لم يكن حضور رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، ولقاؤه المنفرد بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، مجرد نشاط دبلوماسي عابر، بل جاء في لحظة سياسية مفصلية تتقاطع فيها ثلاثة ملفات أساسية: اكتمال الانسحاب العسكري الأميركي من العراق، إصرار الحكومة العراقية على حصر السلاح بيد الدولة، ومحاولة الانتقال من مرحلة الصراعات الأمنية إلى مرحلة التنمية والاستثمار ومكافحة الفساد. وقد اكتسبت زيارة الزيدي أهمية إضافية مع إعلان الولايات المتحدة في 30 سبتمبر/أيلول اكتمال انسحاب قواتها ومعداتها من العراق وإنهاء مهمة «عملية العزم الصلب»، والانتقال إلى صيغة تعاون دفاعي ثنائي. وهكذا دخل العراق مرحلة جديدة يفترض أن يتحمل فيها مسؤولية أكبر عن أمنه وقراره الوطني.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: ماذا تعني السيادة العراقية بعد خروج القوات الأجنبية؟

فالسيادة في الدولة الحديثة لا تختصر في غياب الجندي الأجنبي عن الأرض الوطنية. إنها تعني أيضا أن تكون مؤسسات الدولة الدستورية صاحبة القرار النهائي في الحرب والسلم، وأن تخضع القوة المسلحة للقانون، وأن تكون موارد البلاد العامة محمية من الفساد ومراكز النفوذ. من هذا المنظور، تكتسب مواقف الزيدي في الأمم المتحدة أهمية خاصة، إذ ربط بين قوة الدولة وسيادة القانون، وبين ضرورة أن يكون السلاح بيد المؤسسات الدستورية، كما طرح العراق بوصفه دولة تريد الانتقال من الصراع إلى التنمية والطاقة والاستثمار والعلاقات الاقتصادية المتوازنة. وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين الانسحاب الأميركي وحصر السلاح بيد الدولة. فالفصائل المسلحة التي طالما ربطت استمرار سلاحها بمواجهة ما تسميه «الاحتلال» تواجه، بعد اكتمال الانسحاب العسكري الأميركي، سؤالا سياسيا جديدا: ماذا بعد خروج القوات الأجنبية؟

إذا كان وجود السلاح خارج السيطرة الكاملة للدولة يستند إلى مبرر مقاومة الاحتلال، فإن انتهاء الوجود العسكري الأميركي يفرض إعادة تعريف القضية. فالجدل لم يعد فقط حول وجود قوات أجنبية، وإنما حول سؤال أكثر جوهرية: من يملك قرار الحرب والسلم في العراق؟. ولا يتعلق الأمر بإلغاء الدور السياسي لأي تيار أو حزب، وإنـــما بطبيعة الدولة نفسها. فاحتكار القوة المسلحة من جانب الدولة هو أحد شروط قيام الدولة الحديثة، كما أن التعدد في مراكز القرار العسكري والأمني يضعف سلطة القانون ويجعل السيادة عرضة للتجزئة.

ومن هنا تأتي أهمية اللقاء المنفرد بين الزيدي وترامب، الذي جرى في ظل التحضير لاكتمال الانسحاب الأميركي، وفي وقت كانت فيه واشنطن تؤكد أهمية معالجة ملف الجماعات المسلحة ومنع استخدام الأراضي العراقية في هجمات على الآخرين. لكن من الخطأ اختزال اللقاء في علاقة «أوامر أميركية واستجابة عراقية». فالمشهد أكثر تعقيدا. العراق يحاول، من جهة، تأكيد استقلال قراره الوطني، ومن جهة أخرى الحفاظ على علاقاته الدولية، وعدم التحول إلى ساحة مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران أو غيرهما. كما أن العلاقة العراقية ـ الأميركية بعد الانسحاب يفترض أن تنتقل بصورة أكبر من المجال العسكري إلى التعاون الاقتصادي والاستثماري والطاقة، وهو ما ينسجم مع محاولة بغداد تقديم نفسها بوصفها دولة تبحث عن التنمية والاستقرار، لا ساحة للصراعات الإقليمية والدولية.

أما وصف الوجود الأميركي بأنه «احتلال»، الذي ظل جزءا من خطاب بعض الفصائل، فيحتاج إلى وضعه ضمن سياقه التاريخي. فقد غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، ثم انسحبت قواتها عام 2011، قبل أن تعود عام 2014 ضمن التحالف الدولي لمحاربة تنظيم داعش وبطلب من الحكومة العراقية. ومع انتهاء المهمة العسكرية الحالية، يصبح السؤال السياسي مختلفا: كيف يمارس العراق سيادته بعد خروج القوات الأجنبية؟

وهنا تبرز قضية مكافحة الفساد باعتبارها الوجه الآخر لمعركة بناء الدولة. فالدولة التي تريد احتكار القوة المسلحة تحتاج في الوقت نفسه إلى مؤسسات قوية تحمي المال العام وتطبق القانون وتحاسب المسؤولين. ولذلك فإن حصر السلاح ومكافحة الفساد ليسا ملفين منفصلين تماماً؛ كلاهما يتعلق بإعادة بناء سلطة الدولة وثقة المواطن بمؤسساتها. وقد جعل الزيدي مكافحة الفساد من أولويات حكومته، لكن نجاح هذه السياسة لا يقاس بالإجراءات والإعلانات وحدها، وإنما بقدرتها على الوصول إلى الملفات المعقدة، واسترداد الأموال العامة، وضمان عدم تحول مكافحة الفساد إلى أداة انتقائية مرتبطة بالتوازنات السياسية.

إن انتهاء الوجود العسكري الأميركي، إذن، لا يعني انتهاء مشكلات العراق، بل ينقل جزءا كبيرا من المسؤولية إلى الداخل. فقد خرجت القوات الأجنبية، لكن قضية السلاح لم تنتهِ، كما أن الفساد لم ينتهِ، والتحدي الاقتصادي والاجتماعي ما زال قائما. ولهذا فإن المرحلة الجديدة تمثل اختبارا حقيقيا للدولة العراقية وللقوى السياسية والفصائل المسلحة معا. فإذا تمكنت بغداد من تحويل الانسحاب إلى فرصة لتعزيز المؤسسات، وحصر القوة المسلحة بالقانون، ومكافحة الفساد، وحماية المال العام، وتنمية الاقتصاد، فإن السيادة ستتحول من شعار سياسي إلى ممارسة فعلية.

اذن؛ قضية السلاح الذي تحتفظ به بعض الفصائل المسلحة في العراق، لم تعد مجرد خلاف سياسي بينها وبين الحكومة، بل أصبحت قضية تمس جوهر الدولة نفسها، وتطرح سؤالا مصيريا: من يملك القرار النهائي في الحرب والسلم؟. فالدولة الحديثة لا تقوم فقط على حكومة وبرلمان وجيش ومؤسسات دستورية، وإنما على امتلاكها السلطة القانونية في استخدام القوة واتخاذ القرارات التي تحدد أمن المجتمع ومصيره. وعندما توجد قوة مسلحة تستطيع اتخاذ قرار عسكري مستقل عن الحكومة والمؤسسات الدستورية، تصبح السيادة موزعة، وتظهر عمليا فكرة «الدولة داخل الدولة».

وقد ازدادت أهمية هذه القضية بعد انتهاء المهمة العسكرية الأميركية في العراق، وانتقال العلاقة بين بغداد وواشنطن إلى إطار التعاون الأمني والدفاعي. وفي هذا السياق يؤكد رئيس الوزراء علي الزيدي أن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة، مع وضع مسار زمني لمعالجة قضية السلاح خارج سيطرتها. لكن بعض الفصائل لا تزال تتمسك بسلاحها، وتربط التخلي عنه بالظروف الإقليمية أو بوجود تهديدات خارجية. وهنا ينبغي تجاوز الشعارات وطرح السؤال: هل تستطيع جماعة سياسية، مهما كان حجمها أو تاريخها، أن تمتلك قرارا عسكريا مستقلا داخل دولة يفترض أنها ذات سيادة؟

المشكلة ليست في وجود السلاح داخل مؤسسات الدولة، وإنما في وجود قوة مسلحة تستطيع استخدامه وفق حساباتها الخاصة، أو وفق ارتباطاتها الإقليمية، أو للدخول في مواجهة لم تقررها الدولة. والخطر لا يقتصر على احتمال نشوب حرب، بل يبدأ منذ اللحظة التي تضطر فيها الحكومة إلى حساب رد فعل فصيل مسلح قبل اتخاذ قرار سياسي أو دبلوماسي. والعراق، بحكم موقعه في منطقة تعيش صراعات متشابكة، معرض بصورة خاصة لمثل هذه المخاطر. فإذا قررت جماعة مسلحة تنفيذ هجوم على دولة أخرى، فقد يأتي الرد على الأراضي العراقية، وقد تتعرض مدن ومنشآت ومصالح اقتصادية ومواطنون لا علاقة لهم بالقرار إلى نتائج ذلك التصعيد. وهنا يصبح المواطن الطرف الأضعف؛ فهو لا يشارك في اتخاذ القرار العسكري، لكنه يدفع ثمنه من أمنه واقتصاده وحياته اليومية. فالحرب لا تميز دائما بين من أصدر الأمر ومن يعيش في المكان الذي نُفذ فيه. وتزداد خطورة الأمر عندما ترتبط الفصائل بعلاقات سياسية أو عسكرية خارج الحدود. فالعراق يستطيع إقامة علاقات مع جيرانه وحلفائه، والدفاع عن سيادته ورفض الاعتداء على أراضيه، لكن هناك فرقا جوهريا بين سياسة خارجية تقررها الدولة وبين قوة مسلحة تستطيع أن تتخذ قرارا عسكريا يجر البلاد إلى أزمة لم تخترها.

ومن هنا فإن حصر السلاح لا ينبغي أن يُفهم باعتباره إلغاءً لدور سياسي أو استهدافا لمكون اجتماعي، وإنما باعتباره فصلا ضروريا بين العمل السياسي والعمل العسكري. من يريد ممارسة السياسة يمتلك أدواتها السياسية والدستورية، ومن يتولى الدفاع عن العراق يفعل ذلك من خلال مؤسسات الدولة وقوانينها وقيادتها. بيد ان انتهاء الوجود العسكري الأميركي يفرض إعادة النظر في مبررات استمرار السلاح خارج الدولة. فإذا كان وجوده قد ارتبط في مرحلة سابقة بمواجهة القوات الأجنبية، فإن انتهاء تلك المرحلة ينقل القضية إلى سؤال آخر: هل يمكن أن تبقى هناك قوة عسكرية مستقلة عن الدولة في دولة يفترض أنها صاحبة السيادة؟. وفي المقابل، تتحمل الحكومة مسؤولية كبيرة أيضا. فلا يمكن بناء دولة تحتكر القوة من دون قضاء مستقل، ومؤسسات أمنية مهنية، ومكافحة حقيقية للفساد، وضمان الحقوق والحريات. فالدولة التي تطالب الجميع باحترام القانون يجب أن يكون القانون فيها فوق الجميع.

إن العراق أمام فرصة لإعادة بناء مفهوم السيادة على أساس دولة واحدة وقانون واحد وقرار عسكري واحد. أما استمرار تعدد مراكز القوة، فيبقي البلاد معرضة لأن تتحول إلى ساحة لصراعات الآخرين. وفي النهاية، ليست القضية من الأقوى: الدولة أم الفصائل، وإنما هل يستطيع العراق أن يكون دولة واحدة إذا كان قرار الحرب والسلم موزعا بين أكثر من جهة؟ فالاحتفاظ بالسلاح قد يمنح الفصيل قوة، لكنه لا يمنح العراق بالضرورة أمنا أو سيادة.

توحيد القرار العسكري تحت سلطة الدولة، هو الذي يجعل المواطن يعرف من يقرر الحرب، ومن يتحمل نتائجها، ومن يملك مسؤولية حماية حياته ومستقبله. أما إذا بقيت القوة موزعة بين الدولة ومراكز نفوذ خارج سيطرتها، فإن مجرد مغادرة القوات الأجنبية لن يكون كافيا لإنتاج دولة مكتملة السيادة. فالسيادة ليست الفراغ الذي تتركه قوة أجنبية عندما تغادر؛ السيادة هي قدرة الدولة على ملء هذا الفراغ بالقانون والمؤسسات والقرار الوطني..