطون بي ويحملون العصي وآخرون يحملون الرشاشات ومرة أخرى مزيدا من الجروح والدماء.

قال واحد منهم : خذوه الى شرطة الأعظمية .. هناك موقوفون لريما يتعرفون عليه، حيث لا زال مسؤول منظمة الحزب الشيوعي العراقي لم يعتقل بعد، وبعد المواجهة مع المعتقلين يؤخذ رأسا الى النادي الأولمبي في الاعظمية.

4- شرطة الأعظمية

في الموقف كان هناك مجموعة من الشباب سألوني عني مكان سكني اجبتهم انني من مدينة الناصرية وهذه هي المرة الأولى التي اشاهد منطقة الاعظمية . قالوا انهم من سكنة الاعظمية ، وعنما سألهم الملازم الذي جلبني اذا كانوا يعرفونني، اجابوا بأنهم لم يشاهدونني في منطقة الاعظمية وهذا غريب عن هذه المنطقة.

بقيت الليل كله يقظا خوفا من ان يتعرف على أحد ما.

في الصباح سلمت على هؤلاء وجاء شرطني و أخذني الى النادي الأولمبي وهنا لم اضرب سوى ضربة واحدة على ظهري من قبل ضابط الشرطة.

5- النادي الأولمبي في الاعظمية

سلمني الشرطي الى الحرس في النادي الأولمبي ، صعدنا الى الطابق ، شاهدت العشرات من المعتقلين في قاعة مفتوحة وقريب منها أماكن التحقيق والتعذيب . يرأس هذا النادي سمير عزيز النجم ، وكان في اللجنة التحقيقية عضو القيادة القطرية والقومية محمد عمار الراوي، حسب ما اذكر ضربني بشدة وقال سوف ندخلك يا ابن........الى الغرقة الحمراء.

دخلت هذه الغرفة مرات عديدة والجروح تزداد ويعيدوني محمولا من هذه الغرفة الى القاعة. كان مكاني قريبا من الرفيق راضي أبو العيس .

في أحد الأيام جاءت مجموعة باللباس المدني كانوا من قيادة البعث والحرس القومي وأخبروا الرفيق راضي عن استشهاد محمد حسين أبو العيس لأنه وقف ضد ( الثورة) ولهذا تم إعدامه.

كان في هذا المسلخ البشري عسكريون ومدنيون ، وكان قياديو الحرس القومي بأتون ويهددون المعتقلين بالإعدامات لأنهم وقفوا ضد الانقلاب. وقالوا انكم تعيدون تنظيم أنفسكم من جديد وخاصة عند الذهاب الى دورة المياه، وكان المجرم الرياضي أموري إسماعيل يهدد بالويل والقتل والتعذيب وهو يحمل رشاشته.

بقيت أسابيع في هذا النادي الرهيب وآلة التعذيب باستمرار وهي تطحن خيرة الناس. ثم نقلوني الى معتقل العمال في القصر الأبيض ولا زلت لا أعرف كيف هرب الرفيق صالح دكلة من هذا المعتقل المحصن جداً وحراسه مدججون بالأسلحة.

6-معتقل العمال في القصر الأبيض

يضم هذا المعتقل أيضا معتقلين عمالا وفلاحين وكسبة وطلابا، وفيه التقيت بالأديب الأستاذ علي الشوك وكان قد جيء به من معتقل قصر النهاية الرهيب. حدثني الأستاذ علي الشوك عن اساليب التعذيب التي مورست معه وخاصة التعليق في المروحة، سألني عن اخي مهدي الريحاني الذي تربطه به صداقة قديمة فأخبرته بأني اعتقلت في مدينة الناصرية وأخي سافر قبل الإنقلاب الفاشي وبقي في بغداد ولا اعرف شيئا عنه .

قال: لقد سألوا عنه كثيرا في التحقيق في قصر النهاية .

بقي الأستاذ الشوك الى اليوم الثاني ثم نقل الى معتقل المثقفين.

في المعتقل التقيت بالأخوة ( ملا علي) و كانوا ثلاثة و أحدهم واحد من كوادر الحزب أظن ان اسمه سلطان ملا علي. وهم من مدينة البصرة وكان في المعتقل الشهيد أدمون يعقوب و الشهيد عدنان البراك والذي نقلوه سريعا الى قصر النهاية . كما التقيت في هذا المعتقل برئيس نقابة النفط في مصفى الدورة وهو رجل ( قاسمي) ايمه الحاج إبراهيم وكان والدي يعمل معه في النقابة مسؤولا للمالية. سألني عن والدي فأخبرته بأنني لا أعرف عنه شيئا.

كان في الهيئة التحقيقية اثنان لقبهما المشهداني أحدهما كان قاسيا جدا مع المعتقلين ، استعمل معي ومع آخرين أساليب رهيبة كالضرب والتعليق في المروحة والفلقة. والمشهداني الثاني كان يبدو طيبا مع المعتقلين.

بعد اشهر طويلة وفي بداية شهر تموز أطلق سراحي، وقال رئيس الحرس القومي و المحقق الذي كان بعد وضع المسدس فوق رأسي وهو يحلف بأنه سوف يفرغ المسدس في رأسي إذا جيء بي مرة أخرى ولم نعرف من تكون.

خرجت و أنا ابحث عن من يوصلني الى الأهل والجماعة في بغداد.

المعتقل السياسي في 8 شباط 1963

عبد الستار الريحاني

 

تحميل التطبیق علی موبایل اندروید و اپل