قراءة تاريخية في بيان منظمة الحزب الشيوعي العراقي في چيكوسلوڤاكيا الصادر غداة رحيل شمران الياسري
في ذكرى مرور خمسة وأربعين عاماً على رحيل شمران الياسري، أبو گاطع، تبدو العودة إلى الوثيقة ( نشرها الأستاذ ثائر صالح في موقعه الإلكتروني) أكثر وفاءً للرجل من الاكتفاء باستعادة صورته التي استقرت في الذاكرة العراقية. فالذاكرة، مهما كانت صادقة في عاطفتها، تعيد ترتيب الأشخاص بعد رحيلهم، تضيف إليهم وتحذف منهم، وتنتقي من حياتهم ما ينسجم مع حاجات الحاضر. أما الوثيقة التي كتبت في اللحظة نفسها، قبل أن تستقر صورة الراحل وقبل أن تتحول حياته إلى سيرة مكتملة، فإنها تحتفظ بشيء من حرارة الحدث واضطرابه ودهشته الأولى. ومن هنا تأتي أهمية البيان الذي أصدرته منظمة الحزب الشيوعي العراقي في چيكوسلوڤاكيا بتاريخ 18 آب/أغسطس 1981، أي بعد يوم واحد من رحيل أبي گاطع في حادث سير. فالبيان، المؤلف من صفحتين، ليس مجرد نعي حزبي لرجل من رجال الحزب، بل شهادة أولى على الطريقة التي كان ينظر بها رفاق شمران إليه لحظة غيابه، وعلى المكان الذي احتله في وجدانهم السياسي والثقافي، وعلى تلك العلاقة النادرة التي صنعها بين المثقف والفلاح، وبين الصحافة والسياسة، وبين السخرية والألم، وبين الانتماء الحزبي والانتماء الأوسع إلى الناس. وبعد خمسة وأربعين عاماً يمكن قراءة هذه الورقتين لا باعتبارهما كلاماً جنائزياً فقط، بل باعتبارهما وثيقة تاريخية صغيرة تختزن وراء عباراتها سيرة رجل وملامح جيل وشيئاً كثيراً من تاريخ العراق المضطرب.
حين وصل خبر الرحيل: الوثيقة في لحظتها التاريخية
تقتضي القراءة التاريخية للوثيقة ألا نبدأ بما تقوله فقط، وإنما بالسؤال عمن كتبها، ومتى كتبت، وأين، ولمن، وفي أية ظروف. وتكتسب هذه الأسئلة أهمية مضاعفة في حالة بيان أبي گاطع، لأننا أمام نص لم يكتب بعد سنوات من موته، ولم يكن حصيلة ذاكرة استعادت الرجل بعد أن عرفت مصير حزبه وبلاده ورفاقه، وإنما صدر في اليوم التالي مباشرة للرحيل. تحمل الصفحة الأخيرة تاريخ 18/8/1981، وتحمل اسم منظمة الحزب الشيوعي العراقي في چيكوسلوڤاكيا، وبذلك يضع النص نفسه داخل زمان ومكان محددين. هذه المسافة الزمنية القصيرة بين الحادث والبيان تجعل الوثيقة قريبة جداً من الصدمة الأولى؛ ولذلك لا ينبغي أن نطالبها بما نطالب به سيرة تاريخية كتبت بعد عقود. إنها وثيقة انفعال ووفاء بقدر ما هي وثيقة معلومات، وصوت جماعة فقدت واحداً من أكثر وجوهها قدرة على مخاطبة الناس. وهذه الطبيعة الحزبية لا ينبغي إخفاؤها ولا اتخاذها سبباً لاستبعاد الوثيقة. فمن أبسط قواعد النقد التاريخي أن المصدر لا يفقد قيمته لأنه منحاز، بل إن معرفة موقع منتجه وانحيازه تساعد على تحديد نوع الحقيقة التي يستطيع أن يقدمها. بيان منظمة الحزب الشيوعي لا يمكن أن يكون حكماً محايداً على علاقة شمران الياسري بالحزب، لكنه مصدر مباشر لفهم الصورة التي أراد الحزب تثبيتها له ساعة الرحيل، والقيم التي عدّها جديرة بأن تبقى مرتبطة باسمه، والمحطات التي اختارها من حياته، والمفردات التي استخدمها في تعريفه. لذلك فإن الصمت في الوثيقة قد يكون مهماً بقدر الكلام، والاختيار مهماً بقدر المعلومة، وطريقة ترتيب حياته كاشفة عن تصور كاتب البيان لمعنى تلك الحياة.
يبدأ البيان على نحو يكشف منذ السطور الأولى مقدار حضور الاسم الشعبي للرجل. فهو لا يحتاج إلى تعريف طويل بشمران الياسري، بل يستدعي أبا گاطع بوصفه اسماً مستقراً في الوعي السياسي والثقافي. ثم تأتي العبارة التي يمكن عدها مفتاحاً للوثيقة كلها، إذ تقول إن الفقيد كرس "فكره وطاقاته النضالية وقلمه منذ أكثر من ربع قرن" لحزب الكادحين، الحزب الشيوعي العراقي. والترتيب هنا بالغ الدلالة: الفكر، والطاقة النضالية، والقلم. ليست أمامنا صورة موظف حزبي، ولا صورة أديب منفصل عن السياسة، وإنما ثلاثة مستويات متداخلة تتجمع في شخص واحد. لقد فهم رفاق شمران الرجل من خلال هذا التركيب تحديداً؛ مفكر يقرأ واقعه، ومناضل يدخل فيه، وكاتب يحوله إلى كلمات تصل إلى الناس. ويكتسب استخدام كلمة "قلمه" أهمية خاصة عند إخضاع البيان للتحليل الداخلي. فالبيانات الحزبية تستطيع أن تحتفي بالالتزام والانضباط والتضحية، لكنها هنا تعود مراراً إلى الكتابة والصحافة والحكاية والسخرية. وهذا يعني أن المكانة التي اكتسبها أبو گاطع لم تكن ناتجة عن مرتبته التنظيمية بقدر ما ارتبطت بقدرته على جعل اللغة جزءاً من الفعل السياسي والاجتماعي. كانت الكتابة عنده ممارسة للحضور بين الناس، وليست نشاطاً موازياً للسياسة. ومن هنا نفهم لماذا استقر اسمه في الذاكرة العراقية خارج الحدود التنظيمية للحزب الذي انتمى إليه.
وفي نقد الوثيقة تبرز أيضاً مسألة شديدة الحساسية تتعلق بوفاته. فالبيان القريب زمنياً من الحدث يتحدث عن رحيله نتيجة "حادث مؤسف"، ولا يقدم اتهاماً مباشراً بالاغتيال ولا يسمي جهة مسؤولة عن موته. وهذه الملاحظة مهمة لأن بعض الروايات اللاحقة أحاطت الحادث بالشبهات. لكن المؤرخ لا يستطيع أن يجعل الشبهة المتأخرة بديلاً عن شهادة الوثيقة المبكرة، كما لا يستطيع في المقابل أن يجعل صمت البيان دليلاً نهائياً على نفي أية فرضية أخرى. ما نستطيع قوله بثقة هو أن المنظمة التي أصدرت بيانها بعد يوم من رحيله اختارت وصف الواقعة بالحادث المؤسف. وما يتجاوز ذلك يحتاج إلى أدلة مستقلة. هكذا تعلمنا الوثيقة درساً في الكتابة التاريخية نفسها: أن نحترم حدود ما نعرف، وألا نجعل محبتنا للرجل سبباً لإضافة ما لم تقله المصادر. لكن حرارة النص تكشف أن الحادث لم يكن بالنسبة إلى رفاقه مجرد خبر موت. ثمة إحساس بانقطاع مشروع لم يكتمل. فالصفحة الثانية تشير إلى تطلع شمران إلى مستقبل يتابع فيه كتاباته وحكاياته ويسهم في العمل الإعلامي المرتبط بالحركة في كردستان. ولذلك يبدو الموت في البيان توقفاً مفاجئاً في منتصف الطريق، لا خاتمة طبيعية لمسيرة استنفدت إمكاناتها. وهذه واحدة من أكثر سمات الوثيقة إنسانية: كاتبها لا يرثي الماضي فقط، بل يرثي المستقبل الذي كان يمكن أن يحدث ولم يحدث.
من الريف إلى المطبعة السرية: كيف صنعت التجربة أبا گاطع؟
لا يكتب البيان سيرة شمران الياسري بالطريقة التقليدية؛ فلا يبدأ بتاريخ الميلاد والتعليم وتسلسل الوظائف، وإنما ينتقي من حياته اللحظات التي يراها مفسرة لشخصيته. وهذا الانتقاء نفسه وثيقة. فهو يضع في قلب السيرة تجربة الريف، والعمل بين الفلاحين، والسنوات الصعبة التي تلت انقلاب شباط 1963، والصحافة السرية، ثم العودة إلى العمل العلني. وكأن حياة الرجل لا تفهم من خلال المناصب التي شغلها، بل من خلال المسافات التي قطعها بين الناس والسلطة، وبين العلن والاختفاء، وبين الكلام المسموح والكلمة المطاردة. كان أبو گاطع ابن البيئة الريفية العراقية بمعنى أعمق من مجرد الانتساب المكاني. الريف في تجربته لم يكن خلفية رومانسية يستدعيها الكاتب حين يحتاج إلى لون محلي، وإنما كان مخزوناً للغة والشخصيات والحكايات والمفارقات الاجتماعية. عرف الفلاح لا باعتباره موضوعاً إحصائياً أو شعاراً سياسياً، بل إنساناً له طريقته في الكلام والضحك والخوف والتحايل على القسوة ومقاومة الظلم. وربما كانت هذه المعرفة المباشرة هي التي أعطت كتابته تلك القدرة على تجاوز اللغة الأيديولوجية الجاهزة. كان يستطيع أن يتحدث في قضية سياسية كبيرة من خلال حكاية صغيرة، وأن يكشف تناقضاً اجتماعياً من خلال جملة شعبية، وأن يجعل السخرية تؤدي وظيفة قد تعجز عنها المقالة النظرية الطويلة.
ويستعيد البيان بوضوح مرحلة القمع التي أعقبت انقلاب شباط 1963، مشيراً إلى ظروف العمل السري والملاحقة وطباعة المواد الحزبية ومخاطبة الناس. وهذه التفاصيل تجعل الوثيقة نافذة على مرحلة كاملة من علاقة المثقف العراقي بالسلطة. ففي بلد كان المجال السياسي فيه يتسع فجأة ثم ينغلق بعنف، لم تكن الحدود مستقرة بين الكاتب والمناضل، ولا بين المطبعة والمخبأ، ولا بين المقال والمخاطرة الشخصية. ويمكن قراءة سيرة أبي گاطع من هذه الزاوية بوصفها سيرة للمجال العام العراقي نفسه: يظهر الكاتب في الصحافة حين يتسع الهامش، ويختفي حين يبدأ القمع، ويكتب سراً حين تصادر العلنية، ثم يعود إلى الصحافة حين تتغير موازين القوى، قبل أن يجد نفسه في النهاية خارج الوطن. ومن أجمل ما تكشفه الوثيقة أن العمل السري لم يمح شخصية الكاتب. كان يمكن للسنوات القاسية أن تحول اللغة إلى خطاب مغلق، لكنها عند شمران ظلت محتفظة بروح الحكاية. هنا تظهر قيمة السخرية بوصفها أكثر من أسلوب أدبي. السخرية عند أبي گاطع كانت طريقة في المعرفة. إنها تفكك مهابة السلطة من خلال كشف تناقضاتها، وتعيد الكبير المتجبر إلى حجمه الإنساني، وتحمي الإنسان البسيط من الشعور بأنه عاجز تماماً. عندما يضحك الناس من السلطة فإنهم، ولو للحظة، يسحبون منها احتكار تعريف الواقع.
ويكشف البيان أيضاً عن الصلة بين التجربة الشخصية والتحولات الكبرى في العراق. تظهر ثورة 14 تموز 1958 في النص باعتبارها لحظة فتحت مجالاً جديداً للكلمة والعمل السياسي، ثم يأتي انقلاب 1963 بوصفه قطيعة عنيفة، وبعده تتكرر تجارب المطاردة والعمل السري. وبذلك تتحول سيرة شمران إلى نوع من الخريطة المصغرة للعراق الجمهوري في عقوده الأولى. لم يكن الرجل واقفاً خارج الأحداث يصفها بعد وقوعها، بل كان داخلها، يتلقى نتائجها على جسده وعمله ومكان إقامته وحقه في الكلام. لهذا يصعب فهم أبي گاطع إذا فصلنا أدبه عن هذه التجربة. فالكتابة لم تأت بعد السياسة، والسياسة لم تكن هامشاً على الأدب. الاثنان تشكلا داخل خبرة اجتماعية واحدة. وحين اتجه إلى الرواية لم يغادر عالم الناس الذي صنع صحافته، بل منحه مساحة سردية أوسع. وحين كتب ساخراً لم يكن يتخلى عن الجدية، بل كان يبحث عن شكل آخر لها. تلك واحدة من المفارقات الجميلة في شخصيته: كان قادراً على أن يجعل الضحك شديد الجدية، وأن يجعل الحكاية الشعبية وثيقة اجتماعية، وأن يحول اللهجة التي ربما نظر إليها بعضهم باعتبارها هامشية إلى أداة للاقتراب من قلب المجتمع العراقي.
"احچيها بصراحة": حين أصبح صوت الكاتب جزءاً من حياة الناس
من أكثر إشارات البيان دلالة استعادته برنامج "احچيها بصراحة أبو گاطع". فالعبارة تبدو للوهلة الأولى تفصيلاً من تفاصيل مسيرة إعلامية، لكنها عند قراءتها في سياق الوثيقة تكشف تحولاً أساسياً في علاقة شمران بجمهوره. لقد غلبت الكنية الاسم، حتى أصبح أبو گاطع هو شمران الياسري في الوعي العام، وربما أصبح أكثر منه أيضاً. الاسم المدني يحدد الفرد، أما الكنية هنا فكانت تحدد وظيفة اجتماعية: الرجل الذي يقولها بصراحة. ولم تكن الصراحة عنده مجرد جرأة لغوية أو ميل إلى المشاكسة. كانت مرتبطة بطريقة مخصوصة في النظر إلى المجتمع. فشمران لا يبدأ من الأعلى ليشرح للناس ما يجري، وإنما يبدأ من الأسفل، من تفاصيل حياتهم، ثم يجعلها تكشف ما يحدث في الأعلى. لذلك استطاع أن يجعل القارئ يشعر أن الصحفي يتكلم بلغته لا عنه، وأن الكاتب يعرف مفرداته لا من المعاجم بل من الحياة. وهذه العلاقة هي التي تفسر جانباً مهماً من حضوره الشعبي؛ فقد كان قريباً من قارئ ربما لا يهتم بالتنظير السياسي، لكنه يعرف جيداً معنى أن يتسلط عليه موظف، أو يرهقه الفقر، أو تصدمه مفارقات الدولة، أو يرى المسافة بين الكلام الرسمي والحياة الفعلية.
هنا ينبغي ألا نقع في خطأ النظر إلى استخدام اللهجة الشعبية باعتباره مجرد عنصر طرافة. اللغة عند أبي گاطع تحمل معرفة اجتماعية. فالكلمة الريفية تختزن علاقة بالأرض والعائلة والعمل والسلطة والمكان، والنكتة تحمل أحياناً تاريخاً من الخبرة لا تستطيع العبارة الرسمية التعبير عنه. ولهذا لم تكن شخصياته مجرد أدوات لإضحاك القارئ، بل حوامل لرؤية العالم. لقد منح من خلال الحكاية والصحافة والرواية أناساً لم يكونوا يحتلون عادة مركز النص الثقافي حق الكلام بأصواتهم. والبيان، على الرغم من لغته الحزبية الواضحة، يدرك بصورة غير مباشرة هذه الخاصية. فهو لا يستطيع أن يتحدث عن شمران من دون الحديث عن قلمه وكتاباته وحكاياته وصراحته. وكأن المنظمة التي تنعاه تعترف بأن الرجل كان أكبر تأثيراً من صفته التنظيمية. لقد امتلك رأسمالاً خاصاً به مصدره الثقة التي صنعتها الكلمة. وهذا تحديداً ما جعل حضوره قابلاً للاستمرار بعد رحيله؛ فالوظيفة الحزبية تنتهي بانتهاء ظرفها، أما الشخصية الأدبية التي تدخل ذاكرة اللغة فإنها تستطيع العيش في أزمنة أخرى.
ومن هنا تأتي أهمية الرباعية الروائية في قراءة تجربته، حتى إن لم يفصل البيان الحديث عنها. ففي عالمه الروائي تتسع المساحة التي بدأها في الصحافة: الإنسان الشعبي لم يعد مثالاً سريعاً في عمود، بل صار شخصية لها زمن وذاكرة وعلاقات ومصير. ومن خلاله يمكن قراءة الريف العراقي وتحولاته والتفاوت الاجتماعي وصراع القوى الجديدة والقديمة. وبذلك يصبح الأدب عند شمران امتداداً لذاكرته الاجتماعية، لا انسحاباً من السياسة. غير أن قيمة أبي گاطع لا تكمن في أنه كان يحمل موقفاً سياسياً محدداً فحسب. لو كان الأمر كذلك لبقي اسمه داخل تاريخ حزبه وحده. الذي أبقاه في الذاكرة العراقية هو قدرته على تحويل الموقف إلى أسلوب، والأسلوب إلى صوت، والصوت إلى علاقة حميمة مع الناس. وربما لهذا يشعر قارئه بعد عقود أن بعض جمله لم تشخ. فالأنظمة تغيرت، والشعارات تبدلت، ووسائل الإعلام انتقلت من الصحيفة والمذياع إلى الفضاء الرقمي، لكن المفارقة بين المواطن والسلطة، وبين اللغة الرسمية والحياة اليومية، ما زالت قادرة على إنتاج ذلك النوع من السخرية الذي صنع عالم أبي گاطع.
خمسة وأربعون عاماً بعد ذلك البيان: الرجل الذي بقي في قلب الحكاية
تصل الوثيقة في نهايتها إلى عبارة تقول إن شمران سيظل في "قلب الوطن كما في قلب الشعب". ومن السهل قراءة هذه الجملة بوصفها جزءاً مألوفاً من لغة الرثاء السياسي، لكن الزمن منحها اختباراً لم يكن كاتب البيان يستطيع معرفته. لقد مرت خمسة وأربعون عاماً، تغير خلالها العراق على نحو يكاد يجعل البلاد التي عرفها شمران عالماً آخر. سقطت أنظمة، وقامت حروب، وحدث حصار واحتلال وتحولات اجتماعية وتكنولوجية هائلة، وتبدلت خرائط القوى السياسية، وتغير الحزب نفسه الذي أصدر البيان وتغير جمهوره وخصومه. ومع ذلك ظل اسم أبي گاطع قابلاً للاستدعاء. وهنا تتحول الوثيقة من نعي إلى سؤال تاريخي: لماذا يبقى بعض الأشخاص بينما ينحسر آخرون كانوا أكثر سلطة منهم في حياتهم؟ لا يستطيع البيان الإجابة عن هذا السؤال لأنه كتب قبل أن يبدأ اختبار الذاكرة، لكنه يقدم عناصر الإجابة. فقد جمع شمران بين تجربة شخصية متجذرة في المجتمع، والتزام سياسي دفع ثمنه، وموهبة في التقاط المفارقة، ولغة قريبة من الناس، وحضور صحفي وأدبي جعل صورته لا تعتمد على مؤسسة واحدة تحفظها.
وربما يكون أجمل ما يمكن فعله في ذكراه ألا نحوله إلى صورة مقدسة. فالتاريخ لا يخدم الذين نحبهم حين يعفيهم من النقد، وإنما حين يعيدهم إلى زمانهم ويقرأ خياراتهم ضمن الممكنات التي كانت متاحة لهم. كان أبو گاطع ابن صراعات عصره، وابن ثقافة سياسية حملت يقينياتها وآمالها وأخطائها مثل كل الثقافات السياسية الكبرى في القرن العشرين. لكن أهميته تتجاوز السؤال عن صحة كل موقف اتخذه. إنها تكمن أيضاً في الطريقة التي عاش بها العلاقة بين الكلمة والمسؤولية. لم يكن الكاتب عنده مراقباً محايداً للناس، وإنما واحداً منهم، يتكلم معهم ويتعرض لما يتعرضون له ويخاطر حين تصبح الكلمة مخاطرة. وعند هذه النقطة تحديداً تكتسب الوثيقة معنى إنسانياً بالغاً. فقد كتب أصحاب البيان وهم لا يعرفون أن الورقتين ستقرآن بعد خمسة وأربعين عاماً. لم يكونوا يؤرخون لأنفسهم، بل كانوا يحاولون استيعاب خبر رحيل رفيقهم. ولهذا تظهر بين اللغة السياسية عبارات تنتمي إلى الحزن البشري المباشر: الإحساس بالخسارة، واستعادة الوفاء، والتفكير في عائلته وأصدقائه، والأسى على المشاريع التي كان يريد إكمالها. وفي نهاية النص تقدم المنظمة تعازيها إلى عائلة الفقيد ورفاقه وأصدقائه. خلف كلمة "الفقيد" هنا رجل له بيت وأهل وأصدقاء، وليس رمزاً سياسياً مجرداً.
وهذا ما يجعل قراءة البيان اليوم مؤثرة. نحن نعرف ما لم يعرفه كاتبه: نعرف أن شمران لن يعود، وأن السنوات ستتحول إلى عقود، وأن العراق سيدخل أزمنة أشد قسوة مما كان يمكن تخيله سنة 1981. ونعرف أيضاً أن أبا گاطع سيبقى. ستعاد قراءة رواياته، وستستعاد مقالاته، وسيكتب عنه أصدقاؤه وباحثون لم يلتقوه، وستتحول كنيته إلى جزء من الذاكرة الثقافية العراقية. أما أصحاب البيان فلم يكونوا يملكون شيئاً من هذه المعرفة. كانوا يملكون فقط صدمة الأمس. لذلك فإن أفضل وفاء لهذه الوثيقة هو ألا نقرأها باعتبارها شهادة حزبية مغلقة، ولا أن نأخذ كل عباراتها بوصفها حقيقة نهائية، وإنما أن نضعها حيث ينبغي أن تكون: شهادة أولى على رجل رحل فجأة، كتبها أناس عرفوه وشاركوه زمناً من الآمال والمطاردات والمنفى. قيمتها ليست في أنها تقول كل شيء عن أبي گاطع، بل في أنها تقول لنا كيف بدا أبو گاطع في اليوم الأول الذي أصبح فيه ذكرى.
بعد خمسة وأربعين عاماً، لا يعود السؤال من كان شمران الياسري فقط، بل لماذا ما زلنا نحتاج إلى أبي گاطع؟ ربما لأن العراق ما زال يحتاج إلى تلك الصلة النادرة بين الثقافة والناس، وإلى الكاتب الذي لا يتعالى على قارئه، وإلى السخرية التي تكشف ولا تجرح الضعيف، وإلى اللغة التي تعرف أن الحكمة قد تأتي من فلاح بقدر ما تأتي من كتاب، وإلى المثقف الذي لا يجعل المعرفة جداراً بينه وبين المجتمع. وربما لأن عبارة "احچيها بصراحة" لم تكن عنوان برنامج عابر، بل كانت تعريفاً بعلاقة كاملة مع الكتابة. في مساء 18 آب 1981، حين وضعت منظمة الحزب الشيوعي العراقي في چيكوسلوڤاكيا تاريخها في أسفل الصفحة الثانية، انتهى البيان. كان الحبر ما يزال قريباً من خبر الموت، وكانت الصدمة طازجة، وكان الأصدقاء يكتبون عن رجل غاب بالأمس. بعد خمسة وأربعين عاماً نستطيع أن نضع الورقتين أمامنا ونقرأهما بطريقة مختلفة. لم يعد شمران ذلك الغائب الجديد الذي يحاول البيان أن يحفظ صورته من الصدمة، بل أصبح جزءاً من ذاكرة العراق الثقافية. بقيت السخرية، وبقيت الحكاية، وبقي صوت الريف، وبقيت الروايات، وبقي الاسم الذي اختصرته كنية محببة يعرفها العراقيون: أبو گاطع. ولعل أدفأ ما يمكن أن نقوله في ذكراه ليس إنه لم يمت؛ فالموت حقيقة لا تحتاج إلى البلاغة كي ننكرها. الأصدق أن نقول إن بعض الناس يرحلون، لكن شيئاً من أصواتهم يبقى عالقاً في لغة الذين جاءوا بعدهم. وشمران الياسري واحد من هؤلاء. في 17 آب 1981 توقفت حياته، وفي اليوم التالي حاول رفاقه بورقتين أن يقولوا مقدار خسارتهم. أما اليوم، بعد خمسة وأربعين عاماً، فقد أصبحت الورقتان نفسيهما شاهداً على أن الرجل الذي كانوا يخشون فقدانه لم يختف تماماً. بقي أبو گاطع حيث كان يحب أن يكون: بين الناس، وفي الحكاية، وفي تلك المسافة العراقية الحميمة بين الألم والضحكة، وبين كلمة يخشى الآخرون قولها وصوت يصر، ببساطة وشجاعة، أن "يحچيها بصراحة".








